ملاحظات حول العقل القانوني العربي
تشكل الملاحظات العملية على أنماط تفكير العقل العربي الوظيفي في عديد المجالات، محاولة لتجاوز بعض من التعميمات حول العقل العربي وجذوره التراثية، التي تشكل أحد أبرز مكوناته المعيقة للحداثة، أو المقاربات الاستشراقية حولهما. ثم تمثل هذه الملاحظات مسعى إلى بعض من الفهم الواقعي لكيفية تكوينه مع مشكلات الدولة والمجتمع، والنظام السياسي، والسلطة، وأجهزة الدولة والبيروقراطية، والمجتمع. من ثم لسنا أمام عقل واحد، وإنما عقول وظيفية متعددة، على الرغم من تأثيراتها وتفاعلاتها المتبادلة، وبعض من السمات المشتركة، في مواجهة مشكلات الواقع الموضوعي في كل دولة وسلطة ومجتمع عربي – وخصوصياتهم – في مواجهة المشكلات والأزمات، والنزعة الاحتوائية الجزئية، وعدم مواجهة جذورها ومسبباتها، وتحولاتها، وتفاقمها منذ الاستقلال، وباتت تشكل جزءاً من التخلف التاريخي المركب عربياً. من أبرز العقول الوظيفية العقل القانوني، لاسيما دوره قبل وبعد الاستقلال، وبناء الدولة والقانون والبيروقراطية، لاسيما في الحالة المصرية.
أولاً: ملاحظات أولية
ثانياً: أدوار العقل القانوني
ثالثاً: بعض سمات العقل القانوني الشكلاني
أولاً: ملاحظات أولية
تاريخياً لعب العقل القانوني أدواراً تأسيسية هامة في بناء الدولة الحديثة في مصر، وأدى عديد الوظائف في السياسة، والتشريع، والثقافة، ولم يخضع لدراسات فلسفية وسياسية، لاسيما في ظل أنماطه المتعددة، وتفكيكها وتحليلها، في لحظات ذروته وتألقه التاريخي، وأيضاً في مراحل تحوله إلى عقل وظيفي وآداتي، في ظل نظم دمج السلطات العربية ما بعد الاستقلال.
غياب الدرس الفلسفي، والسوسيولوجي، والسياسي للعقل القانوني يمثل أحد ثغرات الإنتاج المعرفي العربي، وذلك لهيمنة بعض القضايا النمطية في الفكر الفلسفي والسوسيولوجي والسياسي العربيين، استمداداً من المرجعيات النظرية الغربية. من ثم لا بد من التركيز على بعض الملاحظات حول تكوين وأدوار العقل القانوني، وذلك على النحو التالي:
1- لا يوجد عقل قانوني واحد، وإنما عديد العقول على المشتركات التكوينية والخبراتية بين بعضها بعضاً. ثمة أنماط للعقل القانوني، تشمل العقل الفقهي، والعقل القضائي، والعقل التشريعي، والعقل البيروقراطي، وعقل جماعة المحامين، وداخل هذه العقول الوظيفية ثمة عقول استثنائية من حيث قدراتها الإبداعية وإنتاجها المعرفي العابر للتخصصات الوظيفية، لاسيما في المرحلة شبه الليبرالية وحتى الثمانينيات من القرن الماضي.
2- العقل الفقهي يشمل عقل الجماعة القانونية الأكاديمية في مختلف فروع العلوم القانونية في مجالات القانون العام، والقانون الخاص.
يمثل التخصص في كل فرع أحد سمات الخصوصية لكل فقيه، سواء في تكوينه النظري الغربي اللاتيني، أو الأنجلوساكسوني في الدول التي استمدت نظمها القانونية والقضائية من المرجع الأنجلوساكسوني، مع اطلاعات وبحوث نظرية وتطبيقية للقوانين العربية، والمبادئ القضائية العامة في كل بلد عربي.
3- العقل القضائي، ويشمل التكوين النظري والرأسمال الخبراتي من المبادئ القضائية العامة في نظم التعدد القضائي الفرنسي – القضاء المدني، والإداري، والدستوري – والعقل القضائي عملي وتطبيقي، ويحاول من خلال معايير التفسير والتأويل القانوني المواءمة بين النص القانوني والواقع المتغير، وخاصة في النزاعات القانونية والقضائية، في ظل تفاقم وتكاثر المشكلات القانونية، مع الانفجارات السكانية في عديد من البلدان والمجتمعات العربية المعسورة.
4- العقل التشريعي يتشكل من العقل العام للمشرعين، من أعضاء البرلمانات، في نظم سلطوية لا تخضع لنظم وتقاليد وقيم الديمقراطية الليبرالية التمثيلية، وخاصة ما بعد المرحلة شبه الليبرالية في مصر، وتسودها ثقافة الخضوع والإذعان. من ثم هو عقل تابع لمراكز اتخاذ القرار عن قمة الحكم. يشمل العقل التشريعي بعض المستشارين القانونيين للبرلمانات من أساتذة القانون، والقضاة، ومن يقومون بإعداد مشروعات القوانين للحكومات. من ثم نحن إزاء عقل تشريعي تابع للعقل السياسي السلطوي، ومصالحه، وانحيازاته الاجتماعية أيا كانت، وظهيره الاجتماعي، وخاصة في دول ومجتمعات انقسامية عربية.
5- العقل القانوني البيروقراطي يشمل قادة أجهزة الدولة من ذوي الخلفيات القانونية، ويلعبون أدواراً هامة وراء خلفية وضع التشريعات وتعديلاتها بناءً على خبراتهم البيروقراطية، في مجالات العمل الإداري والحكومي، وتقاليد تطبيق القوانين واللوائح والقرارات الإدارية في مجالات تخصصهم الوظيفي داخل أجهزة الدولة.
6- عقل جماعة المحامين، الذي يتسم بالرأسمال الخبراتي في مجالات الدفاع عن الحقوق الفردية والعامة، والكشف عن الثغرات القانونية، والقدرة على التفسير والتأويل للنصوص القانونية، بما يتفق مع مصالح الأطراف التي يدافعون عنها في القضايا الموكلين في تمثيل الأطراف فيها أمام القضاء الإداري والمدني والجنائي والتجاري… إلخ.
المشتركات بين هذه العقول القانونية هي التكوين المعرفي والنظري القانوني، سواء من بعض مصادر المتون النظرية في مجالات القانون العام والخاص اللاتينية، أو مجال القوانين والنظريات والتطبيقات في المرجع النظري الأنجلوساكسوني، والأنجلو أمريكي.
ثانياً: أدوار العقل القانوني المصري
يمثل العقل القانوني العربي أحد أبرز أنماط العقول الوظيفية التي لعبت عديد الأدوار في المساهمة في بناء دولة ما بعد الاستقلال ونظامها السياسي التسلطي والاستبدادي، كوزراء أو مشرعين أو مستشارين للحكام أيا كانوا – رؤساء أو ملوك أو أمراء أو شيوخ –. وتمثل الحالة التاريخية المصرية مرجعاً في هذا الصدد، حيث لعب العقل القانوني المصري أدواراً هامة في التاريخ المصري والسياسة المصرية، لاسيما منذ مطالع النهضة المصرية، وخاصة في الحركة القومية، وما أطلق عليه مجازاً “ثورة 1919”. ومن ثم كان أبرز السياسيين المصريين والأحزاب السياسية، وفي الحركة الجماهيرية، من المحامين، وتشكيل الحكومات، وفي البرلمانات، والمعارضة من حزب الحركة الوطنية، الوفد، والأحرار الدستوريين، والشعب. الأهم دور العقل القانوني على تعدده في الدفاع عن الحريات العامة والفردية، وفي القضاء والمحاماة، وفي الفقه القانوني، وأيضاً في كتابات بعضهم في الصحافة المكتوبة، وأيضاً في مجال الأدب والفنون.
في أعقاب نظام يوليو تقلصت هذه الأدوار، نظراً لطبيعة نظام دمج السلطات – وفق المستشار طارق البشري – ومن ثم غاب ولا يزال مفهوم الفصل والتمايز بين السلطات، وتوزيع القوة فيما بينهم، مع التعاون في نظام دستوري شبه رئاسي شكلاً، لكن طبيعته الواقعية تركز السلطة عند قمة النظام وموازين القوة الفعلية حوله. وفي هذا الإطار السياسي التسلطي، تفاقمت مشكلة استقلال القضاء، وهامشية أدوار البرلمان التشريعية والرقابية، ومع ذلك كان بعض العقل القانوني القضائي يصدر أحكاماً داعمة للحريات العامة والشخصية، وشكلت أزمة نادي القضاة التاريخية في أعقاب هزيمة يونيو 1967، ومطالب القضاة بسيادة القانون واستقلال السلطة القضائية، وتنامي هذا الاتجاه في عهدي السادات ومبارك، وامتد دورهم إلى انتفاضة 25 يناير 2011.
يلاحظ من متابعة أدوار القضاة أن بعضهم لعب أدواراً هامة في إقرار المبادئ القضائية العامة للحريات العامة والفردية، في قضاء المحكمة الدستورية العليا، والإدارية العليا، ومحكمة النقض.
ومن ناحية أخرى لعب بعض الفقه القانوني والمستشارين دوراً وظيفياً في إعداد مشروعات القوانين، ودعم السياسة التشريعية، بقطع النظر عن عدم فاعليتها، وتعديلاتها، وتضخم النظم القانونية، وبعض التناقضات فيما بين بعضها بعضاً.
من أبرز مشكلات العقل القانوني المصري هو تراجع المتابعات التنظيرية في الأنظمة القانونية المقارنة وتغيراتها، على خلاف ما كان سائداً حتى عقد السبعينيات من القرن الماضي. والاستثناء تمثل في انفتاح المحكمة الدستورية العليا على قضاء المحكمة العليا الأمريكية كرافد نظري وقضائي. لا شك أن هذا التراجع أثر سلباً على العقل القانوني المصري عموماً، خاصة أن الانفتاح التاريخي على المتون النظرية المتعددة والمبادئ القضائية اللاتينية، لاسيما الفرنسية والإيطالية، أثرى العقل القانوني المصري وبعض العربي بعد الاستقلال.
من ثم يلاحظ أن اطلاع العقول القانونية المصرية الرائدة تاريخياً على المتون النظرية والقضائية الغربية اتسم بالعمق النظري في بدايات تشكل مدارس وكليات الحقوق، واطلاع الجماعات القانونية على الأصول النظرية الأوروبية، والمعرفة الكاملة باللغات الفرنسية، والإيطالية، والإنجليزية، على نحو ما كان سائداً في مصر منذ حركة البعثات في عهدي محمد علي، وإسماعيل باشا، ثم طيلة المرحلة شبه الليبرالية. ثم تراجعت في عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، وتراجعت مستويات تكوين الجماعات القانونية المصرية، وخاصة مع تضخم أعداد الخريجين من كليات الحقوق بما يفوق بكثير أسواق العمل، وأيضاً إغلاق المجال العام، والقيود على الحريات الفردية والعامة في غالب البلدان العربية، وتضخم الآلة التشريعية، والفجوات الواسعة بين النظام القانوني للدولة/ النظام وبين الواقع الاجتماعي المتغير، على نحو أثر سلباً على فعالية تطبيق القانون في تفاصيل الحياة اليومية، وشيوع ظواهر الفوضى والفساد داخل أجهزة إنفاذ القانون، وفي وسط المخاطبين بأحكامه. ومن الملاحظ أيضاً أن المكانة الاجتماعية لخريجي كليات الحقوق، التي مثلت سمة مصر شبه الليبرالية، تراجعت في ظل نظام يوليو لصالح الكليات العملية كالطب والهندسة… إلخ.
من الملاحظ أن تراجع الطلب الاجتماعي والوظيفي على القانون والمهن القانونية أدى إلى فجوات بين العقل القانوني – وأنماطه المتعددة السابقة – وبين ضعف متابعة تطورات القانون المقارن في أوروبا والولايات المتحدة، وغياب دراسات قانونية عن الدول الآسيوية مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند وسنغافورة وماليزيا، وأيضاً النظم القانونية في الدول الأفريقية، وعلاقة القانون بنماذج التنمية على تعددها في عالمنا.
ثالثاً: بعض سمات العقل القانوني الشكلاني
حالة الفقر الفلسفي والنظري والتطبيقي المقارن، والدراسات الخاصة بسوسيولوجيا القانون، والدراسات الإمبيريقية، أثرت سلباً على تكوين العقل القانوني المصري والعربي. من الملاحظ أن السمات التكوينية للعقل القانوني وأنماطه المتعددة يتمثل بعضها فيما يلي:
1- النزعة الشكلانية واللغوية في وضع مشروعات القوانين، وتفسيرها وتأويلها، وعدم الميل إلى التحليل الاجتماعي والتاريخي والسياسي والاقتصادي في مقاربة النظم والتشريعات وأصولها، والمصالح التي تحميها، وأثرها على العلاقات الاجتماعية وتطورها أو تخلفها… إلخ.
2- الانفصال بين وضع القانون ودراساته وتطبيقاته عن البحوث السوسيولوجية والاقتصادية، ومحدودية الدراسات السوسيولوجية السياسية والقانونية للسياسات التشريعية في عديد الدول العربية.
3- السمت الاتباعي للعقل القانوني للعقل السياسي الحاكم من حيث مضمون وطبيعة المصالح الاقتصادية والاجتماعية التي يحميها المشرع، في ظل غياب النزعة الإصلاحية، والتوازن بين المصالح المتعارضة، والانحياز لمصالح الأغلبية الشعبية بدلاً من الطبقات العليا، وخاصة رجال الأعمال في البلدان العربية، مع انحياز النظم العربية السلطوية للسياسات النيوليبرالية الغربية التابعة.
4- النزعة التجريدية في وضع القواعد القانونية، وتنميط المخاطبين بها من الناحية الاجتماعية، دونما مراعاة لنوعية المخاطب بها ووضعه الطبقي، وكأن المخاطب بالقانون كائن قانوني نظري مجرد. التجريد القانوني في صناعة القوانين سمة لصناعة التشريعات، إلا أن تنميط الكائن/الشخص القانوني الطبيعي والمعنوي يغفل واقعه الطبقي والاجتماعي، وصراعات المصالح في المجتمع وبين طبقاته المختلفة، وانحيازات الطبقات العربية الحاكمة يسراً وعسراً.
من ثم تشكل هذه النزعة قناعاً لإخفاء طبيعة المصالح الاجتماعية التي تحميها التشريعات دون المصالح الاجتماعية الأخرى، وخاصة مصالح الطبقات الاجتماعية الوسطى الصغيرة، والعمال، والفلاحين، ومن هم خارج النظام الاجتماعي وعلى الحافة، في ظل الانفجارات السكانية وعسر الحياة المتفاقم في دول العسر، بل وتفكك الطبقات الوسطى العربية.
5- يلاحظ النزعة التبريرية لبعض العقل القانوني/التشريعي التابع، الذي يروج لمفاهيم الصالح العام، والنظام العام، والأمن العام، والآداب العامة، من منظور سلطوي منفصل عن التغيرات الاجتماعية فائقة السرعة، وعن التحولات في أنساق القيم والأخلاقيات المتغيرة وسط الأجيال الجديدة، وداخل الطبقات الاجتماعية في المدن المريّفة، والبوادي والأرياف.
6- التداخل بين العقل القانوني وبين العقل الديني النقلي في أهاب قانوني، يسعى منذ عقد السبعينيات إلى الشرعنة الدينية لتشريعاته وتأويلاته على أسانيد دينية، في غير موضعها في بعض الأحيان، لإخفاء المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية التي تحميها مشروعات القوانين التي تُعد وتُقدم وتُمرر من البرلمانات وتصدر وتُنشر. اللجوء إلى الشرعية الدينية الفقهية الوضعية مرجعه السياسات الدينية العربية، وموجات حركات الإسلام السياسي والراديكالي والحركة السلفية، وصراعاتهم مع السلطات السياسية العربية الحاكمة على السلطة والسيطرة على المجتمعات من أسفل لأعلى.
7- عقل تسلطي يميل إلى التوسع في مجالات السياسات الجنائية والعقابية في غالبية التشريعات، ليغدو التجريم والعقاب أداة في أيدي سلطات إنفاذ القانون ومصادرة الحريات العامة، على الرغم من تراجع النزعات نحو التمدد في التجريم في القانون الأوروبي والغربي، وتغير السياسات التجريمية والعقابية منذ عقد السبعينيات من القرن الماضي.
8- عقل أداتي، ومعه وظيفة القوانين على اختلافها في إدراك السلطات العربية الحاكمة.
السمات السابقة للعقل القانوني العربي أدت إلى مساهمته كأحد عقبات التنمية وتطور المجتمعات العربية، في ظل تفاقم المشكلات المتفجرة، واضطراب مراحل الانتقال في النظام العالمي ومواقع القوة، وأيضاً القفزات التقنية والعلمية الكبرى والمتتالية نحو عالم ما بعد الإنسان.
المصدر: الأهرام