عالمٌ تُفرِّقه السياسة، وتجمعه الكرة الساحرة

img

في الطقس الكوني لنهائي كأس العالم 2026، الذي وصفه إنفانتينو، رئيس الفيفا، بالأهم في تاريخ كرة القدم، كانت الاحتفالية الكبرى، منذ ما قبل بداية النهائي، وشائج من الغناء، والموسيقى، والرقص، والإعلام، والرموز، والتنظيم، والهتافات، والأمن الأمريكي الصارم، وصخب هتافات مشجعي الفريقين داخل الاستاد، وخارجه في إسبانيا، والأرجنتين أمام التلفازات، والمقاهي، وفي المنازل، والميادين، والعيون الشاخصة كونياً فيما وراء الألواح الرقمية والهواتف المحمولة.

كان الفريقان، “روخا/الميتادورز”، و”التانغو”، يختصران ويختزلان عالماً بأكمله في تعددياته، وتناقضاته، ومنافساته، وتوتراته، في عالم تشوبه بعض الصراعات الدولية حول المكانة، والمصالح، والسيولة النسبية، واللايقين. كان الفريقان يمثلان دولتين متوسطتين، إسبانيا والأرجنتين، في المجال السياسي، لكنهما، عبر المنافسات الكروية، وصلا إلى قمة النظام الكروي العالمي. الفريق الإسباني انتصر من خلال اللعب كفريق منظم ومنضبط في دفاعه، ووسطه، وهجومه، وتمريراته، ومهارات لاعبيه، وملكات وتوجيهات مديره الفني لافوينتي، ومدربي الفريق الإسباني، أما المدرب الأرجنتيني، ليونيل سكالوني، وفريقه الفني، فكان يعتمد على مهارة وموهبة لاعبه الكوني الشهير، ميسي، وخبراته، وقدرته على اقتناص الفرص، وتحويلها إلى أهداف في أي دقيقة أو ثوانٍ، أو صنع الفرص لزملائه من اللاعبين الموهوبين، الذين يمارسون اللعبة بالقوة البدنية، والخبرة، والمهارات، وبعض التجاوزات طيلة تصفيات الكأس، حتى المباراة النهائية!

شكَّلت المباراة النهائية ذروة توظيف القوة البدنية في اللعب، وما شاب ذلك من تجاوزات، تمثل بعضاً من انتهاك قواعد اللعبة، والسلوك التحكيمي، ومن ثم نظام التحكيم، وقانون اللعبة، وبدا الأمر شائعاً في غالبية مباريات الكأس، وأدوار التصفية، وصولاً إلى دور الـ 16، والثمانية، وصولاً إلى النهائي، وتحديد الأول، والثاني، والثالث، والرابع! ومن المثير ملاحظة قيام بعض أعضاء الفريق الأرجنتيني بالتعدي الجسدي على بعض اللاعبين الإسبان فور انتهاء المباراة، وهو ما يخضع لرقابة وتحقيق الفيفا، والمرجح فرض عقوبات على هؤلاء اللاعبين.

العنف البدني الضاري، والقوة البدنية، باتا يعكسان مباريات كرة القدم، وتجاوزات بعض اللجان التحكيمية، ومثَّلا سمة الدورة التي انتهت. ورغم تقنية VAR، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يماثل بعضاً من حالة التنظيم الدولي، والنظام الدولي أثناء الحرب الباردة، وما بعدها، حيث تنتهك بعض الدول الكبرى قواعده، ومعه القانون الدولي العام، ونظام الشرعية الدولية، ولا تملك المنظمات الدولية المختصة السلطة والقدرة على وقف الخروج على قواعد الشرعية الدولية إزاء الدول الكبرى، أعضاء مجلس الأمن الدولي.

ظهرت بعض الأطقم التحكيمية مترددة حيناً، وتتجاوز قانون وقواعد اللعبة، وخاصة في بعض الاعتداءات الجسدية من بعض اللاعبين، ولا سيما الأرجنتينيين وغيرهم في مراحل التصفيات المتتالية، بعضهم خشية الجمهور، وبعضهم ربما تحيزاً ضمنياً ومستتراً لفرق دون أخرى، مثل الأرجنتين وآخرين، ووقفت وراءهم الفيفا دفاعاً عنهم وعنها! ومن الجلي ملاحظة أن توظيف القدرات العضلية في اللعب بات سمة مسابقة كأس العالم، على نحو أدى نسبياً إلى تراجع بعض جماليات اللعب بين الفرق المتنافسة من أجل تحقيق الفوز على بعضها بعضاً! ومرجع ذلك أن النصر في المباريات بات أهم من اللعب وجمالياته، وذلك يعود إلى الهدف الرئيس، وهو إشباع رغبة جماهير بلادهم – على تعددها الاجتماعي والطبقي، ومكوناتها أياً كانت – في تحقيق الفوز، ومعه نشوة الانتصار، وبهجة الفرح، والفخار، وخاصة فرق الدول المتوسطة، ولا سيما في جنوب العالم، مثل الأرجنتين، وتعظيم اللاعبين لوزنهم في السوق الكروي. ومن ثم يظهر البعد السياسي في تجليات وتوظيفات الساحرة المستديرة، والوظيفة السياسية لها، المستترة حيناً، والظاهرة غالباً. تبدو الوظيفة السياسية في المجتمعات والدول متعددة المكونات في أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، وصراعاتها الهوياتية بين مكوناتها المتعددة، وأزمات التكامل الوطني الداخلية. ومن هنا، فإن كرة القدم هي آلة تعبئة سياسية فعالة لكل هذه المكونات وراء فريقها، ولو لأسابيع أو أيام المسابقة الكونية، حيث ترفع الأعلام، والرموز، والأغاني، والموسيقى، والرقصات القومية في طقس المشاهدة في الملاعب، أو في المدن، والأرياف، والشوارع، والمقاهي، والمشارب. وتمثل مشاركة الفرق الوطنية لحظات التحام وتواشج المكونات المختلفة، والهويات المتعددة تحت أعلام وأزياء الفرق الوطنية.

في البلدان الأوروبية بدا حضور بعض اللاعبين الموهوبين من دول الجنوب، والمستعمرات السابقة، في منتخباتها، وهو ما يمثل علامة على التعدد والتعايش، خاصة في ظل توترات وتعصب الاتجاهات السياسية اليمينية الشعبوية والعرقية المناهضة للمهاجرين، والمواطنين الذين ولدوا من أصول عرقية غير أوروبية داخل بلدانهم أو خارجها، في فرنسا، وبلجيكا، وغيرهما من بعض الدول الأوروبية، وفشل سياسات الاندماج الداخلي. ومن ثم تمثل التعددية العرقية في الفرق الأوروبية علامة رمزية على التعايش في مكونات الفرق القومية الأوروبية، على نحو ما بات يمثله الحضور العرقي الأفريقي والأوروبي في الفرق والمباريات، ولو في الطقس الكروي الكوني. ومن ثم يبدو هذا التداخل بين السياسة وكرة القدم، ويتجلى أيضاً في عديد الأنسجة، من بينها محاولة ترامب أن يحقق بعضاً من شعبيته على المسرح الكروي الكوني، في ظل تآكلها مع تدخلاته، وانتهاكاته لبعض قواعد النظام الليبرالي الرئاسي، وفصل السلطات، وبعض قراراته الاقتصادية، وهجومه على حرية الصحافة، وأيضاً في دعمه لحرب الإبادة الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني، ومواقفه إزاء حرب أوكرانيا، والحرب مع إسرائيل على إيران، ومواقفه من حلفائه في دول حلف الناتو.

محاولة ترامب توظيف كأس العالم، وتحيزه لميسي والفريق الأرجنتيني، وتدخله في قرارات التحكيم، لم تستطع أن تحقق غالب رغباته الغرائبية، وهو ما ظهر في لحظة تسليم الكأس والميداليات الذهبية للميتادورز، حيث عامله اللاعبون الإسبان بفتور لافت في مشهدية الانتصار، وبعض لاعبي الميتادورز – رودريغو – تجاوز في التربيت عليه، وحذف الفيفا والاتحاد الإسباني صورته من صورة التتويج واحتفالية النصر الإسباني، وكل اللاعبين، والفريق الفني بقيادة لافوينتي، تحت وهج النصر، سارعوا للاحتفال، وفشلت محاولة ترامب في السطو على لحظة الفرح الاحتفالية بفوز الفريق الإسباني. بل ذهب مورغان فريمان، الممثل الأمريكي الشهير، إلى القول إن: «ترامب غاضب، ويعاني من انهيار كبير، لأن الفيفا، وإسبانيا، ومعظم شبكات اللعبة، وشبكات الأخبار الرياضية، قاموا بمحو صورته المحرجة باحتفال كأس العالم»، وأن الاتحاد الإسباني حذف ترامب من صورة التتويج! وكان طقس الاحتفال الكوني بالنصر في نهائيات كأس العالم كاشفاً عن مركزية الفرق واللاعبين في مشهديات الشهرة والحضور الكوني، بالمقارنة مع السياسيين في الدول الأكثر تطوراً وثقلاً في النظام الدولي – باستثناء عدم الاهتمام الصيني – ومعهم الدول المتوسطة، والدول الصغرى في أقاليم العالم الجنوبية. وكان احتفال الأسرة المالكة الإسبانية يتسم بالفرح الغامر، والبساطة القريبة من الإسبان، والجماهير الكونية العاشقة للساحرة المستديرة.

من بعض التداخل بين السياسة والساحرة الكونية، ذيوع بعضٍ من نظرية المؤامرة، والتفكير التآمري بين بعضهم على الحياتين الرقمية والفعلية، وخاصة الجموع الرقمية الغفيرة في عالمنا العربي، ومصر، وهو امتداد لهذا النمط من التفكير السائد شعبياً ونخبوياً لتبرير الهزائم السياسية، والعسكرية، والفشل النخبوي، والكسل الجماهيري – المتعدد الفئات الاجتماعية – والإخفاقات المتعددة في عديد المجالات، ولعب أدوار الضحية، في ظل هيمنة العقل الجمعي القدري والميتافيزيقي، وأساطيره، وأوهامه، وهو ما تستريح له النخب السياسية المستبدة والفاشلة.

ساد هذا التفكير في كأس العالم 2026، وخاصة في مباريات الأرجنتين وبعض الفرق الأخرى، وظهور هنات وأخطاء التحكيم، وانتصار الأرجنتين على الفريق المصري، وعدم احتساب الحكم أخطاءً ظاهرة، وإلغاء هدف للفريق المصري!

في السياسة، والكرة، ومفهوم الشهرة الكونية، يبدو نجوم كرة القدم هم الأكثر شهرةً، وذيوعاً، وأجراً من السياسيين الكبار، والمتوسطين، ومرجع ذلك تنافسية اللعبة، وكونية حضورها الشعبي والجماهيري من كافة الطبقات، والفئات الاجتماعية في عالمنا كله، لأنها لعبة جامعة للمكونات الاجتماعية في كل الأمم، والشعوب الأكثر تطوراً، والمتوسطة، والفقيرة. واتسعت نطاقات الاهتمام بالساحرة الكونية الفاتنة مع ثورة وسائل الإعلام المرئية، والفضائيات، وثورة وسائل التواصل الاجتماعي، والثورة الرقمية، وباتت تمثل شغفاً لهياكل الأعمار في جميع أنحاء عالمنا المتعدد، من كبار السن، والمتقاعدين، إلى الشباب، والصبيان، والأطفال، وهو ما يتجلى في شغف جيلي Z وألفا بالكرة، الذي يبدو بلا حدود، نظراً لقدرتهم على متابعة مباريات الفرق المتنافسة في بلادهم، وفي دوريات وكؤوس الدول، وفرقها المحلية الكبرى، والمسابقات القارية والدولية، ولا سيما في أوروبا – ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا – وأمريكا اللاتينية، وقارات العالم الأخرى.

هذا الشغف بدا من كيان لامال، الطفل الصغير – ثلاث سنوات – أخ لامين يامال، النجم الإسباني – من أصول مغربية وأفريقية – وبات من أهم وجوه كأس العالم، واحتفائه العفوي بالنصر، بل وأثناء المباريات، كما رصدته الكاميرات، وشاشات الهواتف المحمولة، وهو يلعب بالكرة مع صغار أبناء اللاعبين الإسبان بعد نهاية المباراة، وطقوس الفوز. كانت البراءة، والعفوية، والشغف بكرة القدم، علامةً على اهتمامات أطفال العالم بالساحرة الفاتنة.

تبدو السياسة حاضرة في بعض تحيزات جماهير كرة القدم في المنافسات الكونية، على نحو ما ظهر في تشجيع غالب الشعوب العربية للمنتخبين المصري والمغربي، كرد فعل على حالة الإحباط، والعجز العربي السياسي، وصراعات الأنظمة السياسية مع بعضها بعضاً، وتفكك العالم العربي. ومن ثم كان دعم الفريقين رداً على العجز في حدود مباريات كرة القدم، وتعبيراً عن وحدة المشاعر، واللغة، والثقافة. ومن ناحية أخرى، كان موقف بعض القلة القليلة من بعض المكونات الدينية والمذهبية من تشجيع الأرجنتين، وراءه موقف إسبانيا من حرب الإبادة الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني!

كانت بعض القطاعات الواسعة من جماهير كرة القدم العربية مع إسبانيا ضد الأرجنتين، ناتجةً عن موقف ترامب، ودعمه لميسي، وزيارة الأخير إلى إسرائيل، ودعم نتنياهو والشعب الإسرائيلي للأرجنتين في مواجهة إسبانيا، وموقفها من حرب الإبادة.

بعضهم، وهم قلة قليلة جداً، كانوا مع الأرجنتين للشغف بميسي، وخبراته، ومواهبه، وفريقه، ولموقفهم السلبي من مقاومة الشعب الفلسطيني المشروعة ضد الاحتلال في 7 أكتوبر!

السياسة في المرحلة التاريخية النيوليبرالية حاضرة في تأثيراتها على النخب السياسية في عالمنا، وسياساته، واقتصادياته، وقوانينه، ومنافساته، وصراعاته، وأيضاً في كرة القدم التي تم تسليعها، وتسييس بعض قرارات الاتحاد الدولي، الفيفا، والاتحادات القارية، والقومية. وعلى مستوى اقتصاديات الكأس – ذات الارتباط بالرأسمالية النيوليبرالية وقواعدها وقيمها – باتت تشكل موارد مالية للاتحادات الوطنية والقارية، والفرق المتنافسة، وأيضاً شركات المراهنات، والإعلانات، وإنتاج السلع الرياضية على اختلافها. وأيضاً تجلى ذلك في متوسط إنفاق الجمهور، البالغ 100 دولار، ووفق البيانات المتاحة إعلامياً، فإن مباريات الكأس الأخيرة شهدت ارتفاعاً بنسبة 6.3 في المئة في إنفاق البطاقات داخل المدن المستضيفة للمباريات، وفق بنك أوف أمريكا، مقابل 16.7 في المئة في إنفاق الزوار من خارج هذه المدن. وتشير الأرقام إلى ازدياد مداخيل الفيفا، التي وصلت إلى 9 مليارات دولار، بزيادة على نسخة قطر 2022 تقارب ملياري دولار، خاصة في ظل توسيع الفرق المشاركة في مونديال 2026 من 32 منتخباً عام 2022 إلى 48 منتخباً، وهو ما أدى إلى توسع البطولة، وأثر ذلك تجارياً، وأيضاً في الجذب الجماهيري. إن قيمة الجوائز المالية وصلت إلى 871 مليون دولار، وهو رقم وصف بالقياسي، مع حصول كل منتخب شارك في البطولة على 12.5 مليون دولار على الأقل. (انظر مجلة المجلة، 9 يوليو 2026، في منشورها على الفيسبوك).

لا شك أن اقتصاديات اللعبة، والفاعلين الرأسماليين النيوليبراليين، هي أحد وجوه الارتباط بين كرة القدم والاقتصاد العالمي، وأيضاً في السياسة، وتداخل كليهما معاً، على نحو ما يبدو في سلوك رئيس الفيفا جياني إنفانتينو في التقرب من رؤساء الدول والحكومات، ومنح ترامب جائزة الفيفا للسلام عام 2025، وتغليب الربحية على مصالح البشر، ومنح السعودية حق استضافة كأس العالم عام 2034 في ظل منافسة محدودة، ودون دراسة متكاملة، وتناسي سجلها في انتهاكات حقوق الإنسان في كأس قطر، وفق التقارير الدولية، ووصل به الأمر إلى وصف منتقدي هذا السجل بأنهم “منافقون”. (انظر مقال كريستوفر فيليبس بمجلة المجلة، 8 يوليو 2026، المنشور على الفيسبوك).

في السعي إلى تعظيم موارد الاتحاد الدولي، الفيفا، يدرس إنفانتينو اقتراحاً قدمه اتحاد أمريكا الجنوبية لتوسيع عدد الفرق المشاركة في الكأس القادمة لتشمل 64 فريقاً بدلاً من 48 منتخباً قومياً، وذلك ليرتفع عدد المباريات، وفق هذا المقترح، إلى 128 مباراة.

هذا المقترح هو تعبير عن النظرة السلعية، والمالية، والاقتصادية للعبة. وعلى الرغم من انتقادات عديدين لسياسة إنفانتينو، إلا أنه بات مؤثراً على الاتحادات القارية في أفريقيا، وآسيا، وأمريكا الجنوبية، ويبدو أنه سيعاد انتخابه في عام 2027، وذلك رغم انتقادات الأوروبيين له، حيث ذهب رئيس الليغا، تيباس، إلى القول: “نحن محكومون بمؤسسة تفعل ما يحلو لها وقتما تشاء، لا تخدم إلا مصالحها الخاصة، دون التفكير في لعبة كرة القدم، ناهيك بالتشاور معها، وفي كثير من الأحيان تتصرف هذه المؤسسة على حساب اللعبة… لقد دمروا كرة القدم”، وطالب رئيس الليغا إنفانتينو بالاستقالة من رئاسة الفيفا. (المصدر: منشور موقع مباشر بلس على الفيسبوك، يوم الثلاثاء 21 يوليو 2026).

يعتمد إنفانتينو على علاقاته وتحالفاته مع اتحادات دول الجنوب، وعلى التغير في موازين القوى الكروية في ظل صعود فرق ومنتخبات الجنوب، بمستويات متطورة وطامحة لتحقيق إنجازات في كأس العالم، وأيضاً الحضور العرقي من دول الجنوب في منتخبات الفرق الأوروبية القومية، من ذوي الأصول الأفريقية واللاتينية، من أبناء المهاجرين، أو المتجنسين من اللاعبين. ومن ثم، فإن بعض التراجع الأوروبي السياسي جعله يعتمد على اتحادات دول جنوب العالم. ومن الملاحظ أن بعض فسادات الفيفا، أو تجاوزاتها، لم تعد قاصرة في رصدها وانتقادها على أوروبا أو آخرين، وإنما باتت جزءاً من انتقادات الجماهير الرقمية القارية والوطنية على وسائل التواصل الاجتماعي. هنا تتجلى اختلالات، ومناورات، وألاعيب السياسة في الاتحادات القارية، والوطنية، والفيفا، في سياسات كرة القدم.

رغم التداخلات بين السياسة، والاقتصاد، والكرة الساحرة، وبعض الفسادات المتواشجة بينها، إلا أن عشق الكرة، وتدفق المعلومات، ورؤية المباريات المونديالية، والقارية، والإقليمية، والوطنية، جعلت الاتحادات كافة، بما فيها الفيفا، تحت الرقابة الجماهيرية، وتوجيه الانتقادات الحادة لها على الحياة الرقمية، حول السياسات والقرارات الرياضية الكروية، مثلها مثل السياسيين في عالمنا، شماله وجنوبه.

تبدو السياسة، إذن، في كرة القدم حاضرة، لكنها تأخذ مظاهر كروية ومشهدية، ويحكمها جمهور كوني متعدد الثقافات، واللغات، والأديان، والمذاهب، ومتضارب المصالح، والتوجهات، والسياسات، وتجمعه الساحرة المستديرة في الشغف بها، ومنافساتها، وتناقضاتها، ولو في زمن المباريات! في عالم مضطرب، وشعوب قلقة من تحولات كبرى تتم خارج إراداتها بالقوة والتكنولوجيا في ثورتها الرابعة، ومشارف الخامسة، ولا يجمعها سوى عشق الساحرة المستديرة.

توحد العالم المتعدد بات متجلياً حول الشغف، والعشق العارم، والمشاعر الوطنية الجامحة، أو لجماليات اللعبة الفاتنة العابرة للثقافات، ومن ثم لحظات توحد، وتقارب، وتوتر، وتناقضات، بينما السياسة الدولية نزاعات، وحروب، وفي بعضها نيران، ودماء، وتدمير، وهدم، وإبادات! السياسة الدولية مصالح متعارضة، ومتضاربة، ونزاعات سياسية حول الأدوار، والمكانة الإقليمية والدولية، وبناء التحالفات، وشيوع حالة كونية من اللايقين، وبعض من السيولة، والاضطراب، والقلق في لحظة تحول إلى عالم مختلف يشكل قطيعة على كافة الصعد، تفرقه السياسة، والتقنية، والثورة الصناعية الرابعة، وبشائر الخامسة، ومعها ما بعد الإنسانية، وستظل الساحرة الكونية حاضرة تعبيراً عن الحضور والوجود الإنساني في عالم مختلف، سيغيرنا كثقافات، ولغات، وقيم، ومعارف، مع تهميش يلوح في الأفق لقطاعات اجتماعية ووظيفية عديدة خلال العامين القادمين، ووجود 50 إلى 60 مليون عاطل عالمياً! ومع هذه التحولات التقنية فائقة التطور، ستتغير مفاهيم إنسانية، مثل السياسة، والعمل، والوجود الإنساني، ومع ذلك ستبقى الساحرة، والشغف الإنساني بها، في قلب العالم الجديد المختلف.

المصدر: الأهرام


الكاتب د. نبيل عبد الفتاح

د. نبيل عبد الفتاح

باحث وكاتب صحفي مصري. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وشغل منصب رئيس مركز تاريخ الأهرام، كما عمل رئيساً لفريق تحرير "تقرير الحالة الدينية" في مصر. مختصّ في شؤون الجماعات الإسلامية الأصولية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة