ليس خارج الإنسان فحسب… بل بعده بقليل

img

اليوم، حين صرخ السوريون في غير مدينة ومكان، وارتفع الهتاف «الله أكبر»، لم يكن الصوت مجرد فرحٍ عابر بقبضٍ متأخر على مجرم، بل كان أشبه بانفجار ذاكرةٍ أثقلها الكتمان؛ كأن المدن السورية، بكل ما راكمته من صمتٍ وخوفٍ وتواطؤٍ قسري، وجدت أخيراً منفذاً واحداً تنفذ منه دفعة واحدة. لم يكن الهتاف هنا لافتة دينية بقدر ما كان استعادة أولية للمعنى نفسه: أن ثمة خطاً، مهما تأخر رسمه، يمكن أن يُعاد ترسيمه بين القاتل والضحية، بين الفعل الذي يُرتكب، والاسم الذي يجب أن يُسمّى به. لم يكن الصوت احتفالاً بقدر ما كان محاولةً لإعادة تثبيت حدٍّ انهار طويلاً.

ومع ذلك، فإن اعتقال السفاح أمجد يوسف لا يختصر الجريمة، ولا يوازنها، ولا يطوي صفحتها. ما كشفته الوثائق لم يكن صادماً فقط بحكم الفعل، بل بحكم بنيته: القتل هنا لم يكن اندفاعاً، بل كان ترتيباً؛ لم يكن لحظة، بل كان إجراءً مكتمل البنية. حفرة تُحفر بوعي، ضحايا يُقادون إليها، رصاص يتكرر بإيقاع ثابت، ثم نار تُشعل لا لتدفئ، بل لتمحو الأثر. الأشد قسوة ليس المشهد في حد ذاته، بل برودته: غياب الارتباك، انعدام التردد، كأن ما يجري لا يُعاش بوصفه جريمة، بل يُنفذ بوصفه مهمة. هنا تحديداً يتعرض وعينا لشرخٍ حاد: كيف يمكن لإنسان أن يعبر هذا الحد، ثم يعود إلى حياته، يأكل وينام، ويتحرك في العالم وكأن شيئاً لم يكن؟

استحضار التحليل النفسي، في هذا المستوى، لا يبحث عن تبرير، بل عن الشروط التي تجعل هذا العبور ممكناً دون انهيار داخلي فوري. أول هذه الشروط هو نزع الإنسانية: حين يُعاد تشكيل صورة الضحية في وعي الجاني، فلا تعود إنساناً، بل “شيئاً” أو “هدفاً” أو “عدواً مجرداً”، يسقط الحاجز الأخلاقي الأول، لا عبر إنكاره، بل عبر إعادة تعريفه. بعد ذلك، تتدخل السلطة لا بوصفها أمراً مباشراً فحسب، بل بوصفها جهازاً يعيد تنظيم الإدراك ذاته: ما يُعد جريمة يُعاد تسميته “واجباً”، وما هو قتل يُعاد تأطيره “تنفيذاً”. ضمن هذا الإطار، لا يحتاج الفرد إلى نزعة سادية استثنائية؛ يكفي أن يكون مندمجاً بما يكفي داخل منظومة التعريف الجديدة، حيث تصبح الطاعة تعبيراً عن إيمان، لا مجرد امتثال.

ثم يتسلل العامل الأكثر حسماً: التدرّج. لا تبدأ الكارثة بمجزرة، بل بخطوة أولى تبدو محدودة، ثم خطوة أخرى، ومع كل انتقالة يُعاد ضبط عداد الحساسية الأخلاقية نحو الإنحدار. ما كان صادماً يصبح ممكناً، وما كان ممكناً يغدو عادياً، إلى أن يتشكل تدريجياً ما يمكن تسميته بضميرٍ مُعاد التكوين: ضمير لا يختفي، بل يُعاد توجيهه ليعمل وفق معايير منحرفة، لكنها متماسكة داخل نسقها الخاص.

ولكي يستمر هذا الإنسان في حياته اليومية دون أن ينهار تحت وطأة التناقض، تتكفل آليات داخلية أخرى بإتمام التوازن: انشطارٌ يفصل بين الذات التي تنفذ والذات التي تعيش، بحيث لا يلتقي الاثنان إلا في لحظات عابرة؛ وسردية داخلية تُعاد كتابتها باستمرار لتمنح الفعل معنى محتملاً أو ضرورة مزعومة؛ ثم اعتياد انفعالي يتآكل معه الشعور تدريجياً، لا لأنه اختفى، بل لأنه أُعيد تدريبه على الصمت.

غير أن هذه القراءة، على ضرورتها، تظل ناقصة إذا لم تُوضع ضمن أفق أوسع، وهو ما سبق أن فتحه ممدوح عدوان في “حيونة الإنسان”. عدوان لم ير في العنف عودة إلى الحيواني، بل إنتاجاً إنسانياً خالصاً، لكن في صيغته المنحرفة: القسوة هنا ليست فوضى، بل تنظيم؛ ليست اندفاعاً، بل بناء مُؤدلج ومُدار. الحيوان لا يُعدّ حفرة، ولا يرمي ضحاياه فيها تباعاً، ولا يوثق فعلته بالصوت والصورة. ما نراه ليس سقوطاً إلى الطبيعة البدائية، بل صعوداً مشوّهاً داخل ثقافة مشوهة، حيث تتحول الأدوات والمعاني إلى وسائل لإنتاج العنف بدل كبحه.

غير أن استدعاء هذا التصور يفتح إشكالاً آخر لا يقل تعقيداً: هل نكتفي بوصف ما يحدث بأنه “حيونة للإنسان”، أم أننا، تحت وطأة الصدمة، نميل إلى عكس ذلك تماماً، أي إلى سحب صفة الإنسان عن الفاعل كلياً، كأننا نصحح خللاً في التسمية؟ هذا الميل مفهوم من حيث أثره النفسي، لكنه لا يصمد تحليلياً؛ لأن ما نواجهه هنا ليس خارج الإنسان فحسب… بل بعده بقليل، حيث تبقى البنية وتُسحب منها الحدود.. فالمشكلة ليست أن “الحيوان أُنسن”، بل أن الإنسان بقي إنساناً اعتيادياً بكل أدواته—عقلاً، وتنظيماً، وقدرة على التبرير—ثم أُفرغ من معناه الأخلاقي. هنا تحديداً تكمن الخطورة: ليس في كائن دوني رُفع إلى مرتبة الإنسان، بل في إنسانٍ استُبقيت فيه البنية، وسُحبت منها الحدود. إن إخراج الفاعل من دائرة الإنسان قد يخفف وطأة الصدمة، لكنه يعطّل الفهم؛ لأنه يحوّل الجريمة إلى شذوذٍ معزول، بدل أن يراها كإمكانية كامنة تُستدعى وتُصنع ضمن شروط محددة.

الأخطر ليس أنه لم يكن إنساناً، بل أنه كان كذلك… دون أن يردعه ذلك. فليست المشكلة في كائنٍ دونيٍ رُفع، بل في إنسانٍ أُبقي… بعد أن سُحبت منه الحدود. وما يخيف ليس اختلافه عنا، بل الشروط التي جعلته ممكناً بيننا—

ومن هنا يبرز الاستنتاج الأكثر إيلاماً، ولكن أيضاً الأكثر ضرورة: المسألة لا تقف عند هذا الفرد، بل تتجاوزه إلى البنية التي جعلت وجوده ممكناً، بل قابلاً للاستمرار. بنية لا تكتفي بإصدار الأوامر، بل تعيد تعريف الأخلاق وفق مصلحتها، وتمنح العنف شرعيته، وتنتج فضاءً مغلقاً لا يسمع فيه الفرد إلا صدى صوته بعد أن أُعيد تشكيله داخلها. في مثل هذه البنى، لا يكون العنف انحرافاً طارئاً، بل نتيجة قابلة للتكرار ما دامت شروطها قائمة.

لذلك، يحمل اعتقاله دلالتين متجاورتين لا تندمجان: هو، من جهة، لحظة عدالة طال انتظارها، ومن جهة أخرى علامة متأخرة على فراغٍ طويل سمح لكل ذلك أن يحدث، وأن يستمر، دون مساءلة.

أما الهتاف الذي ملأ الصدور، فهو بدوره ليس تفصيلاً عابراً يمكن تجاوزه. الفرح هنا ليس بسيطاً، بل مركّب: نشوة نجاة جاءت متأخرة، رغبة في ترميم الكرامة، وغضب تراكم طبقة فوق طبقة حتى وجد منفذاً. إنه تفريغ جماعي، حيث تتحول المشاعر المكبوتة إلى صوت واحد، ولهذا يبدو فائضاً، أقرب إلى الانفجار؛ لأنه لا ينتمي إلى اللحظة وحدها، بل إلى كل ما سبقها وما تراكم فيها.

ومع ذلك، فإن هذا الهتاف، رغم صدقه وبساطته، لا يخرج كلياً من نطاق التحليل. فهو ليس بديلاً عن العدالة ولا معزولاً عنها، بل يقع داخل الحقل نفسه الذي تُعاد فيه صياغة المعاني. فالصوت الذي يستعيد الحدّ الأخلاقي قد يقترب، في لحظة اندفاعه، من حدود اللغة التي يستخدمها في توصيف الفعل، حيث يصبح التمييز بين الفعل والفاعل أكثر حدة مما يحتمله السياق.

لهذا، لا يتعلق الأمر بالفرح ذاته، بل بكيفية تشكّله. فالمسافة بين استعادة العدالة وبين الانزلاق إلى منطق العقاب ليست ثابتة دائماً، خصوصاً تحت وطأة الألم المتراكم. هذا الألم يمكن أن يتحول إلى وعي يعيد تثبيت الحدود، كما يمكن أن ينزلق إلى إعادة إنتاجها بصيغة أكثر صلابة وحدّة. وبين هتافٍ يعلن نهاية جريمة، وآخر يقترب من إعادة تدوير لغتها، تبقى المسألة مرهونة بقدرة الوعي على ضبط المعنى، لا على الانفعال والغضب وحده.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأصعب معلقاً: كيف يمكن منع إعادة إنتاج هذه الصيغة من “الحيونة”؟

الإجابة لا تكمن في المحاسبة وحدها، على ضرورتها، بل فيما هو أعمق: في تفكيك الخطاب الذي ينزع الإنسانية عن الآخر، في كسر آليات الطاعة العمياء عبر بناء وعي نقدي قادر على المساءلة، وفي إعادة تثبيت معنى الإنسان بوصفه قيمة لا تخضع للمساومة. فالمواجهة هنا ليست فقط مع الفعل، بل مع الشروط التي تجعل تكراره ممكناً.

جراحنا ما تزال مثخنة وتنزف، لم تلتئم بعد، وربما لن تلتئم سريعاً. وقبل أي حديثٍ عن تجاوزها أو تضميدها، يبقى القصاص من كل من ارتكب جريمة شرطاً لا يمكن القفز فوقه، لا بوصفه انتقاماً، بل بوصفه استعادةً أولى للحدّ الذي انهار. غير أن مهمة اليوم لا تتوقف عند هذا الحد، ولا تختزل فيه؛ فليس المطلوب أن نحوّل الألم إلى وقودٍ لدورةٍ جديدة من العنف، بل أن نعيد توجيهه بوصفه إنذاراً لا يُهمل. ما نحتاجه ليس انتقاماً يعيد إنتاج الجرح، بل بناء بلدٍ لا يُعاد فيه فتحه أصلاً؛ بلدٍ تُصان فيه الحدود التي انكسرت، ويُعاد فيه تثبيت معنى الإنسان لا بوصفه طرفاً في صراع، بل قيمةً لا يجوز أن تُنتهك.

ما جرى اليوم ليس نهاية، بل لحظة كاشفة؛ لحظة تضيء ليس وجه الجريمة فحسب، بل آلياتها الدقيقة… وتكشف، في الوقت نفسه، عن القدرة المقلقة على تكرارها، إن لم تُفهم، وتُفكك، وتُواجَه.

ولعلّ ذلك الهتاف الذي ملأ الصدور، في عمقه، لم يكن فقط إعلاناً عن سقوط لحظةٍ من العنف، بل محاولةً غريزية لإعادة رسم الحدّ الذي انكسر طويلاً—ذلك الحدّ نفسه الذي يتوقف عليه كل شيء: معنى الإنسان، وإمكان العيش معاً، وحدود ما يمكن أن يُفعل دون أن ينهار العالم.


الكاتب ماهر سليمان العيسى

ماهر سليمان العيسى

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة