ثقافة الفتاوى الرقمية في عالم ما بعد الحقيقة

img

في عالمنا المتغير نحو بعض المسارات غير المألوفة في التاريخ الإنساني، في عديد المجالات، تسود السيولة والاضطراب واللايقين، وتتفاقم المشاكل المتراكمة، وتنفجر مشكلات جديدة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وشروخ في بعض البنيات المعرفية والفلسفة والقانون والسياسة والعلوم الاجتماعية، في حين تتطور العلوم الطبيعية والذكاء الاصطناعي على نحو فائق السرعة، وتنعكس على الحياة الإنسانية على نحو غير مسبوق تاريخياً، وتظهر نتائجها في السلوك الاجتماعي والسياسي، وفي أنساق القيم في كل مجتمعات العالم الأكثر تطوراً، والدول المتوسطة، والفقيرة!

نحن أمام حالة استثنائية في تاريخ عالمنا، وستشكل قطيعة مع بعض ما عهده الفكر الإنساني، التي تتراجع بعض من نظرياته وأفكاره، بل ودراساته المحورية في السوسيولوجيا والفلسفة والقانون ومفاهيم الدولة والسيادة والعمل، بل والسياسة ومفاهيمها، وفاعلية نظمها ومؤسساتها… إلى آخره.

بعض موروثنا التاريخي الإنساني سيكون موضعاً للتساؤل، بل وإعادة النظر، وستحل أنساق لغوية واصطلاحية، ونظريات ومفاهيم جديدة غير مألوفة مستمدة من عمليات التحول من الإنسانية الروبوتية إلى ما بعد الإنسانية، وخاصة في ظل التطورات المتسارعة للذكاء الاصطناعي التوليدي، وأثر الرقمنة والحياة الرقمية على الجموع الرقمية والفعلية الغفيرة، وانفجار مشكلات جديدة مغايرة، وبعضها يفاقم مشكلات متراكمة في عديد المجالات في حياتنا.

في عالمنا العربي ومجتمعاته، عسراً ويسراً، تتكالب المشكلات والأزمات، والتخلف الحضاري التاريخي مع هذه التحولات الكبرى، في ظل عسر عمليات التكيف السياسي والبحثي مع تطورات الذكاء الاصطناعي، والآثار السلبية للحياة الرقمية، وطوفان وزلازل الأخبار الكاذبة والمضللة، وتمدد عالم ما بعد الحقيقة في تفاصيل الحياة الرقمية والفعلية. الأخطر أن الفوضى الرقمية وإنتاجها من الجموع الرقمية/الفعلية الغفيرة، أدت إلى حالة من التشوش والتوهان والاضطراب والسطحية من غالبيتها الساحقة في طرح ما يمكن أن نطلق عليه “ثقافة الفتاوى الرقمية” – وهي تطور بالغ الخطورة للشخصية الفهلوية وفقاً لأستاذنا حامد عمار في كتابه “في بناء البشر” – بلا تخصص، أو معرفة، أو دراية حول مشكلات معقدة ومتراكمة، في القيم، والسلوك الاجتماعي، وفي نظم الأحوال الشخصية وقوانينها، وفي الأديان وتاريخها وأصولها الفقهية واللاهوتية والمذهبية، والأخطر في إصدار الأحكام القيمية في كل تفاصيل الحياة، والإفتاء حول الدساتير والقوانين غير الفعالة، والتحقيقات القضائية، والأحكام، وتشخيصات بعضهم للأمراض النفسية! الإفتاء بات سمة الحياة الرقمية المصرية والعربية، وعلامة على “الباثولوجيا الرقمية”، وتحول بعضهم إلى علماء في العلاقات والصراعات الدولية، دون معرفة بتاريخها ونظامها وحروبها العالمية وتطوراتها، والفاعلين السياسيين فيها! طوفان من الإفتاءات حول النظم السياسية والزعامات الغربية والعربية، وحكوماتها، وأحزابها السياسية. إفتاءات عن عالم لا يعرفه غالبيتهم، ولا إقليمهم! تحولت ثقافة الإفتاء دون تخصص ومعرفة، من المجال الديني، والعقل الديني النقلي والسلفي التي تسيطر على غالبية السلطات السياسية والدينية التابعة، والمعاهد والكليات الدينية العربية الإسلامية والمسيحية – والاستثناءات محدودة على كلا الجانبين – انتقلت الإفتاءات من المجال الديني النقلي الموروث إلى واقع مغاير تاريخياً، إلى كافة مجالات الحياة، على نحو أدى إلى تراجع التفكير العلمي، والعقل النقدي الرصين والخلاق إلا لقلة القلة عربياً!

منذ ثورة المعلومات، إلى الرقمنة والحياة الافتراضية، والذكاء الاصطناعي، بات العالم يعيش أمام فيضانات معلوماتية، بعضها زائف، وانطباعات ثقافة السطحية والتفاهة، إلا أن معرفة النخب والجماهير المصرية والعربية – والاستثناءات محدودة – في حالة من التركيز على ذواتهم الشخصية ووقائع محلية، وبعضها إقليمية ودولية، يمارسون حولها نزعات الإفتاءات دون معرفة ومعلومات دقيقة، ولا فحص وتدقيق لما يتداولونه من أخبار كاذبة أو وقائع تاريخية غير صحيحة، أو آراء وروايات وسرديات مختلقة حول تاريخ بلادهم! عدم معرفة تاريخهم يمثل حالة ناتجة عن السرديات السلطوية المتغيرة بعد الاستقلال عن تاريخ السلطة وقادتها، وبعضهم عن سرديات معارضة!

تاريخ سوريا من منظور الأسرة الأسدية وحزب البعث، وتاريخ العراق من منظور صدام، ومنظورات شيعية معارضة قبل وبعد سقوط نظامه، والخليج من منظور شيوخه وأمرائه وملوكه، ونسيان انقلابات القصور! ومصر من منظور السادات ومبارك، وما بعد سلطوياً! ومن منظورات الإخوان وبعض الناصريين والماركسيين، بخلاف دراسات المؤرخين المصريين ومدارسهم من المرحلة شبه الليبرالية والمدرسة الليبرالية القومية المصرية حتى مدرسة التاريخ الاجتماعي، التي لم يقرأها سوى القلة من المفكرين والمثقفين المصريين، أما غالبية أبناء التعليم الرديء فيعيشون في عالم من التشوش والفوضى واللغو عن تاريخ بلادهم الذي درسوا بعضه من منظور السلطة في مراحل التعليم، وهو ما يتجدد في مناسبات نظام يوليو – ٢٣/٧/١٩٥٢ – وحرب أكتوبر، وزيارة القدس، وكامب ديفيد ومقتل السادات، والركود السياسي في عهد مبارك، وانتفاضة يناير، ومراحل ما بعدها. يشارك في فوضى التفاهة وغيرها، انهيار مستوى التعليم والثقافة، والإعلام، وهيمنة التسلطية السياسية على حريات الفكر والتعبير والبحث، وقمع الحريات الأكاديمية، وهيمنة الفتاوى في كل المجالات، وصمت العقول الناقدة عما يجري على الحياة الرقمية الصاخبة بالسطحية والتفاهة واللغو والثرثرة الفارغة!

تراجع الأصوات والكتابات العلمية والنقدية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في عالمنا العربي، يعود إلى هيمنة ثقافة المنشورات والتغريدات والصور الومضات، والفيديوهات الطلقة، وتراجع قراءة الكتب والصحف والمجلات، وأيضاً لعديد الأسباب، التي يمكن طرح بعضها فيما يلي:

1- تراكم القيود القانونية والسياسية والإدارية البيروقراطية المفروضة قسراً على سياسات البحث العلمي السياسية والاجتماعية والطبيعية، منذ نشأة دولة ما بعد الاستقلال، والسياجات السلطوية على الحريات الأكاديمية، وانفصال البحث النظري والتطبيقي والميداني في الجامعات عن مشكلات الواقع الموضوعي، بل وعدم استفادة الحكومات من بعض القلة النادرة الجادة من الأطروحات الجامعية.

2- مع نشأة مراكز البحث الحقوقية، تم التركيز من غالبيتها على بعض الندوات العابرة، وعلى رصد الوقائع الماسة بحقوق الإنسان، والنسويات وحقوق الأطفال والأقليات، لكن من خلال تقارير سريعة، وغير معمقة علمياً من غالبيتها في درس علاقات الانتهاكات بالأسباب السوسيو – سياسية والاقتصادية بأنماط الانتهاكات الحقوقية. من ناحية أخرى، ارتباط التقارير، وبعض المقالات والدراسات المحدودة، باتجاهات سياسات التمويل لغالبية هذه المنظمات الحقوقية ومراكز البحث، والاستثناءات محدودة جداً من بعض القلة لهذه المراكز في لبنان وتونس والمغرب.

وفي أعقاب نشأة الدولة الوطنية ما بعد الكولونيالية، استعان بعض آباء الاستقلال بمراكز البحث الاجتماعي والاقتصادي، على نحو ما كان سائداً في التجربة المصرية في عهد الرئيس جمال عبدالناصر، من معهد البحوث الاجتماعية والجنائية، ومعهد التخطيط القومي، ومركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، الذي لعب أدواراً مهمة في تقديم البحوث السياسية، وتقديرات المواقف في عديد الأزمات، واستطاع تحويل الكتابة عن السياسة من الانطباعات والأحكام المرسلة إلى لغة العلوم السياسية والسوسيولوجية والقانونية المنضبطة. التجربة المصرية تم استمدادها من بعض الدول العربية، إلا أن القيود على حريات البحث العلمي أدت إلى تراجع أدوارها وهامشيتها.

في أعقاب الربيع العربي المجازي، واضطرابات مراحل الانتقال السياسي وفشلها، تراجعت أدوار مراكز البحث الاجتماعي والسياسي في ظل السلطويات الشعبوية، وخاصة مع تراجع الطلب السياسي والاجتماعي عليها، وحدث انفصال نسبي بين صناعة القرار السياسي وبين الإنتاج البحثي بما فيه المراكز الحكومية. الأخطر غياب سياسات بحث جادة في دراسة المشكلات علمياً في مجالات تخصصها. ترتب على ذلك تهميش المهن البحثية المتخصصة ومكانتها الاجتماعية، وعدم التجديد الجيلي في تركيبة الباحثين والخبراء إلا قليلاً جداً في هذه المراكز العربية، وهجرة بعض الباحثين الأكفاء إلى الولايات المتحدة وكندا وألمانيا، وعدم عودة غالبية المبعوثين والحاصلين على منح دراسية للدكتوراه، واستمرارهم في بلدان المهجر. وهجرة آخرين من دول الحروب والنزاعات الأهلية العربية لمن استطاع إلى ذلك سبيلاً!

ثمة أيضاً تراجع في اهتمامات بعض طلاب الجامعات بالتخصص في العلوم الاجتماعية، لتراجع مكانة مراكز البحث الاجتماعي والسياسي، لصالح التعليم من أجل التخصص في مجالات البرمجة والذكاء التوليدي، نظراً لتراجع مكانة الباحث الاجتماعي والسياسي، لصالح تخصصات التطور في مجالات البرمجة والذكاء التوليدي، وهو تعبير عن التغيرات الجيلية لأجيال Z، وما بعد، على خلاف الأوضاع في الدول الأكثر تقدماً، ومعها الدول الإقليمية الكبرى في المنطقة، مثل تركيا وإيران وإسرائيل.

رهابُ الخوف السلطوي العربي من البحوث في المجالات الاجتماعية مسيطر على بعض النخب السياسية العربية، لأنها تكشف عن اختلال غالبية السياسات والخيارات السلطوية في عديد المجالات، على نحو يفتح المجال أمام نقد المواطنين لها، ومعهم الخبراء والمثقفين، وهو ما لا ترضاه السلطات السياسية والبيروقراطية في عديد البلدان أمام شعوبها. بعض دول اليسر النفطي لديها مراكز أبحاث تابعة لأجهزتها الأمنية والاستخباراتية، وتمول بعض المراكز الخاصة في دول أخرى، لا سيما بعد الربيع العربي.

في ظل هيمنة ثقافة الفتاوى الرقمية، والأخبار الكاذبة والمضللة، وعالم ما بعد الحقيقة، ساد التسطيح والتوهان الرقمي، ومعه تتفاقم مشكلات الوعي الاجتماعي والسياسي والعلمي بمشكلات العجز البيروقراطي العربي، وتفاقم المشكلات الاجتماعية، وتعثر التنمية النيوليبرالية. من ثم يبدو أن دول العسر العربية تحتاج سريعاً إلى ما سبق أن أطلقنا عليه في عقد التسعينيات في الأهرام، وما بعد، إلى “سياسة الملفات”، وهو إسناد مشكلة كبرى إلى عالم متخصص ومعه فريق متجانس من الكفاءات يختاره لدراسة هذه المشكلة، وأسبابها، وتطوراتها، وما هي الحلول الواقعية للتعامل معها، وتقدم لرئيس الدولة أو الحكومة. سياسة الملفات عرفتها مصر في عهد مبارك بقطع النظر عن كيفية التعامل معها من صانع القرار السياسي وتابعيه وجهاز حكمه، وفي تونس في عهد بن علي في مجال حقوق الإنسان!، وأيضاً في فرنسا، وفي الولايات المتحدة، واليابان، حول أزمة التعليم في كلا البلدين، والتقرير الأمريكي الشهير “أمة في خطر!” الذي تحول في مصر على أيدي وزير التعليم الدكتور أحمد فتحي سرور ومستشاريه إلى تقرير “أمة لها مستقبل!”، وهو واحد من ما كان يحدث في مصر من أخطاء وسياسات مختلة لا تواجه مشكلات معقدة. في ظل ثقافة الفتاوى، والأكاذيب، والأخبار الذائفة، على الحياة الرقمية والفعلية، تحتاج إلى بعض المواجهات الفعالة من خلال سياسة الملفات، في مصر وتونس، لأن كلا البلدين، وخاصة تونس، عرفا هذه السياسة من قبل. تبدو الأهمية الراهنة لسياسة الملفات أن كلا البلدين وعالمنا العربي المضطرب والمتخلف ليس لديه من الوقت والكسل والتباطؤ لاستمرارية نفس العقل السياسي البيروقراطي الكسول للتعامل مع مشكلات معقدة تحتاج إلى العلم والتخصص والمعرفة، وليس التصريحات الصاخبة ولغو البيروقراطية في السلطة، ونحن نحبو في عالم فائق السرعة، ولا ينتظرنا مصرياً وعربياً!

المصدر: الأهرام


الكاتب د. نبيل عبد الفتاح

د. نبيل عبد الفتاح

باحث وكاتب صحفي مصري. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وشغل منصب رئيس مركز تاريخ الأهرام، كما عمل رئيساً لفريق تحرير "تقرير الحالة الدينية" في مصر. مختصّ في شؤون الجماعات الإسلامية الأصولية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة