مقاربة أولية لواقع التعليم في سوريا
يتقدم مكتب السياسة بهذه الورقة التي تخص كارثة التعليم، للمساهمة في نقاشها، وإجراء قراءات ميدانية مقاربة للواقع، وامتلاك وعي مناسب لفهمها وسبل معالجتها على نطاق واسع.
تبدو قضية التعليم من أخطر المسائل التي تواجهها سوريا في المرحلة الانتقالية؛ وما حصل من زلزال في الواقع الاجتماعي السوري خلال أربعة عشر عاماً من حرب نظام الأسد على الشعب، وهجرة ونزوح ما يقارب نصف السكان، وتدمير جزء لا يُستهان به من البنية التحتية، وما سبق ذلك من انحدار في العملية التعليمية من إهمال وأدلجة وإخضاع… كل ذلك جعل من ضرورة وضع حد لكارثة التعليم في سوريا قضية عاجلة، وينبغي أن تحظى باهتمام وطني واسع.
إن القيام بأي مقاربة جدية للواقع الحالي لا بد أن يقرأ كل الظروف والهوامش المحيطة بالعملية التعليمية في سياقها الموضوعي والتاريخي، كما أن أي جهد أو خطة لإنقاذ الوضع الحالي يتطلب وضع سلم أولويات، وتوفير الحد الأدنى من مقومات النجاح. لا بد من عمل جدي لا يحتمل التأجيل لوقف كارثة التعليم التي تعيشها البلاد، لا سيما في المرحلة الابتدائية التي تركز عليها هذه الورقة.
بعض المؤشرات في الواقع العياني:
1- تضرر البنية التحتية:
تم تدمير نحو 9000 مدرسة كلياً أو جزئياً، أُخرجت من الخدمة، وتعرضت مدارس أخرى لأضرار بالغة تحتاج إلى إعادة تأهيل. وقد أُعيد تفعيل قرابة 2000 مدرسة بعد التحرير. ويُشار إلى أن بعض المدارس كانت أصلاً غير صالحة للاستيعاب، فضلاً عن الاكتظاظ الشديد في الصفوف.
ويُضاف إلى ذلك تدني كفاءة الكوادر التعليمية، لا سيما المعلمين، واضطرارهم إلى ممارسة عمل آخر بسبب الضائقة الاقتصادية وتدني الأجور. كما يشكل المعلمون الوكلاء نحو 80%، وكثير منهم غير مؤهل تربوياً. وتفتقر مدارس عديدة إلى أبسط التجهيزات، مثل المقاعد والشروط الصحية الملائمة، مما أساء إلى التعليم الرسمي وفتح المجال أمام توسع التعليم الخاص والدروس المأجورة المكلفة، خاصة لطلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية، في ظل معيشة نحو 90% من السكان تحت خط الفقر.
2- انخفاض نسبة الالتحاق:
انقطع عدد كبير من الأطفال عن الدراسة بسبب النزوح الداخلي أو اللجوء الخارجي. وانتقل بعضهم إلى مدارس مدعومة من منظمات، لكنها عانت من ضعف الاستقرار. وتشير التقديرات إلى أن ما يقارب 4 ملايين طفل فقدوا القدرة على التعلم باللغة العربية، بينهم 2.5 مليون متسرب دفعتهم ظروف الفقر إلى العمل.
ولا يزال عدد كبير من السوريين يعيشون في مخيمات في تركيا ولبنان والأردن وأوروبا. كما يوجد نحو 5.5 مليون أمي يخضعون لبرامج تعليم الكبار (منهم 1.2 مليون عادوا من دول أجنبية)، التي تعتمد على تسريع الترفيع الصفي وفق قدراتهم.
إضافة إلى ذلك، هناك نحو 1.1 مليون طفل في أوروبا يجهل معظمهم الكتابة بالعربية، ويحتاجون إلى تأهيل لغوي في حال عودة قسم منهم.
3- تفاوت جودة التعليم والمناهج:
شهدت البلاد تفاوتاً كبيراً في جودة التعليم بين مناطق جغرافية متعددة قبل الثورة، وتفاقم الأمر في العقد الأخير قبل سقوط النظام البائد في المناطق التي بقيت تحت سيطرته، ناهيك عن المناطق التي خرجت عن سيطرته، مع اختلاف المناهج والأيديولوجيات التي تقف خلفها. وقد خضع التلاميذ السوريون فعلياً إلى أربعة مناهج بحسب السيطرة السياسية والأمنية، مما أربك الطلاب والعملية التعليمية.
وقد جرى مؤخراً توحيد المناهج مبدئياً، على أن تُجرَّب لمدة عام قبل تثبيتها أو تعديلها. إلا أن نقص الكوادر بسبب الهجرة، وتفاوت الأجور، وارتفاع تكاليف المعيشة، لا يزال يعيق الاستقرار التعليمي، خاصة في مناطق الشمال، حيث تعيق كلفة إعادة الإعمار عودة السكان من المخيمات، بانتظار دعم دولي لا غنى عنه، وهو ما يرتبط أيضاً بإمكانية عودة قسم من اللاجئين السوريين في أوروبا.
4- في التعليم الإعدادي والثانوي:
المناهج بعد عام 2006 لم تكن سيئة بالإطار العام، لكنها افتقرت إلى العوامل اللوجستية الأساسية: معلم ذو كفاءة ودخل يغنيه عن أعمال أخرى، وصفوف قليلة العدد، وتقنيات تعليم لم تكن متوفرة، واستقلالية المعلم والجهاز الإداري عن السلطة وحزبها وأجهزتها.
5- العامل النفسي:
أثّرت الحرب بعمق في جيل كامل، وانعكس ذلك على التحصيل الدراسي والسلوك داخل المدارس، ما يتطلب مقاربات تربوية ونفسية متكاملة تتجاوز التعليم.
إطلالة نظرية أولية على محيط العملية التعليمية
المشكلة ليست تعليمية فحسب، بل مرتبطة بأوضاع بنيوية للدولة والاقتصاد والمجتمع.
إذن لابد من مقاربة ما يحيط بالعملية التعليمية من هوامش؛ إذ ترتبط مشكلات التربية والتعليم في سوريا بثلاثة هوامش لم تعد هامشية فعلاً، لأنها تنفذ إلى المتن من تلقاء نفسها وتعيد تشكيله. أولها انهيار التعليم الأساسي، لا على مستوى جودته فحسب، بل على مستوى جدواه أيضاً. فالمشكلة لم تعد مقتصرة على ضعف المدرسة، بل في أن البنى الخارجة عن نطاق التعليم باتت تعمل ضد أي وحدة وطنية أو مواطنية جامعة. للتربية دور كبير في بناء الإنسان، لكن دورها الأعمق يتمثل في بناء الكتلة؛ أي إنتاج حد أدنى من التوحيد في المظهر، واللغة المشتركة، ومعنى الانتماء العام. وهذا تحديداً ما يبدو مفقوداً في سوريا.
الهامش الأول هو الإرث الذي يدخل به الأطفال إلى العالم قبل أن يدخلوا المدرسة أصلاً: إرث من الفقر، والنزوح، والتشتت، والخوف، وتفتت الرواية التي يفهم بها الإنسان نفسه وحياته ومعنى وجوده. الطفل هنا لا يرث ضعفاً مادياً فحسب، بل يرث انكساراً في صورة الإنسان ذاتها. فقد يكون فضاؤه الأول خيمة، أو بيتاً مؤقتاً، أو جغرافيا مهددة دائماً بالرحيل، لا فضاءً ثابتاً يسمح بتكوّن ذاكرة متماسكة أو علاقة مستقرة بالعالم. وفي مثل هذه الشروط، لا يعود النسيان مجرد عارض، بل يغدو ضرورة للبقاء، ضرورة نفسية تكاد تكون شرطاً للاستمرار. غير أن هذا النسيان الضروري لا يمر بلا ثمن، إذ ينتج أشكالاً من النشاط اللاإنساني أو اللّاسياسي؛ لأن الإنسان الذي لم تتشكل له رواية مفهومة عن نفسه، ولم يستقر في زمن ومعنى، يصبح أكثر قابلية للعيش داخل ردود الفعل لا داخل الفعل، وداخل البقاء العاري لا داخل المواطنة أو الاجتماع السياسي.
أما الهامش الثاني فهو سؤال الخطة التربوية نفسها: من يضع التعليم، ولماذا، ولأي إنسان، ولأي مجتمع؟ هنا تظهر نرجسية مؤسسية سورية واضحة. ننظر إلى الخلف فنرى جامعات ومعاهد وطلاباً ومهندسين وأطباء، ونظن أن هذه الكتلة دليل على حداثة ما. لكن ما صلة كل ذلك بالمجتمع السوري، وبالأخلاق، والقيم، والمواطنة، وفكرة الأمة، والإيثار، أو حتى بالإنتاج وحاجات السوق وبناء المستقبل الفردي؟ تكاد هذه الصلة تكون منعدمة. لقد أسست السلطة السابقة بنية تعليمية واسعة قادرة على تخريج أعداد كبيرة وإنتاج أرقام مطمئنة، لكنها عاجزة عن تكوين إنسان عام، أو ذات علمية منتجة، أو فرد له صلة عضوية بمجتمعه وبمستقبله. كانت مؤسسة تعليمية ممتدة، لكنها مفصولة عن الاقتصاد، وعن الحقل العلمي الحقيقي، وعن أي تصور استراتيجي يربط التعليم من بدايته بنهايته المتوقعة. ولهذا لا تمتلك سوريا حتى الآن مشروعاً تعاونياً كبيراً مع دول ذات خبرة إنتاجية وعلمية كألمانيا أو اليابان أو الصين، مشروعاً يحدد لها من أين تبدأ وإلى أين ينبغي أن تصل.
ولا تقف المشكلة عند الجهة التي وضعت النظام التعليمي، بل تمتد أيضاً إلى الخبرات السورية التي تتصدر اليوم للحديث عنه. فهذه الخبرات، حتى حين يجري التوافق عليها، تحمل في داخلها بنية سلطوية، لأنها لا تستند بما يكفي إلى العلم: لا من جهة الإحصاء، ولا من جهة فهم تداخل الاختصاصات، ولا من جهة قراءة المجتمع كما هو، لا كما يُتخيَّل. نحن لا نتعامل مع مجتمع عادي، بل مع أبناء حرب: مظلومين، ومهددين، ومنفيين، ومثقلين بالفقر والإرهاق الاقتصادي والعنف الاجتماعي والعنف الأسري. حتى وعيهم السياسي الأولي خرج مشوباً بهذه الشروط. لذلك لا يمكن التفكير في التعليم بعقل إداري بسيط أو بخبرة تقنية مغلقة، لأن المسألة أعمق من المناهج والمؤسسات. إن التعليم في سوريا يحتاج إلى مستوى من الفهم البنيوي للعقل الجمعي لا نملكه بعد. نحتاج إلى إدراك كيفية تداخل آثار الحرب، والفقر، والمنفى، والعنف، والتفكك الرمزي في تكوين الطفل والطالب والمجتمع، لكننا ما زلنا ضعفاء في فهم أنفسنا كبنية جماعية. ولهذا تبدو أزمة التربية في سوريا أزمة مجتمع لم يعد يعرف كيف يعلّم فحسب، بل كيف يتصور الإنسان الذي يريد بناءه.
الهامش الثالث هو البيئة الاجتماعية والرمزية التي تعيش فيها التربية، وهي في سوريا بيئة مناقضة لها في كثير من الأحيان. فالطفل لا يتشكل عبر المدرسة أو المناهج فقط، بل أيضاً عبر اللغة اليومية، وصور السلطة، والعنف داخل البيت والشارع، والخطاب الديني أو الطائفي، والإعلام، والقدوات العامة، وشكل القانون حين يُطبَّق أو يُغيَّب. وحين يكون المجال العام مكسوراً ومحمولاً على الخوف والعصبية والنجاة الفردية والامتثال، تصبح التربية عاجزة عن إنتاج أثرها، لأن المجتمع بأسره يتحول إلى مؤسسة مضادة للتربية. هنا لا تضيع المدرسة وحدها، بل يضيع المعنى الذي يجعل التعليم قابلاً للتحول إلى أخلاق عامة، أو إلى مواطنة، أو إلى ثقافة مشتركة
كيف الخروج من هذا الواقع المأساوي؟
إن الحلول لهذه المشكلات لا بد أن تخضع لسلم أولويات ضمن وضع معقد (الأزمة ليست مناهج فحسب، بل إنسان مُنهك + مؤسسة ضعيفة + بيئة تعيق التعلم).
ما نطرحه في هذه الورقة مجرد عناوين واجتهاد في هذا الإطار، يؤكد على ما هو عاجل، وما يفترض أن يكون في صلب التوجهات:
أولاً: منع الانهيار (عاجل)
• تشغيل التعليم الأساسي بأي شكل ممكن (دوام جزئي/مزدوج/بدائل مؤقتة).
• وضع خطة إسعافية للقضاء على الأمية في الأجيال الشابة، وتشجيع الهيئات الاجتماعية المدنية على التطوع لدعم هذه المهمة.
• تعويض نقص الكوادر بتدريب سريع + دليل تدريس مبسط موحد.
• إبقاء الطلاب عبر حوافز (غذاء/دعم نقدي) ومرونة للطلاب العاملين.
• إدخال دعم نفسي أساسي داخل المدرسة، وتدريب المعلمين على التعامل مع الصدمات.
ثانياً: استعادة الوظيفة التعليمية
• توفير البيئة الصفية المناسبة: المعلم المؤهل والمكتفي مادياً، والمدارس المجهزة الواسعة والمريحة والتلميذ المتحرر من اوضاع القهر والخوف والجوع والراغب في التعلم .
• تحويل هدف التعليم من “شهادة” إلى “قدرة على الفهم والعمل” .
• ربط التعليم بسوق العمل (مسارات مهنية + شراكات محلية).
• منهج أساسي موحد مع مرونة محلية، يركز على الفهم لا الحفظ والابتعاد عن التلقين.
• بناء نظام بيانات فعلي لتتبع الالتحاق والتسرب واتخاذ القرار.
ثالثاً: الإصلاح الهيكلي
• إعادة بناء مهنة التعليم (أجور أفضل + ربط بالأداء).
• إدخال التكنولوجيا في كل المراحل التعليمية.
• شراكات دولية عميقة لنقل نماذج ناجحة (لا دورات شكلية).
• إعادة توجيه التعليم العالي نحو التخصصات التطبيقية.
• تطوير تعليم رقمي منخفض الكلفة يدعم الجودة ويعوض النقص.
رابعاً: الشرط البنيوي
• تقليل الفقر كشرط للتعلم.
• الحد من العنف الاجتماعي المحيط بالمدرسة.
• ترسيخ معنى القانون والمجال العام.
• بناء حد أدنى من سردية وطنية مشتركة.
إذن، لابد مبدئياً من إدارة الأزمة لوضع حد للكارثة التعليمية على صعيد التسرب وتفشي الأمية، ووضع خطة متكاملة للمعالجة على صعيد كل مستويات التعليم: الابتدائي، والإعدادي، والثانوي، والجامعي، والدراسات العليا.
وكذلك العمل على ربط التعليم بالاقتصاد وحاجات المجتمع، وأيضاً إصلاح البيئة الحاضنة له.
إن أزمة التعليم في سوريا ليست أزمة قطاع، بل أزمة مجتمع بأكمله. ولا يمكن معالجتها عبر إصلاحات جزئية أو تقنية فقط، بل تتطلب رؤية شاملة تعيد تعريف وظيفة التعليم ودوره في بناء الإنسان والمجتمع في دولة قانون. إن نجاح أي سياسة تعليمية مرهون بقدرتها على التعامل مع الإنسان السوري بوصفه نتاجاً لظروف حرب قاسية، والعمل على إعادة إدماجه في مسار التعلم والإنتاج والمواطنة.
إن المهام المطلوبة ليست مسؤولية الدولة والجهات المختصة فحسب، بل تعني كل الغيورين على الوطن ومستقبل البلاد من أحزاب سياسية وقوى مجتمع مدني، وتحتاج إلى تضافر الجهود.
مكتب السياسة/الهيئة القيادية لحزب الشعب الديمقراطي السوري
أوائل أيار/ مايو 2026