النقابات المهنية والتحول الديمقراطي في سورية

img

مقدمة: الانخراط في العمل النقابي ضرورة وطنية

يمكن تصنيف العمل النقابي في سورية إلى قطاعين أساسيين في المجتمع، يجمعهما النضال المطلبي الخاص بالمنضوين ضمن النقابات على اختلاف تلاوينها. القطاع الأول هو قطاع النقابات العلمية والمهنية من محامين ومهندسين وأطباء وصيادلة ومهن حرة، وبإمكانه أن يمثل الطبقة الوسطى في المجتمع إلى حد كبير، ويكتسب أهمية سياسية في البلدان التي عاشت عقوداً من الاستبداد وإلغاء السياسة في المجتمع، كسورية. والثاني يختص بنقابات العمال والحرفيين، سواء في المؤسسات الاقتصادية العائدة لملكية الدولة أو للقطاع الخاص، وبالإمكان أن تمثل الطبقة العاملة إلى حد كبير في دفاعها عن قضاياها المطلبية، وأن تكون فاعلاً في السياسات الاقتصادية.

تتقدم الهيئة الاستشارية لحزب الشعب الديمقراطي (الهيئة القيادية) بالجزء الأول من ورقة العمل النقابي المتعلق بدور النقابات المهنية والعلمية الاجتماعي والسياسي في مرحلة إعادة البناء والتحول الديمقراطي، أما الجزء الثاني المتعلق بالنقابات العمالية والاتحادات الحرفية فسوف يُقدَّم لاحقاً.

الجزء الأول: النقابات المهنية والتحول الديمقراطي

1- النقابات في العلاقة مع المجتمع المدني والتحول الديمقراطي

يمكن تعريف المجتمع المدني بأنه: (مجموع متضافر من النشاطات الاجتماعية والسياسية الواعية والسلمية والمنظمة خارج نطاق العلاقات ما قبل الوطنية، وخارج نطاق السلطة السياسية، لكن ليس بالضرورة في تنافس أو تضاد معها)، وهو ما يشكل الأساس للتحول الديمقراطي الحقيقي الذي يمتد في عمق المجتمع، كي لا تبقى الديمقراطية قشرة سياسية يسهل قلبها أو الاحتيال عليها.

ومثل هذا التعريف ضروري كأساس مفهومي للمجتمع المدني السوري في المرحلة التاريخية التي نمر بها، والتي ستنشأ من خلالها الدولة السورية الجديدة.

يمكن النظر إلى دور النقابات المهنية الاجتماعي والوطني بوصفه قاطرة لإحياء المجتمع المدني ونقطة ارتكاز لفعالياته الأخرى.

تأتي أهمية دور النقابات المهنية في مرحلة التحول الديمقراطي الراهنة من عدة مصادر:

أولاً: التصحر السياسي الذي مرت به سورية خلال الخمسين عاماً الماضية، حين كانت ممارسة السياسة ترتبط بمخاطر السجن الطويل، ومنع السفر، ومحاربة الناشط في رزقه وفرص عمله في الدولة، فضلاً عن التعذيب والإعدام. هكذا أصبحت السياسة مرادفة لدخول عالم لا يمكن للمرء الخروج منه سالماً، هو وعائلته، وحتى أصدقاؤه في بعض الأحيان. لقد أثّر العمل الممنهج للقمع وإلغاء السياسة من المجتمع من قبل نظام الأسد الأبدي على إضعاف وإنهاك الأحزاب والقوى السياسية إلى حد كبير.

ورثت سورية هذه الحالة بعد سقوط النظام البائد، وبالتالي فنحن أمام مجتمع يتلمس الآن طريقه نحو الحياة السياسية من جديد، في الوقت الذي يحتاج فيه بإلحاح إلى وجود أطر سياسية – اجتماعية توازن تشكيلة السلطة الجديدة التي تكونت من رحم الفصائل المسلحة، وما زالت تمتلك حمولة «عسكرية» وحمولة «إسلامية» في تكوينها وعملها.

لم تعد للأحزاب السياسية المكافحة ضد الاستبداد اليوم، بشكل عام، سوى قواعد اجتماعية تشبه الجزر الصغيرة المنعزلة ضمن المجتمع، وهي في معظم الحالات تستمد بقاءها من بقايا العلاقات الحزبية القديمة التي يختلط فيها ما هو أيديولوجي بما هو محلي أو عشائري.

مثل تلك البنى الحزبية المنهكة ليست مؤهلة في المرحلة الراهنة لحشد قوى اجتماعية خلف أطر سياسية، كما كان عليه الحال ربما في خمسينيات القرن الماضي.

وهي غير مؤهلة، ليس فقط لأسباب ذاتية، ولكن نتيجة التحولات التي حدثت خلال الفترة السابقة الطويلة، وأسفرت عن ابتعاد المجتمع عن الشعارات ذات الخلفية الأيديولوجية نحو مطالب سياسية واجتماعية أكثر واقعية وتحديداً.

وحتى لو حاولت بعض الأحزاب بذل الجهد في امتلاك قواعد اجتماعية، فسوف يستغرق ذلك وقتاً في إعادة النظر بمفهوم الحزب السياسي، وبناء هيكلية مختلفة وفق مفهوم جديد للحزب. وهذا الوقت ليس متاحاً أمام التحديات العاجلة والمصيرية التي تواجه مهمة تصحيح المسار السياسي الحالي نحو التحول الديمقراطي، بدلاً من حالة التوهان التي ما زال مستنقعاً فيها حتى الآن.

ثانياً: تأتي الأهمية الثانية من ضرورة تقديم بديل حضاري للعلاقات الطائفية والتعصب الطائفي الذي انحدر نحوه الفضاء العام في سورية، فالزمالة المبنية على علاقات العمل يمكن أن تنتج استعادةً للمفاهيم الوطنية والديمقراطية، وهذا ما نحن بأمسّ الحاجة إليه لوقف الانحدار نحو العلاقات الطائفية، ومحاولة بعض التيارات من هنا وهناك تأطير الطائفية سياسياً والانطلاق في العمل السياسي من المفاهيم ما قبل الوطنية، كما يجري في دول مجاورة.

ثالثاً: تمثل النقابات المهنية في معظمها (مهندسين، أطباء، صيادلة، محامين، مهنيين….) الطبقة الوسطى التي تفككت في المرحلة السابقة وفقدت وظيفتها الوطنية بالغة الأهمية، بعد أن كانت الحامل الاجتماعي للتيارات التحررية والتقدمية في المجتمع.

ويعني استعادة الدور الاجتماعي – السياسي للنقابات المهنية استعادة دور الطبقة الوسطى السورية، بكل ما يحمله ذلك من آثار إيجابية على المجتمع.

رابعاً: إن وجود النقابات المهنية في معظم مفاصل المجتمع وحياته يمنحها القدرة على أن تتحول سريعاً إلى قوة سياسية – اجتماعية قادرة على أن تكون قاطرةً للمجتمع المدني ومحوراً رئيسياً لتجمعه واستعادة فعاليته ودوره في التوازن المطلوب بين السلطة والمجتمع. وبالتالي، فعند الحديث عن المجتمع المدني تبرز النقابات كأداة لا غنى عنها لبلورة الفعاليات الأخرى (الجمعيات التطوعية، المنتديات الثقافية والفكرية والسياسية، التحركات المطلبية… إلخ) والتنسيق بينها لتحقيق أهداف المرحلة في التحول الديمقراطي بالتكاتف مع القوى السياسية الناهضة من جديد، بحيث لا يأتي ذلك التحول من فوق، ولكن من المجتمع ذاته، دون إهمال دور السلطة أو التقليل منه.

تلك أهم الأسباب التي تجعل من تحرير النقابات من أية وصاية خارجية، والعمل على دمقرطتها، مدخلاً لامتلاك الأداة الاجتماعية – السياسية التي يمكن أن تسهم بفعالية في ضبط بوصلة التحول الديمقراطي والاستمرار داخل المجتمع في إنجاز مختلف جوانب ذلك التحول.

2- العمل النقابي في سورية:

لقد استطاع حافظ الأسد أن يدعم سيطرته على البلد من خلال سيطرته على النقابات ومنظمات المجتمع المدني، وكانت هذه النقابات بمثابة أذرع تدعم عمل الأجهزة الأمنية، وخاصة بعد طرحه «النقابية السياسية» التي تهدف إلى إلغاء الدور المطلبي والإبقاء على الدور الداعم سياسياً لممارسات النظام.

ولا بد من الإشارة إلى تمكن بعض الشخصيات الوطنية والديمقراطية من الوصول إلى قيادة النقابات ومشاركتها في الحراك الشعبي الذي قمعه نظام حافظ الأسد بوحشية في ثمانينيات القرن الماضي، ويمكن أن نذكر بعض الأسماء، والذين دفع قسم منهم حياته نتيجة دوره في ذاك الحراك، منهم الدكتور عمر الشيشكلي، طبيب العيون الذي قُتل بوحشية بمدينة حماة، والمحامي غسان أبازيد الذي اعتُقل وقُتل في تدمر، والدكتور المهندس كرامة بدورة الذي جاور الرفيق المرحوم رياض الترك في زنزانته، وغيرهم الكثير. هذا يعطينا فكرة أنه يمكن اختراق أي نظام انتخابي مهما كان جائراً، أما عندما تُلغى العملية الانتخابية، عندها نكون أمام حائط يصعب تجاوزه.

ما نشهده الآن هو أن كل القيادات النقابية جرى تعيينها من قبل السلطة الحالية، دون احترام لآلية العمليات الانتخابية التي تُفرز قيادات قادرة على أن تكون ممثلة، بنسبة ما، لقواعدها، مما لا يمكن قبوله والعمل من خلاله.

3- مقترحات

أولاً: العمل من خلال الرفاق والأصدقاء والحلفاء، وخاصة من لهم خبرة بالعمل النقابي، على إعادة هيكلة النقابات وتشكيل وعي نقابي يسهم في استعادة دور النقابات الاجتماعي والوطني، انطلاقاً من واقع كل نقابة، لإعادة الأمور إلى مسارها الصحيح.

ثانياً: يمكن البدء بذلك بالتواصل مع بعض قواعد المنتسبين لهذه النقابات خارج الإطار النقابي، من خلال الندوات والمنتديات ووسائط التواصل الاجتماعي، لخلق وعي حول معنى العمل النقابي ودور النقابات وكيفية الوصول إلى عقد مؤتمرات تنتخب قيادات بديلة.

ثالثاً: الحث المستمر على تعميم تجربة اعتصام النقابات في حلب حتى تصبح حالة عامة تمارس ضغطاً ملموساً يدفع السلطة إلى رفع يدها عن الوصاية على العمل النقابي ومنظمات المجتمع المدني.

رابعاً: اعتبار مجالس النقابات الموروثة عن النظام البائد غير شرعية، ولا تمثل القاعدة النقابية، وكذلك أية تعديلات تم فرضها من قبل الحكومة الحالية.

خامساً: ممارسة الضغط انطلاقاً من قواعد النقابات للمطالبة بحل المجالس الحالية وانتخاب مجالس حرة بالطرق الديمقراطية. (يمكن استخدام أدوات ديمقراطية مثل الاعتصام، كما في تجربة اعتصام نقابات حلب المذكورة أعلاه، أو جمع التواقيع ضمن عرائض، أو غير ذلك).

سادساً: إعادة النظر بالنظام النقابي لتمكين القاعدة النقابية من محاسبة القيادات النقابية سنوياً عبر المؤتمر العام، والتمديد لها أو إسقاطها بالاقتراع العام.

سابعاً: التأكيد باستمرار على استقلال النقابات عن السلطة السياسية، ورفض أي شكل من أشكال الوصاية عليها.

ثامناً: تفعيل مساهمة النقابات في التخطيط لمرحلة إعادة الإعمار، وتمثيلها في المجالس المحلية، وبناء علاقة إيجابية ندّية مع السلطات الإدارية والسياسية في كل محافظة.

تاسعاً: بعد إنجاز انتخاب مجالس حرة وديمقراطية، ينبغي العمل لتشكيل تجمع للنقابات المهنية يعزز دور النقابات المهنية على النطاق الوطني.

الهيئة الاستشارية لحزب الشعب الديمقراطي السوري (الهيئة القيادية)

13/6/2026


الكاتب الهيئة القيادية

الهيئة القيادية

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة