العقل البيروقراطي بين ثنائية القوة والضعف

img

نقد الفكر والسلوك البيروقراطي، يكاد يكون أحد تفاصيل الحياة اليومية في عديد الدول العربية المعسورة، لأن جمود ومناورات وإعادة تكيف العقل البيروقراطي مع السلطات الحاكمة وسياساتها المتغيرة بين الحين والآخر. من ثم بات يمثل أحد أبرز إعاقات أزمات أجهزة الدولة العربية ما بعد الاستقلال، ومن الملاحظ أن الدراسات حول البيروقراطيات العربية تكاد تكون محدودة، وغالباً تاريخية ونظرية، وثمة ندرة لدراسات أمبيريقية عن أنماط تفكيرها، وتشكلاتها ما قبل وما بعد الاستقلال، وعن علاقتها بالسياسات والبرامج الاقتصادية والاجتماعية، ولا نجد دراسات نظرية أو تطبيقية على الأجهزة البيروقراطية الأمنية العربية، وأداءاتها في مواجهة أنماط الجرائم المختلفة. الأهم غياب دراسات تحليلية للعقل البيروقراطي وتداخلاته مع العقل السياسي والعقاري والصفقاتي مع النيوليبرالية.

مرجع غياب هذه الأنماط من الدراسات النظرية والميدانية، مركزية دور البيروقراطية في بناء الأعصاب الحساسة للدولة العربية ما بعد الاستقلال، خاصة أسرارها الدفينة حول واقع المعلومات حول السياسات، والقرارات السياسية والتنفيذية، بعيداً عن اللغة السياسية الشعاراتية للخطابات السياسية والإعلامية للسلطات الحاكمة، ومدى مطابقتها ومفارقتها للواقع الفعلي في جميع المجالات. من ثم تعد أية دراسات موضوعية، تمثل مصدراً لخطر موهوم في العقل السياسي والأمني البراجماتي. من هنا تواجه أية محاولة لدراسة ميدانية للأجهزة، وللسلوك البيروقراطي، برفض الجهات المختصة لهذه المحاولات البحثية.

تتجسد أعصاب الدولة في أجهزتها البيروقراطية ومدى قوتها ووهنها البنيوي في الأزمات الكبرى، وهو ما تجلى في أعقاب الانتفاضات الجماهيرية الواسعة في تونس، ومصر، وما بعدها، حيث كشف أداء البيروقراطية التونسية عن الحد الأدنى من تماسك نظام بورقيبة وبن علي، والأهم قوة الدولة، والبيروقراطية المصرية العتيدة عن تماسكها البنيوي، وحفاظها على رأسمالها المعلوماتي، والخبراتي، وفي ذات الوقت انضباطها، في ظل بعض من الفوضى والسيولة، وخاصة في ظل وجود حركة جماهيرية واسعة من الأجيال الشابة الغاضبة على الجمود والركود السياسي لنظام مبارك، ولكنها كانت غير منظمة، ومحددة المعالم، وبلا قيادات تحركها – أكثر من 375 جماعة وائتلاف ثوري -، وضعف الأحزاب السياسية الرسمية وخارجها، وقوى سياسية دينية إخوانية، وسلفية منظمة، وذات انضباط تنظيمي في التوجيه والحركة.

لا شك أن الانضباط والتماسك البنيوي لأجهزة الدولة البيروقراطية المصرية، والمؤسسة العسكرية والاستخباراتية هو انعكاس للتقاليد التاريخية المستمرة لرسوخ الدولة المصرية الحديثة، وتماسكها منذ نشأتها في عهدي محمد علي، وإسماعيل باشا، وما بعد. البيروقراطية المصرية، ورسـوخ تقاليدها، في ظل الاحتلال البريطاني، كانت خاضعة لأنظمة ومعايير رقابية، وهيراركية صارمة، ورقابة الرأي العام والصحافة الحرة، على الرغم من بعض مسارات النظام شبه الليبرالي، والطبقة شبه الرأسمالية، وشبه الإقطاعية من كبار ملاك الأراضي الزراعية.

من الجدير بالملاحظة أن بناء أجهزة الدولة المصرية الحديثة اعتمد على دور المثقف المصري، ابن البعثات الأجنبية، والتعليم المدني، وجيش إبراهيم باشا، وكوادره المصرية وخبرائه الأجانب. من هنا كان دور المثقف شبه الحداثي بالغ الأهمية في بناء أجهزة الدولة، وممارسة دوره النقدي لها في ذات الوقت، وهي حالة تختلف تاريخياً عن المثقف الفرنسي والأوروبي.

العقل البيروقراطي المصري، تشكل من خلال العقل القانوني شبه الحداثي، ودوره في وضع الهندسات القانونية والاجتماعية الحديثة، وتطبيعها مع الواقع الاجتماعي المصري. أقلمة القوانين الأوروبية – الإيطالية والبلجيكية والفرنسية –، وبناء الأنظمة الإدارية والرقابية، هيمن على بعض من تفكير وسلوك العقل البيروقراطي، حفاظاً على حسن تطبيق قوانين الدولة، ولوائحها وقراراتها الإدارية.

في أعقاب نظام يوليو 1952، اعتمد النظام على فوائض، وقوة البيروقراطية، إلا أن سياسته في إسناد بعض من مواقعها القيادية إلى بعض من الضباط الأحرار، أدى إلى بعض من الاضطراب في فكر وقيادة البيروقراطية، والأهم نقل نظام الهيراركية في تكوينهم الوظيفي إلى الإدارة، بقطع النظر عن عدم فاعليته مع الهيراركية البيروقراطية الإدارية.

في ذات السياقات، أدى ذلك إلى خضوع البيروقراطية إلى مركز السلطة الأوحد عند قمة النظام السياسي، ومواقع القوة حوله، ومن ثم إخضاع العقل البيروقراطي للعقل السلطوي.

من الملاحظ أيضاً أن قوة التقاليد البيروقراطية المصرية استطاعت أن تمد العقل البيروقراطي المصري، بالقدرة على المناورة، والإمساك ببعض أوراق القوة تجاه السلطة الحاكمة من خلال قدرتها على إعاقة تطبيق القوانين والقرارات السياسية والإدارية، من خلال مواريث تفسيراتها للقوانين واللوائح والقرارات الإدارية، حماية لها من المساءلة القانونية والإدارية.

حدث ذلك في عهد الرئيس ناصر، وفي المراحل التالية، على الرغم من أن نظام دمج السلطات – وفق طارق البشري – كان يدور حول رئيس الجمهورية.

العقل البيروقراطي المصري، وقدراته على المناورة والاحتواء للقرار السياسي والاقتصادي، والقوانين واللوائح والقرارات الإدارية، إلا أنه مع نظام الانفتاح الاقتصادي، تراجع رويداً رويداً، وذلك لمواجهة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والتضخم، وتنامي مظاهر الفساد الوظيفي والإداري، وهو ما ظهر في بعض مصادر ثروات قيادات بيروقراطية سابقة، في تشكيل نخبة، ورجال شركات ومشروعات الانفتاح الاقتصادي.

التحول في نموذج التنمية المصري، من نظام رأسمالية الدولة الوطنية – والطريق اللارأسمالي في التنمية – إلى رأسمالية الانفتاح ثم إلى الخصخصة والنيوليبرالية، أدى إلى بعض من التغير في العقل البيروقراطي، وخاصة التحول من ربط العقل والفكر الإداري بالتنمية الوطنية المستقبلة نسبياً في عهد ناصر، ومعها مفاهيم الصالح العام، والمصلحة الوطنية، ومصالح الأغلبيات الشعبية – الطبقة الوسطى الصغيرة، والعمال، والفلاحين – إلى مصالح جديدة، هي طبقة الباب المفتوح اقتصادياً، والمقلق سياسياً، وهو ما أدى، ولا يزال، إلى استخدام العقل البيروقراطي أدواته في تعقيد الإجراءات الإدارية، حول قوانين الاستثمار وتفسيرها، للحفاظ على قدراته، وأيضاً لفتح الأبواب أمام ثقافة الرشى وإهدار المال العام، وهو ما تشير إليه عديد القضايا التي صدرت فيها أحكام إدانة نهائية وباتة.

في ظل نظام مبارك، تمددت ظواهر الفساد الإداري، وتراكم ثروات بعضهم داخل بعض الأجهزة البيروقراطية، وفي مجال الأجهزة الرقابية والمحلية، ومن مظاهرها جرائم الاستيلاء على أراضي الدولة والبناء عليها دون ترخيص، والأخطر باتت الأجهزة البيروقراطية تفرض بعضاً من قوتها، في الحصول على صفة الضبطية القضائية في ممارسة عملها، والتي تحولت إلى أحد أدوات القوة لدى بعضهم، وممارسة الضغوط، للحصول على الرشاوى في بعض مجالات عملهم.

من هنا يمكن القول إن أحد أسباب عدم فعالية قانون الدولة، وسيادته في الواقع الفعلي على المخاطبين بأحكامه، هو تعقيدات بعض الأجهزة والشخصيات البيروقراطية، التي لا تأبه بالقوانين لصالح أهدافها في توظيف القوانين وانتهاك بعض المواطنين لها، لتحقيق بعض مصالحهم غير المشروعة، وفي ذات الوقت لا يردعها، سوى قانون السلطة والمكانة الاجتماعية، في مقابل انتهاكها للقانون، وعدم تطبيقه لصالح قانون الرشوة والفساد.

يبدو هذا التمدد لثقافة الفساد يبرر لدى بعضهم بضعف رواتب الدولة، في مواجهة ارتفاع معدلات التضخم، وثقافة الاستهلاك المفرط وسط الفئات الوسطى – الوسطى، وخاصة بين الأجيال الشابة من جيلي Y و Z، ومعها تكاليف التعليم، والدروس الخصوصية، ومراكزها، وارتفاع أسعار بيع الوحدات السكنية وتأجيرها… إلخ.

بعض من تمدد ثقافة فساد الموظفين العموميين، ترجع إلى تسويغ بعضهم هذا السلوك من خلال أنماط الازدواجيات الدينية، بين الأداء الطقوسي للصلاة، وتقبل الرشى بدعوى مصاعب متطلبات الحياة، وبين أداء مناسك العمرة، والحج للتخلص من خطايا وآثام ممارسة السلوكيات اللاقانونية.

الأخطر أن ثقافة الفساد البيروقراطي، باتت جزءاً من التقبل والخضوع الطوعي من عديد الفئات الاجتماعية – على اختلاف طبقاتها -، وذلك لتسيير الحصول على بعض من مطالبها من أجهزة الدولة – التراخيص، والتواقيع، والأختام، وغيرها المشروعة -، أو لتجاوز تطبيق قوانين الدولة والإدارة على بعض أعمالها وسلوكها في عديد المجالات.

لا شك أن خروج العقل البيروقراطي، وسلوكه عن قانون الدولة يزداد في ظل تفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، والثقافية والتعليمية، في دول العسر، مثل مصر، وتونس.

في الدول العربية، وبناء الدولة الهشة والمجتمعات العربية الانقسامية، ورثت عن الإدارات الاستعمارية، الجهاز الإداري الذي تشكل تحت الحكم الكولونيالي الفرنسي المباشر – الجزائر وتونس على سبيل المثال -، وغير المباشر في العراق، والسودان، وبعد الاستقلال اعتمدت الدول الناشئة على الجهاز البيروقراطي وعقله الموروث عن المستعمر.

شكل الجهاز الإداري – ومكوناته القبلية والعشائرية والمناطقية في نظم الإدارة البريطانية غير المباشرة، والإدارة الفرنسية المباشرة – أساس بناء دولة ما بعد الاستقلال، إلا أنه حمل في تكوينه الطابع الانقسامي، وبعض قليل من مفاهيم الإدارة العابرة لمكونات المجتمع.

العقل السياسي السلطوي بعد الاستقلال وظف الجهاز البيروقراطي لمصالحه وأتباعه، وانحيازاته الأولية، ومع تمدد الجهاز البيروقراطي بات يشكل أحد عقبات مشروعات التنمية السلطوية لرأسمالية الدولة، أو للمشروعات الرأسمالية والنيوليبرالية، وبات علامة على فسادات النظام السياسي في الدول العربية.

العقل البيروقراطي الكسول، وتخلفه عن مواكبة التطورات التقنية والإدارية، بات يمثل أحد عقبات التنمية في ظل النيوليبرالية، وعلامة على فساداتها، وضعف كفاءاتها الإدارية في مجتمعات تعاني من مشكلات اقتصادية وإدارية بالغة التعقيد، في عالم فائق السرعة والتطور في المجالات الإدارية، وهيمنة الذكاء الاصطناعي، والثورة المعلوماتية والرقمية التي بدأت بعض الدول في اللهاث وراءها، ويقف العقل البيروقراطي الموروث والأجيال القديمة أحد العقبات تجاهه.

المصدر: الأهرام


الكاتب نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح

باحث وكاتب صحفي مصري. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وشغل منصب رئيس مركز تاريخ الأهرام، كما عمل رئيساً لفريق تحرير "تقرير الحالة الدينية" في مصر. مختصّ في شؤون الجماعات الإسلامية الأصولية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة