الإسلام والحداثة السياسية في التجربة التركية(*) (1-3)
يمثل حزب العدالة والتنمية التركي أنموذجاً يستحق الدراسة والتأمل، ويتزامن هذا الاستحقاق مع حاجة الكثيرين لتفهم طبيعة الإسلام السياسي في تركيا وحدود حضور الإسلام في الحياة الخاصة والعامة للأتراك. لذلك فإنّ مبعث اهتمامي بالتجربة التركية، في السنوات الأخيرة، يرجع إلى انشغالي البحثي بتجارب الانتقال الديمقراطي في مختلف البلدان، بهدف المساهمة في بلورة المشروع التوافقي بين التيارات الفكرية والسياسية الرئيسية، الذي يمكن أن يساعد على خروج سوريا من مأزقها الراهن.
إنّ مشروع هذه القراءة للإسلام والحداثة السياسية في التجربة التركية يقوم على الفصل المنهجي بين ميداني العقيدة الدينية (العقائد والعبادات) والمنجز الحضاري للحداثة، بما هو تراكمات (المعاملات) حصلت عبر التاريخ في مجالي المجتمع والسياسة.
إننا بصدد تجربة متميزة في المجتمع التركي، تقدم إسلاماً آخر غير إسلام الجمود والانغلاق. إنه إسلام متعايش مع العصر، منفتح على العالم، معترف بالحداثة، حريص على الهوية الإسلامية بلا تعصب وبلا إكراه وفرض، وبلا اغتيال للعقل، وبلا تكفير للمجتمع وللعالم.
ومهما يكن من أمر فإنّ التجربة التركية أعادت إلى الأذهان إمكانية التوافق بين الإسلام والحداثة، باعتبارها من أهم المسائل المطروحة على سوريا الجديدة بعد التغيير في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
لقد أصبحت تركيا ميدان اختبار لفكرة توافق الإسلام والحداثة. صحيح أنها تمثل حالة خاصة، فهي العضو الإسلامي الوحيد في حلف الناتو، وهي مندمجة في المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية للغرب إلى درجة أكبر بكثير بالمقارنة مع أي بلد إسلامي آخر. لكنّ هذا لا يعني أنّ ما يحدث في تركيا لا يكتسب أهمية بالنسبة إلى المسلمين في أماكن أخرى.
كيف نفسر صعود نجم حزب «العدالة والتنمية»
يصعب تحديد مجمل الأسباب التي أدت إلى صعود حزب «العدالة والتنمية» إلى الخريطة السياسية التركية خلال أقل من عام ونصف العام على تأسيسه، ولكنّ أحداً لا يستطيع تجاهل عاملين أساسيين مباشرين، إضافة إلى عوامل عميقة المدى سنتناولها لاحقاً، وراء هذا الصعود: أولهما، أنّ الشعب التركي لم يعد على استعداد لإعطاء النخبة التقليدية فرصة أخرى بعد ثلاثة أرباع القرن من العنف والانقسام الداخلي والتوتر والتأزم الاقتصادي المستمر. وثانيهما، أنّ الناخب التركي أمل أن يحقق صعود الحزب إلى الحكم إعادة التوازن إلى إشكالية الهوية والثقافة، التي نخرت الجمهورية التركية وأقامت تلك الهوة العميقة بين الدولة والمجتمع.
وهنا يجدر بنا معرفة أنّ العلمنة التركية لم تكن ناتجة عن تفاعل خصب بين قيم الإسلام وأفكار الحداثة والعقلانية. فالتغيّرات لم تشمل رأس مال المجتمع الرمزي والذي تجسد في الدين والتقاليد والبنى الثقافية العامة. ذلك أنّ إعلان الجمهورية في العام 1923، واستبدال مؤسسات التعليم الديني بمدارس عامة، ووضع القبعة محل الطربوش، وإعلان المساواة بين الرجل والمرأة، وكتابة اللغة التركية بالحروف اللاتينية، واعتبار المجتمع التركي مجتمعاً متجانساً، جاءت كلها بقرار من أتاتورك من دون سجال تاريخي داخل المجتمع الذي كان مكبلاً بشروطه الداخلية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية القاسية.
إنّ الكمالية، كصياغة علمانية متطرفة للهوية، لم تأخذ الموقف المحايد من الدين كما في السياق التاريخي الغربي, بل عادته على المستوى الاجتماعي والثقافي، وقد استفزت منذ الخمسينيات نزعة إحيائية عميقة. ويبقى التمييز الأكبر بين العلمانية التركية والعلمانية الأوروبية أنّ الأولى توسلت الديكتاتورية وسيلة لوضعها موضع التطبيق، فيما شكلت الديموقراطية الإطار الذي ازدهرت فيه العلمانية ونمت في أوروبا. ولهذا السبب فإنّ تيار الإسلام السياسي عاد إلى الظهور من جديد، وبكل قوة، حتى بعد مرور ما يقرب من خمس وسبعين سنة على فرض النظام العلماني الأتاتوركي.
إنّ العلمنة التركية كانت مجرد قشرة سطحية تلتصق على سطح المجتمع من دون أن تنفذ إلى أعماقه أو تترسخ فيه، ولذا فإنها كانت مهددة دائماً من قبل تيار جارف صادر من الأعماق. ولولا أنّ مؤسسة الجيش حمتها بالقوة، وكذلك دور بعض النخب السياسية والفكرية المتأثرة بأفكار الحداثة الأوروبية، لربما كانت تزعزعت وانهارت كلياً. بهذا المعنى فإنّ الخصوصية التركية تذوب، وتصبح تركيا كأي بلد عربي أو إسلامي آخر، أي تصبح بلداً لم يستطع أن يحسم مسألة الصراع بين قيم الماضي وقيم المستقبل بشكل جذري. ولكن يبقى صحيحاً القول: إنّ تركيا مرشحة، منذ صعود نجم حزب ” العدالة والتنمية ” في عام 2002 لأن تفرز تياراً فكرياً قادراً على تحقيق المصالحة التاريخية المنشودة بين القيم الخصوصية وقيم الحداثة الكونية.
1- البنية الاجتماعية
عند ولادة الجمهورية التركية في عشرينيات القرن الماضي، كان 80 % من الشعب يعيشون حياة تقليدية في الريف، وكان فهم الإنسان والمجتمع والدولة والطبيعة والتاريخ مشبعاً – إلى حد كبير – بالمفاهيم الدينية. ومنذ الستينيات أصبح سكان المدينة الجدد، الذين راحوا ينزحون من منطقة الأناضول ويبنون تجمعات مدينية جديدة ويدخلون إلى شبكات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المدينة، يشكلون العمود الفقري للإسلام السياسي. وفي انتخابات مارس/آذار 1994 بدا ناخبوه الأكثر مدينية في تركيا.
وبالنسبة لبنية حزب «العدالة والتنمية» أخذت تقوى وتكسب لها قاعدة جماهيرية واسعة، تمثلها الأوساط الاجتماعية المتوسطة والفقيرة خصوصاً في آلاف القرى والمدن والقصبات التي تنتشر في طول البلاد وعرضها. وقد استفاد الحزب، ليس من الانقسام السياسي التي تمثله كل من النخب العلمانية والفئات الإصلاحية، بل استفاد أيضاً من حالة التجزؤ الاجتماعي بين سكان المدن الكبرى في غرب البلاد وسكان الأرياف والمدن الصغرى في شرقها. ويمكننا القول، من خلال متابعة كل عوامل صعود نجم الحزب، إنّ ثمة توظيفاً للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، التي مرت بها تركيا، والتي استفاد منها سياسياً، وخصوصاً مؤثرات التشرذم الحاد في اقتصاديات البلاد بين الطفيليين وأصحاب رؤوس الأموال والفقراء والعاطلين والمهمشين والمهاجرين.
2- خصوصيات الإسلام السياسي التركي
من المهم أن تكون هذه الخصوصية التركية محل اهتمام وبحث معمقين، كي لا تختلط وتتداخل المفاهيم والتصورات، وتفضي إلى نوع من التشوش الفكري والسياسي، يصعب معه تمييز الفروق الواضحة بين الحركة الإسلامية التركية من جهة والحركات الإسلامية الأصولية المعروفة في العالم الإسلامي. فالحركة الإسلامية التركية لا تنتمي إلى الجماعات الأصولية المتطرفة التي ازدهرت في العالم الإسلامي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بل تختلف – نوعياً – عنها في قضايا أساسية تتعلق بالمرجعية الفكرية وبأشكال وأساليب العمل السياسي والحزبي، وارتباطاً بهذا الاختلاف النوعي دخلت الحركة الإسلامية التركية مرحلة ازدهارها الكبير في اللحظة التي انتقلت فيها الحركات الأصولية الإسلامية إلى نوع من الانكفاء والتراجع، أو الميل نحو الإرهاب والتطرف.
ويبدو ذلك الاعتدال الإسلامي واضحاً من خلال تيار التجديد الديني الرسمي، الذي يتخذ من العلم مناراً وهادياً في قضايا الإسلام وتنفيذ شرائعه، وقد شرحته رئاسة الشؤون الدينية في بيانها الصادر عن مجمع المفتيين في ختام اجتماعهم بتاريخ 13 يوليو/تموز 2000 بالقــول «إنه نظرة جديدة للإسلام في إطار التجديد والحداثة من أجل فهم الإسلام على حقيقته ولتنفيذ شرائعه – أصولاً وفروعاً – باللغة التي يفهمها المؤمنون بها، مع فتح باب الاجتهاد وتفسير القرآن الكريم وفق مفهوم العصر وفي ضوء متطلبات المجتمعات الإسلامية، وفي إطار القيم الإسلامية في احترام حقوق الإنسان وحرية العقيدة والوجدان وحماية حقوق المرأة وإنقاذ الشباب من العادات والممارسات السيئة، وحل مشكلات المجتمع بالحوار والتسامح باحترام أسلوب كل فرد في الحياة في إطار الديموقراطية مع الاعتراف بالرأي الآخر، وإعادة النظر في كتب الفقه والحديث لتنقيتها من الشوائب والخرافات التي تتضمنها الأحاديث الموضوعــة».
3- الانتقاد الذاتي الإسلامي وانشقاق تيار أربكان
وضع حل حزب «الفضيلة» في يونيو/حزيران 2001 حداً لاحتكار نجم الدين أربكان الأحزاب ذات التوجه الإسلامي في تركيا، فأسس رفاق أربكان حزب «السعادة» لكنّ الغالبية الساحقة من نواب حزب «الرفاه» السابق لم ينضموا إلى الحزب الجديد بل فضلوا الدخول إلى حزب «العدالة والتنمية» الذي أسسه محافظ استنبول السابق طيب رجب أردوغان في أغسطس/آب 2001.
في هذا الإطار، اكتسب الجدل بعداً أعمق أدى إلى انشقاق داخل الإسلام السياسي التركي. فقطاع مهم من شباب الحركة الإسلامية دفع الجدل إلى أقصاه، وغيّر مجراه تماماً، عندما صاغ تساؤلات أساسية حول طبيعة المشروع السياسي للحركة الإسلامية المعاصرة. فقد تساءل هؤلاء: لماذا لا نتخذ من العلمانية إطاراً نظرياً للدولة، لا باعتبار ذلك تكتيكاً فرضته موازين القوى داخل تركيا، ولكن إيماناً صادقاً، لكونه مخرجاً للمأزق الأيديولوجي الذي تعانيه الحركات الإسلامية منذ ميلادها؟
(*)– في الأصل ورقة قُدمت في إطار ندوة «الحركات الإسلامية المشاركة في المؤسسات السياسية في البلاد العربية وتركيا» التي نظمها «مركز الدراسات الدستورية والسياسية» في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – جامعة القاضي عياض – مراكش – المغرب، بالتعاون مع مؤسسة «كونراد أديناور» الألمانية، خلال يومي 16 و17 يونيو/حزيران 2006.
وقد أعدت صياغتها على ضوء حاجتنا في سوريا، بعد التغيير في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، إلى التوافق بين المقاصد القيمية للإسلام والحداثة السياسية، خاصة بناء الدولة السورية الوطنية الحديثة.