الجلاء في ذكراه الثمانين
يمثل الاستقلال الذي حققه السوريون بدايةً لتأسيس دولتهم الحرة. هذا الاستقلال الذي تحقق بتمازج دماء السوريين على تنوعاتهم، منذ أن تصدت قوات الجيش السوري بقيادة وزير الدفاع يوسف العظمة، في معركة غير متكافئة، لجحافل الاحتلال، مروراً بالثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، وما تلاها من مواجهات لم تتوقف، ولم تكن كلها عسكرية، حيث قاد رجالات الاستقلال كفاح السوريين السياسي في مختلف الساحات، وفي أعلى المنابر الدولية، وصولاً إلى لحظة الاستقلال التي شكّلت بدايةً لتوطيد أسس الدولة السورية المستقلة، في حياة دستورية وسلطات مستقلة، أطلقت الحريات السياسية والحياة الحزبية والصحافة الحرة، ورسّخت مكانة سورية على الصعد العربية والإقليمية والدولية. وقد واجهتها تحديات كبيرة أُريد من خلالها وأد الديمقراطية، إلا أنها تجاوزتها في عالم كان يمر بتحولات وصراعات كبرى، حتى كان الصعود التدريجي لحافظ الأسد في هرم سلطة البعث، وصولاً إلى ما بات يُعرف بالحركة التصحيحية عام 1970، التي قوننت الاستبداد وأسست للانفراد بالسلطة إلى الأبد، ليعمّ الفساد الممنهج، وقمع الحريات والرأي الآخر، وبناء السجون ومراكز التوقيف وفتحها على مصراعيها.
جاءت الثورة السورية رداً تاريخياً من أجل استعادة الدولة، كي يعيش فيها الجميع مواطنين أحراراً يتمتعون بحقوق وواجبات متساوية. هذه الثورة التي هزّت أركان هذا النظام، قدّم خلالها السوريون أغلى التضحيات غير المسبوقة في تاريخ الثورات: قتلٌ وتغييبٌ واعتقالٌ لمئات الآلاف، وتشريد الملايين داخل البلاد وخارجها، وإيصال تسعين بالمائة من السوريين إلى ما دون خط الفقر، وما رافق ذلك من فقدان للأمان، وهدم للعمران، وتخريب للاقتصاد، وتحويل صناعة الكبتاغون والمتاجرة به وإغراق الأسواق العالمية به إلى مصدر رئيسي لثروة دوائر السلطة.
جاء سقوط نظام الإجرام الأسدي نتيجةً طبيعيةً لكل ذلك، وحاجةً دوليةً وإقليميةً من أجل استقرار المنطقة، تشكّل فيها سورية عامل توازن.
بعد مضي أكثر من ستة عشر شهراً على فرار الأسد وسقوط نظامه، لا تزال التحديات الداخلية قائمة أمام الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع: بسط سيطرتها على كامل أراضي الدولة، والمحافظة على الأمن والسلم الأهلي، والإبقاء على السلاح ومركزيته تحت سيطرتها، والإسراع في إجراءات تحقيق العدالة الانتقالية، ومحاكمة سريعة لمرتكبي المجازر أياً كان موقعهم، وخاصة في مناطق الساحل والسويداء، والذهاب إلى حوكمة رشيدة من خلال تفعيل مواد الإعلان الدستوري المؤقت، وخاصة ما يتعلق بإنجاز عملية تشكيل البرلمان التشريعي، وإصدار قانون لتشكيل الأحزاب الوطنية يفسح لها المجال لتفعيل دورها، وأن تكون رافعة للعمل السياسي والأساس في تشكيل الرأي العام ومؤسساته.
بات ملحّاً اليوم مراجعة مجمل التدابير التي صدرت عن الحكومة الانتقالية على ضوء الانتقادات المخلصة، ومختلف أشكال الحراك السلمي التي صدرت عن قوى وتيارات واسعة من الفعاليات التي شاركت في الثورة السورية، والتي تهدف من وراء ذلك إلى مساعدة الحكومة في عملية الانتقال الصعبة، وخاصة تلك الإجراءات التي تحدّ من الحريات العامة، وتثير البلبلة المجتمعية، وتوقظ العصبيات المختلفة، والمهددة للوحدة الوطنية.
أمام السوريين اليوم فرصة تاريخية لإعادة بناء دولة الحرية والكرامة، يتساوى فيها جميع مواطنيها بحقوق وواجبات متساوية، تقطع مع الاستبداد بكل أشكاله، وتحافظ على وحدة البلاد وسيادتها، ويتشارك فيها جميع السوريين على مختلف تنوعاتهم الدينية والقومية والطائفية في صنع مستقبلهم، وتفعيل دور دولتهم في محيطها الإقليمي والدولي، بما يحقق السلام العالمي، ويضمن السيادة الوطنية للدول وشعوبها.
عاش نضال شعبنا الحر نحو بناء دولته الحرة والمستقلة..
17 نيسان 2026
حزب الشعب الديمقراطي السوري
الهيئة القيادية