المرحلة الانتقالية في سورية.. خطة أم يوم بيوم؟
العربي الجديد 9 أغسطس 2026
حين سقط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، لم يكن السوريون يتوقعون أن تتحول بلادهم بين ليلة وضحاها إلى دولة مستقرة، أو أن تُحل أزمات أربعة عشر عاماً من الحرب خلال أشهر قليلة. كان الجميع يدرك حجم الدمار، وتعقيد المشهد الداخلي، وتشابك الملفات الأمنية والاقتصادية والإدارية، ويعرف أن السلطة الانتقالية ورثت دولة منهكة ومؤسسات متهالكة واقتصاداً يكاد يكون مشلولاً.
لكن هذا الإدراك لا يعني أن المرحلة الانتقالية تُدار بلا معايير واضحة، أو أن الزمن الانتقالي يصبح مساحة مفتوحة لا يعرف المواطن إلى أين تتجه ولا كيف تُدار.
فبعد نحو عشرين شهراً من تولي السلطة الانتقالية مسؤولياتها، لم يعد السؤال المطروح: لماذا لم تُحل جميع المشكلات؟ فهذا سؤال غير واقعي في بلد خرج من واحدة من أعقد الحروب في المنطقة. السؤال الحقيقي هو: ما الخطة المرحلية التي تُدار بها هذه السنوات الخمس؟ وما الذي أُنجز منها؟ وما الذي سيتحقق خلال الأشهر المقبلة؟ وكيف يستطيع المواطن أن يقيس الأداء أو يمارس حقه في مساءلة السلطة؟
المساءلة في الدول الحديثة لا تقوم على الوعود الشخصية، بل على البرامج المؤسسية القابلة للمراجعة؛ فالخطة المرحلية وثيقة عمل تُحدِّد الأولويات وتُشرح أسباب تعديلها للرأي العام
لقد نجحت السلطة الانتقالية في تحقيق عدد من الخطوات السياسية والدبلوماسية المهمة. استعادت سورية جزءاً من حضورها العربي والدولي، وتراجعت عزلتها الخارجية مقارنة بما كانت عليه قبل سقوط النظام، وشهدت بعض العقوبات تخفيفاً أو إعادة نظر، كما أُنشئت مؤسسات انتقالية، وصدر الإعلان الدستوري، وتشكل مجلس الشعب، وتحركت الدولة في عدد من الملفات الخارجية بوتيرة لافتة.
لكن هذه الإنجازات، على أهميتها، لا تُغني عن السؤال الذي يواجهه المواطن في حياته اليومية: ماذا بعد؟
فالمواطن الذي يقف أمام ارتفاع الأسعار، أو تراجع القوة الشرائية، أو ضعف الخدمات، أو تأخر إنجاز معاملاته، لا يبحث عن خطاب سياسي مطمئن بقدر ما يبحث عن جدول زمني يقول له: خلال ثلاثة أشهر سننجز كذا، وخلال ستة أشهر سنبدأ بكذا، وخلال عام سنصل إلى هذه النتيجة، وإن تعثر التنفيذ فسنوضح الأسباب ونعلن البدائل.
هذا هو الفارق بين إدارة الأزمة وإدارة المرحلة الانتقالية.
في أكثر من مناسبة، برر الرئيس أحمد الشرع تجنبه إطلاق وعود زمنية محددة بالخوف من عدم القدرة على الوفاء بها. وقد يبدو هذا الموقف تعبيراً عن الحذر، لكنه لا يحل المشكلة. فالمساءلة في الدول الحديثة لا تقوم على الوعود الشخصية، بل على البرامج المؤسسية القابلة للمراجعة والتعديل. والخطة المرحلية ليست تعهداً جامداً، بل وثيقة عمل تُحدِّد الأولويات، وتُراجع عندما تتغير الظروف، وتُشرح أسباب التعديل للرأي العام.
المشكلة اليوم ليست أن السلطة لم تُنجز كل ما يريده السوريون؛ فهذا أمر لا يمكن توقعه في هذه المرحلة. المشكلة أنها لم تقدم، حتى الآن، برامج مرحلية واضحة ومعلنة، تحدد للمواطن ما الذي ستعمل عليه خلال الأشهر الثلاثة أو الستة أو الاثني عشر المقبلة، وما مؤشرات النجاح، وما المعايير التي يمكن على أساسها تقييم الأداء.
فهل هناك برنامج معلن لإصلاح الإدارة العامة خلال العام القادم؟ وهل توجد خطة زمنية واضحة لمعالجة أزمة الوثائق الرسمية؟ أو لتحسين الخدمات الأساسية؟ أو لمراجعة سياسة الأجور والحماية الاجتماعية؟ أو لإعادة هيكلة المؤسسات العامة؟ قد تكون هناك أعمال تُنجز داخل مؤسسات الدولة، لكن المواطن لا يراها ضمن إطار متكامل تمكن متابعته ومساءلة السلطة بشأنه.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فالمواطن لا يفقد ثقته بسبب بطء الإنجاز وحده، بل عندما يعجز عن معرفة ما إذا كان التأخر جزءاً من خطة معلنة، أم نتيجة لغياب الخطة أصلاً.
إن المرحلة الانتقالية ليست شيكاً على بياض، وليست فترة تُعلَّق فيها المساءلة إلى حين إجراء الانتخابات. بل على العكس، كلما كانت السلطة انتقالية وغير منتخبة، ازدادت حاجتها إلى الشفافية وإعلان الأولويات والخطط المرحلية، لأنها تستمد جزءاً مهماً من مشروعيتها من حسن إدارة المرحلة، لا من صناديق الاقتراع.
ولا يعني ذلك مطالبة السلطة بإنجاز المستحيل، أو تجاهل الإرث الثقيل الذي خلفه النظام السابق، بل يعني مطالبتها بإدارة هذا الإرث بطريقة مؤسسية وشفافة. فمن حق السوريين أن يعرفوا ما الذي سيُنجز أولاً، وما الذي سيتأجل، ولماذا، ومتى سيُعاد تقييم النتائج. أما أن تبقى الأولويات والجداول الزمنية حبيسة دوائر القرار، وكأنها خطط عسكرية لا يجوز الكشف عنها، فهذا يفرغ مبدأ المساءلة من مضمونه، ويجعل الثقة قائمة على التوقعات لا على الوقائع.
لقد انقضى ما يقارب ثلث المرحلة الانتقالية، والزمن في مثل هذه المراحل ليس مجرد وقت يمر، بل هو مورد سياسي وإداري ثمين. وكل شهر يمضي من دون أهداف مرحلية معلنة، أو تقارير دورية عن الإنجاز، لا يستهلك من عمر المرحلة فحسب، بل يستهلك أيضاً من رصيد الثقة الذي منحه السوريون للسلطة عند بداية التغيير.
إن نجاح السلطة الانتقالية لن يُقاس فقط بما حققته في السياسة الخارجية، ولا بعدد الاتفاقيات التي وقعتها، ولا بحجم الاعتراف الدولي الذي نالته، بل بقدرتها على إدارة الزمن الانتقالي بكفاءة وشفافية. فالمواطن السوري لا ينتظر المعجزات، لكنه ينتظر أن يرى طريقاً واضحاً، يعرف بدايته، ويفهم محطاته، ويستطيع أن يحاسب المسؤولين على ما تحقق منه وما تعثر.
فالمرحلة الانتقالية ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة للوصول إلى دولة دستورية ومؤسسات شرعية تنبثق من انتخابات حرة ونزيهة. وإذا كانت هذه هي الغاية، فإن أول واجبات السلطة الانتقالية هو أن تُطلع السوريين على خريطة الطريق التي ستقود إليها، لا أن تكتفي بإدارتها يوماً بيوم، تاركة المجتمع ينتظر المستقبل من دون أن يعرف كيف يُصنع.