مجتمع المعرفة ودور الكتاب في التنمية الثقافية العربية (1-4)

img

«الكتاب يصنع المعنى والمعنى يصنع الحياة»

رولان بارت

منذ تسعينيات القرن الماضي يشهد العالم مناقشات خصبة وجادة حول دور الثقافة عامة والكتاب خاصة في ظل مجتمع المعرفة، والطريقة الأمثل للتعامل مع ثورة تكنولوجيا الاتصال والمعلومات. فإلى جانب المفكرين والمثقفين شاركت المنظمات الدولية والإقليمية المعنية بقضايا الثقافة مشاركة فعالة في استجلاء جوانب هذه القضايا، وفي مقدمتها منظمة «اليونسكو» و«المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم» اللتين طورتا اهتمامهما بهذه القضايا، وصاغتا برامج ونظمتا ندوات من أجل التنمية الثقافية للتعاطي مع المستقبل.

وهكذا، يشهد العالم مرحلة إعادة نظر جذرية في قضية الثقافة، بل إعادة اعتبار لها من زاوية استراتيجيات المستقبل، خاصة وأنّ التطورات الجارية تبشّر بمستقبل جديد على مستوى الإنجاز المادي والتقدم التكنولوجي، ومراكز البث الإلكتروني، وبرامج التنفيذ في مجالات الإدارة والعمل الوظيفي. وكان من نتيجة تلك التطورات أن انتشرت مصطلحات جديدة: «مجتمع المعرفة» و«مجتمع المعلومات» و«مجتمع الاستهلاك» و«ما بعد الحداثة» و«ما بعد المجتمع الصناعي».

ولأنّ مجتمع المعرفة مرتبط أشد الارتباط ب «اقتصاديات المعرفة» كمصدر هام لثروات الأمم اليوم، فإنّ تنمية الرأسمال البشري يعتبر مطمح الأمم الحية. وهنا تتنزل أهمية الكتاب ودوره في التنمية الثقافية، باعتباره أحد أهم وسائل هذه التنمية.

إنّ ثورة المعلومات، التي أصبحت هي الميزة الرئيسية للقرن الحادي والعشرين، تأثرت أو تداخلت مع ثورة أخرى وهي ثورة وسائل الاتصال الحديثة، وكل هذا أدى إلى انفجار معلوماتي كبير جداً بحيث أصبح من العسير على الإنسان استيعاب كل المعلومات المتوفرة ودراستها واستغلالها كما ينبغي. وهذه الصعوبة تحتم على الأفراد والمجتمعات تطوير تقنيات وأساليب تجميع وتخزين ومعالجة المعلومات بطريقة رشيدة وذكية وعقلانية. ولهذا أصبح التنافس على الصعيد العالمي في يومنا هذا هو تنافس على إنتاج المعلومة وكيفية استغلالها واستعمالها في المجال الصحيح.

إنّ الحديث عن دور الكتاب في مجتمع المعرفة يندرج في إطار أي حديث عن الثقافة والحضارة، لأنّ الكتاب كان ولا يزال أداة تواصل بين الأفراد والأجيال والأمم. فهو يشكل الوسيلة الأساسية في تناقل المعرفة وتأمينها من الزوال، إضافة إلى دوره في التنشئة الاجتماعية للفرد وتوسيع آفاقه. لذلك تعد رعاية الإبداع وترقيته من بين المتطلبات الحالية للمجتمعات المتطورة، نظراً لما لهذا الأمر من أثر إيجابي على المستويين الاقتصادي – الاجتماعي والثقافي – الحضاري. وترتكز هذه الرعاية على الآليات التي تتيحها السياسات الثقافية في الدول العربية.

وهكذا، فإنّ مقاربتنا تحاول تناول موضوعات رئيسية: ما هو مجتمع المعرفة؟ وما هو واقع وآفاق التنمية الثقافية العربية؟ ‏ وما هو دور الكتاب العربي؟ إذ تبدو الحاجة ماسة لنظرة أشمل لصناعة الكتاب العربي في عصر مجتمع المعرفة‏.‏

– مجتمع المعرفة

أصبح مصطلح ثورة المعلومات وغيره من المفاهيم، كالمجتمع المعلوماتي ومجتمع المعرفة ومجتمع الحاسوب ومجتمع ما بعد الصناعة ومجتمع ما بعد الحداثة، ومجتمع اقتصاد المعرفة والمجتمع الرقمي وغيرها من المصطلحات، المميز الرئيسي لحقبة تاريخية هامة من تاريخ البشرية. ومجتمع المعرفة هو ذلك المجتمع الذي يحسن استعمال المعرفة في تسيير أموره وفي اتخاذ القرارات الرشيدة، وكذلك هو ذلك المجتمع الذي ينتج المعلومة لمعرفة خلفيات وأبعاد الأمور بمختلف أنواعها. لقد أفضت الثورة المعرفية إلى مجتمع المعرفة الذي أصبح يعتمد – أساساً – على المعارف كثروة أساسية، أي على خبرة الموارد البشرية وكفاءتها ومعارفها ومهاراتها كأساس للتنمية البشرية الشاملة، أي أنّ من هذه الموارد المعرفية يمكن إنتاج الكسب واستغلال الطاقات الإنتاجية بصفة أفضل من ذي قبل.

إنّ مجتمع المعرفة، بوضعه المعرفة في قلب المعادلات على اختلاف أنواعها «يشكل فرصة تاريخية نادرة ونقلة نوعية فريدة تجعل من المعرفة أساس السلطان والكسب والجاه»، كما أنّ مجتمع المعرفة «يضع الإنسان كفاعل أساسي، إذ هو معين الإبداع الفكري والمعرفي والمادي، كما أنه الغاية المرجوة من التنمية البشرية كعضو فاعل يؤثر ويتأثر ويبدع لنفسه ولغيره» من خلال شبكات التبادل والتخاطب والتفاعل. وهكذا يتبين أنّ المعادلة الاقتصادية الجديدة «لا تعتمد أساساً على وفرة الموارد الطبيعية ولا على وفرة الموارد المالية فقط، بل على المعرفة والكفاءات والمهارات، أي على العلم والابتكار والتجديد»[1].

– توصيف عام لمجتمع المعرفة

ثمة مصطلحات عديدة استخدمت في توصيف مجتمع المعرفة انطلاقاً من المنظور السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، فأحياناً يطلق عليه «المجتمع ما بعد الصناعي» كما أطلق عليه عالم الاجتماع الفرنسي الشهير آلان تورين، وأحياناً أخرى «المجتمع المعلوماتي» أو «مجتمع المعرفة». إنّ كل هذه التوصيفات تقوم على محاولة إنشاء صلة رمزية بين ثقافة ما بعد الحداثة وظرف اجتماعي معين، فهي تربط بين ولادة «مجتمع ما بعد الصناعة» وبين «ثقافة ما بعد الحداثة»، ويبدو أنّ المفكر الاجتماعي الأمريكي دانييل بل هو الأبرز في دراسة هذه العلاقة الاتصالية، حيث يميز بوضوح بين التحولات الطارئة على الميدان الاقتصادي، وتلك التي جدّت على مجمل الحقل الاجتماعي، حيث أنّ جوهر الاقتصاد ما بعد الصناعي هو المعرفة، بحيث أنّ البنية الاجتماعية المهنية الجديدة إنما تنتظم حول الكفاءات الذهنية، وصفة «الما بعد» ترتبط هنا بالتداعيات الناتجة عن الشخصنة داخل كل قطاعات المجتمع، وهو لذلك يدعو إلى النظر في طبيعة المجتمع ما بعد الصناعي انطلاقاً من تفكك مبادئ الحركة والعمل فيه، أكثر من النظر في الوحدة والتماسك المفترضين لنظامه الاجتماعي.

– الأبعاد المختلفة لمجتمع المعرفة

أصبح لمجتمع المعرفة أبعاد مختلفة ومتشابكة يجب استغلالها كما ينبغي حتى لا نبقى نعيش على هامش المجتمع الدولي، ومن أهم هذه الأبعاد ما يلي[2]:

1- البعد الاقتصادي، إذ تعتبر المعلومة في مجتمع المعرفة هي السلعة أو الخدمة الرئيسية والمصدر الأساسي للقيمة المضافة وخلق فرص العمل وترشيد الاقتصاد، وهذا يعني أنّ المجتمع الذي ينتج المعلومة ويستعملها في مختلف شرايين اقتصاده ونشاطاته المختلفة هو المجتمع الذي يستطيع أن ينافس ويفرض نفسه.

2- البعد التكنولوجي، إذ إنّ مجتمع المعرفة يعني انتشار وسيادة تكنولوجيا المعلومات وتطبيقها، بما فيها الكتاب الإلكتروني، في مختلف مجالات الحياة في المصنع أو المزرعة والمكتب والمدرسة والبيت… الخ. وهذا يعني كذلك ضرورة الاهتمام بالوسائط الإعلامية والمعلوماتية وتكييفها وتطويعها حسب الظروف الموضوعية لكل مجتمع سواء فيما يتعلق بالعتاد أو البرمجيات، كما يعني البعد التكنولوجي لثورة المعلومات توفير البنية اللازمة من وسائل اتصال وتكنولوجيا الاتصالات وجعلها في متناول الجميع.

3- البعد الاجتماعي، إذ يعني مجتمع المعرفة سيادة درجة معينة من الثقافة المعلوماتية في المجتمع وزيادة مستوى الوعي بتكنولوجيا المعلومات وأهمية المعلومة ودورها في الحياة اليومية للإنسان. والمجتمع هنا مطالب بتوفير الوسائط والمعلومات الضرورية من حيث الكم والكيف ومعدل التجدد وسرعة التطوير للمواطن.

4- البعد الثقافي، إذ يعني مجتمع المعرفة إعطاء أهمية معتبرة للمعلومة والمعرفة والاهتمام بالقدرات الإبداعية للأشخاص وتوفير إمكانية حرية التفكير والإبداع والعدالة في توزيع العلم والمعرفة والخدمات بين الطبقات المختلفة في المجتمع، كما يعني نشر الوعي والثقافة في الحياة اليومية للفرد والمؤسسة والمجتمع ككل.

5- البعد السياسي، إذ يعني مجتمع المعرفة إشراك المواطنين في اتخاذ القرارات بطريقة رشيدة وعقلانية أي مبنية على استعمال المعلومة، وهذا بطبيعة الحال لا يحدث إلا بتوسيع إمكانية نشر الكتب وتوفير حرية تداول المعلومات وتوفير مناخ سياسي مبني على الديمقراطية والعدالة والمساواة وإقحامهم في عملية اتخاذ القرار والمشاركة السياسية الفعالة.

إنّ مجتمع المعرفة لا يقتصر على إنتاج المعلومة وتداولها، وإنما يحتاج إلى ثقافة تقيّم وتحترم من ينتج هذه المعلومة ويستغلها في المجال الصحيح، مما يتطلب إيجاد محيط ثقافي واجتماعي وسياسي يؤمن بالمعرفة ودورها في الحياة اليومية للمجتمع.

إعادة صياغة لورقة قُدمت في إطار الندوة التي أقامتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في مقرها بتونس يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول 2003 تحت عنوان «دور الكتاب في تركيز مجتمع المعرفة».

الهوامش:


[1]– د. محمد بن أحمد: الثقافة والتنمية في عصر العولمة – عن كتاب: السياسات الثقافية من أجل التنمية في الوطن العربي، إدارة برامج الثقافة والاتصال في «المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم» – 2002، ص 26 و27.

[2]– د. محمد قيراط: ثورة المعلومات والتحديات الكبرى – عن صحيفة «البيان» الإماراتية – 27 أغسطس/آب 2002.


الكاتب الدكتور عبد الله تركماني

الدكتور عبد الله تركماني

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة