ما الذي يمكن أن تتعلمه سوريا الجديدة من النموذج التركي؟
تلفزيون سوريا: 2026.07.18
دُعيت إلى منبر إسطنبول للحوار السياسي، الذي عقد فعاليات “لقاء إسطنبول من أجل سورية” في 26 من نيسان 2011 بمشاركة مفكرين وباحثين وخبراء وناشطي المجتمع المدني في كل من سورية وتركيا، وكان محقاً عندما أعلن أنّ سوريا تقف على مفترق طريقين: إما أن تسلك طريق الحرية والديمقراطية والازدهار أو تبقى عنواناً للظلم والقهر والاستبداد، ويبدو أنّ الدروس المستخلصة منه جديرة بالنظر اليوم.
إذ تستطيع تركيا بمجتمعيها المدني والسياسي، بعد تغيير 8 من كانون الأول/ديسمبر 2024، المساهمة في تقديم حلول نافعة للوضع البالغ التعقيد في سوريا اليوم. فقد نجحت في تحييد جيشها، الذي كان ميالاً إلى تدبير الانقلابات، والكف عن التدخل في الشؤون المدنية التركية. كما استطاعت تحقيق توازن نسبي بين كل مكوّناتها الفكرية والسياسية والإثنية، من خلال مؤسساتها الديمقراطية وتقاليد الدولة العميقة واقتصاد السوق الحرة، والانفتاح المتزايد على محيطها الإقليمي والدولي.
إنّ أهم درس يقدمه النموذج التركي يكمن في أنّ القوة الداخلية هي الشرط الأهم لأية سياسة ناجحة، فلعلَّ أهم ما يميز دور تركيا المتزايد في الشرق الأوسط هو استناده إلى مقوّمات داخلية. فقد وفرت السياسة التركية، خاصة منذ وصول حزب “العدالة والتنمية” إلى السلطة في عام 2002، أسساً داخلية مهمة لدور إقليمي من خلال المضي في طريق الديمقراطية عبر نظام انتخابي تمثيلي، وكسر حدة التطرف، سواء من جانب ذوي النزعة الطورانية أو من جانب جماعات الإسلام السياسي المتطرف. كما عملت باتجاه إيجاد أسس لمعالجة مشكلات مكوّناتها الاجتماعية، بعد أن أرهقت الداخل التركي على مدار أكثر من عقدين. إضافة إلى تحريك الواقع الاجتماعي في الداخل، بما يعطي فرصة أفضل لتعبير الجماعات التركية عن نفسها وتطوير أوضاعها نحو الارتقاء والتقدم.
وفي الواقع لم تتوقف تركيا عن التغيير منذ عقود تكوينها الأولى، فقد كانت القناعة التي أخذت في التبلور، منذ أيام مصطفى كمال أتاتورك الأخيرة، في أنّ سلطة الدولة قد أصبحت عبئاً ثقيلاً على المجتمع، وأنّ إطلاق قوى النهوض لدى الأتراك يتطلب التخفيف من قبضتها على الحياة العامة وأنماط الاجتماع والعقائد. كما أنّ تركيا تتسم بحيوية اقتصادية وإعادة التوازن السياسي منذ انقلاب 1960، لصالح دمقرطة الحياة السياسية التركية وإرادة الشعب التركي.
إنّ السياسة التركية المستقلة أصبحت واضحة، بعد أن استطاعت السلطة، بشفافية ومنهجية علمية، أن تبني جسراً من الثقة والتواصل بين جميع الأطياف في المجتمع التركي الكبير، لتصبح القاعدة في تركيا أنّ المصلحة العامة ليست شعاراً تتقاذفه رموز السلطة، بل هو حقيقة واقعة تعمل الحكومة التركية على ترسيخها فعلاً، فتكون العوائد للجميع، والمنفعة عامة.
إنّ تركيا بلد ديمقراطي، فيها مؤسسات فاعلة ومجتمع مدني متكامل: أحزاب، ونقابات، وصحف مستقلة، حيث يسمح النظام التركي للمجتمع المدني أن يقوم بأنشطته المختلفة في ظل القانون الميسَّر، مثل حرية تأسيس المنتديات والجمعيات، وهذه الجمعيات تلعب دوراً مباشراً وغير مباشر في الحياة السياسية والاجتماعية.
وهكذا، فإنّ تركيا اندمجت بالحداثة السياسية والاجتماعية، إذ تحوز الآن على نظام سياسي ديمقراطي فعّال، واقتصاد مُنتج، كما أنها اكتشفت توازنات ناجعة بين الدين والعلمانية، وبين الإيمان والعلم، والهويات الفرعية والوطنية. وعليه فإنّ ما تتمتع به من مقدرة على لعب دورٍ إقليمي متميز، لم يأتِ في غفلة من الزمن ولا من جيرانها. فبمقدار ما كانت تتقدم نحو استقرار حياتها السياسية الداخلية، كانت دول الجوار تنحدر إلى مزيد من الفساد والتآكل والحروب الأهلية.
وبالنسبة إلى سوريا الجديدة لعلَّ الحلم التركي لدى أغلب السوريين، الذي راهن على تحقيق الإصلاح والتغيير، بات اليوم على المحك، مع تصاعد الحراك الشعبي السوري المطالب بالعدالة الانتقالية وضمان الحريات العامة والفردية، بما فيها تشكيل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني. إذ إنّ حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، الذي بنى سمعته وشعبيته على ترسيخ الديمقراطية ودعم مسيرة الإصلاح السياسي والاقتصادي، لا يمكنه أن يستمر في علاقة مميزة مع السلطة الانتقالية في حال فشل الرئيس في تحقيق الإصلاحات السياسية المطلوبة بسرعة ومصداقية، أو غلّب هواجس مواليه على حساب الحريات والإصلاح.
وفي الوقت نفسه فإنّ تركيا قلقة من تداعيات تنافسها مع إسرائيل على النفوذ في الشرق الأوسط، وهو ما يبرر هذا المشهد الذي تبدو فيه وكأنها تتدخل في الشأن الداخلي السوري بصورة صديق يقدم النصيحة أحياناً ويبدي قلقه وخشيته، لكنه لا يخفي انتقاده ورفضه لما يراه من سلوك سلطات الأمر الواقع أحياناً أخرى.
ومن ملامح هذا التدخل أنّ القادة الأتراك يقدمون التجربة التركية في عملية الانتقال من نظام الحزب الواحد إلى نظام التعددية الحزبية منذ عام 1950، وكذلك مسيرة الإصلاحات التي قام بها حزب “العدالة والتنمية” من أجل إنهاء سيطرة المؤسسة العسكرية على مفاصل الدولة، وبعض مواد الدستور والقانون التركيين من أجل الاستفادة منهما فيما يتعلق بقانون الإعلام والتعددية الحزبية، وكذلك التعليم الديني.
وفي المقابل، فإنّ الحراك الشعبي السوري المطالب بالكرامة والحرية ما فتئ يتصاعد وتتوسع قاعدته الاجتماعية في كل المحافظات، مستنداً إلى سلمية الحراك، كما ظهر في وقفات باب توما والبرلمان مثلاً، وفي العديد من المحافظات.