الإسلام والحداثة السياسية في التجربة التركية*(3-3)

img

أهم إيجابيات التجربة

إنّ أهم إيجابيات تجربة الإسلام السياسي التركي هي:

1- نجاح حكومة حزب “العدالة والتنمية” في أن تبدأ من مشروع وطني تركي شامل وعميق، يحظى بتأييد أغلب فئات الشعب من المتدينين والعلمانيين، وحتى من معظم أفراد الجيش. وينطوي على إجراءات وإصلاحات شاملة في المجتمع، لإطلاق الحريات العامة ومحاربة الفساد وإيقاف تدهور الاقتصاد وقيمة العملة القومية، وإصلاح المنظومة التعليمية ومحاربة كل صور الظلم الاجتماعي ورفع الظلم عن الجماعات المضطهَدة.

2- عدم قدرة المؤسسة العسكرية على اعتراض عملية تقليم أظافرها، بواسطة حكومة ذات خلفية إسلامية، وسكوتها عن إجراءات تستهدف – في نهاية المطاف – حصر نفوذها في حدود الثكنات العسكرية، وحصر دورها في نطاق الأدوار التقليدية للجيوش في الدول الديموقراطية.

3- محاولة جادة لإثبات أنّ كون المجتمع مسلماً لا يمنع انضمامه التام للمجتمع العالمي الحديث كعضو فاعل كامل العضوية، وليس كما يروج ذوو الأهداف الانعزالية للإبقاء على الدول والمجتمعات الإسلامية معزولة عن بقية المجتمع العالمي. فللمرة الأولى في التاريخ المعاصر، تثبت حركة إسلامية ناضجة أنها قادرة على التعامل الجاد، العاقل والمفيد، مع القوى والتجمعات الحديثة، ومع المشكلات المركبة القومية والإقليمية والعالمية بحكمة، وأنها قادرة على عقد الصفقات المفيدة للجميع. والأهم، أنها قادرة على قيادة شعبها قيادة حكيمة بلا تطرف، وعلى قيادته في اتجاه الانضمام الإيجابي الفعال إلى المجتمع الدولي.

أهم دروس وعبر التجربة التركية

يبقى أن نستخلص بعض العبر من هذه التجربة لإسلام سياسي حديث، ونختصرها في النقط التالية:

(1)- النظام الديمقراطي السلمي هو وحده القادر على إحداث التغيير، سواء كان التغيير إنشاءً أو تصحيحاً. ونجاحه في تركيا يدحض ويسفّه الاتجاه الذي يعتمد العنف والإرهاب والمؤامرات لإعداد الانقلابات كوسائل وحيدة للتغيير.

(2)- إنّ الحركات الإسلامية التي تنزلق إلى العمل بأساليب غير ديمقراطية تضل سبيلها، ومن واجبها أن تراجع تصوراتها ومفاهيمها وطرق عملها، وتتأقلم مع متطلبات الحداثة السياسية، وتندمج في مجتمع الواقع السياسي وتقبل التعاون مع مؤسساته. كما عليها أن تنأى عن اعتقادها بأنها وحدها مالكة الحقيقة، بما يجعلها تجاهر غيرها بحملات الإقصاء والتنديد وأحياناً تتصدر أحكام التكفير على المجتمعات. وقد جاء المثال الأفضل من إعلان حزب “العدالة والتنمية” أنه يقبل العلمانية التي لا تناهض الدين، وينخرط في أعماق المجتمع التركي ويتعامل ويتعاون مع المؤسسات الدستورية بما فيها مؤسسة الجيش.

(3)- إسلاميو تركيا يبعثون برسالة بليغة إلى كل حركات الإسلام السياسي مفادها أنه يمكن تقديم الإسلام بصورة مختلفة عما يعرضه الأصوليون المتزمتون الذين يقدمون للعالم صورة متخلفة ومرعبة عنه، إنهم يتحدثون بلغة عصرية مفهومة ويعبّرون عن أفكار متمدنة: فصل الدين عن الدولة، الديمقراطية وحرية العمل السياسي للجميع، كفالة حقوق الإنسان، المساواة بين النساء والرجال.

(4)- إن الدرس الذي ينبغي أن نستوعبه من التجربة التركية هو أنّ الممارسة، التي تتم في ثنايا العملية الديموقراطية، كفيلة بتطوير أفكار الإسلام السياسي وإنضاجها، ومن ثم صعودها سلم الاعتدال بتدرج، وهو الاعتدال الذي يوفر لعناصره قدرة عالية على المرونة. أما في ظل منطق الحظر والقمع، فإنّ فكرة الاعتدال تصبح مطلباً بعيد المنال.

والسؤال هو: كم يلزم الإسلام السياسي العربي من تحولات حتى يفهم أنّ عليه الإقلاع عن أفكاره وتصوراته ومفاهيمه المحنطة عن الماضي والحاضر والمستقبل، وعن الدولة والمجتمع والفرد، وعن المرأة والطفل والحريات الشخصية، وعن الفلسفة والفكر والفن والأدب، والحريات العامة؟

أوليست المجتمعات العربية في حاجة ملحة وعاجلة إلى دولة تقوم على الحق والقانون الديمقراطي، فتكتسب المجتمعات في ظلها المناعة والقوة وتستعيد بفضلها الثقافة العربية – الإسلامية حيويتها وتقوم بتجديد نفسها؟

ربما أنّ ما نشهده من بروز عصر الإسلام السياسي العلماني – الديموقراطي في تركيا، هو المقدمة الأولى والضرورية لبزوغ فجر هذا النوع من الإسلام السياسي في كل العالم العربي.

عن تأثير الأنموذج التركي في العالم العربي

كي نجسد تأثير الأنموذج التركي في عالمنا العربي يبدو علينا أن نرى مشروعاً تركياً يحاول فيه نظام علماني أن يستوعب المكون الديني في المجتمع ويدخله في معادلة النظام السياسي، كما علينا أن نلاحظ أنّ قادة حزب “العدالة والتنمية” قدموا صيغة للعمل السياسي استخلصوها من خصوصية الواقع التركي،‏ بشروطه وسقفه،‏ تعاملت مع الحد الممكن وليس الحد الأقصى‏،‏ ومع الحقائق وليس مع الأمنيات‏.‏ وكذلك أنّ تطوير مشروعهم تم عبر أجواء الممارسة الديمقراطية‏،‏ التي أتاحت فرصة التطوير والإنضاج واكتساب الخبرات. وهو ما يستحق قدر من التأمل والدراسة للتعامل مع هذه الظاهرة، خاصة وأنها تعبّر عن إرادة الشعوب في هذه المنطقة من العالم. إذ تستطيع أن تقدم للعالم العربي أنموذج الدولة الوطنية الحديثة، التي تقوم على قاعدة المواطنة وتتصالح داخلها الهويات الفرعية، العرقية والطائفية، من دون انقسام أو تفتت، فهذا الأنموذج يستطيع إلهام العديد من دولنا العربية المأزومة بتعددياتها الثقافية والمجتمعية.

وهكذا، توضح التجربة التركية أنّ الحركات الإسلامية التي تطرح مقترحات واقعية وعملية تتناسب مع العصر الذي نعيش فيه، وتتكلم لغته ولا تقفز فوق واقعه، ولا تختفي وراء الشعارات الفضفاضة كـ “أسلمة المجتمع” و “الدولة الإسلامية” أو “الإسلام هو الحل”، سيكون نصيبها المساهمة، مع بقية التيارات الفكرية والسياسية، في بلورة مشروع حضاري عربي – إسلامي حديث، يساعد على التعاطي المجدي مع التحديات المطروحة.

(*)– في الأصل ورقة قُدمت في إطار ندوة “الحركات الإسلامية المشاركة في المؤسسات السياسية في البلاد العربية وتركيا” التي نظمها “مركز الدراسات الدستورية والسياسية” في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – جامعة القاضي عياض – مراكش – المغرب، بالتعاون مع مؤسسة ” كونراد أديناور ” الألمانية، خلال يومي 16 و17 يونيو/حزيران 2006.

وقد أعدت صياغتها على ضوء حاجتنا في سوريا، بعد التغيير في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، إلى التوافق بين المقاصد القيمية للإسلام والحداثة السياسية، خاصة بناء الدولة السورية الوطنية الحديثة.


الكاتب الدكتور عبد الله تركماني

الدكتور عبد الله تركماني

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة