المثقف السوري: عزلةٌ تتكلم

img

لم يعد المثقف السوري يعيش داخل المجتمع بقدر ما يعيش عند حدوده النفسية والرمزية؛ في مساحة معلّقة بين المشاركة والمراقبة، بين الرغبة في التأثير والعجز عن ملامسة الواقع كما هو. خلال السنوات الأخيرة، انكمش تدريجياً إلى عالم داخلي ضيق، أشبه بغرفة مغلقة يحدّث فيها نفسه باستمرار، ويحاول عبر اللغة أن يقنع ذاته بأنه ما يزال يمتلك دوراً، أو أثراً، أو قدرة ما على فهم ما يجري. ومن هنا تبدو أزمة المثقف السوري اليوم أعمق من كونها أزمة سياسية عابرة؛ إنها أزمة معنى ووظيفة وموقع داخل مجتمع تحطّم تدريجياً حتى فقد القدرة على الإصغاء إلى نفسه، فكيف إلى مثقفيه.

لكن هذه العزلة لم تولد مع الحرب وحدها، ولا مع الانهيار السوري الأخير فقط. فالعلاقة بين المثقف السوري والمجتمع كانت مضطربة منذ البداية. لقد نشأ المثقف الحديث داخل فضاء سياسي مغلق ومجال عام محدود ومشوّه، حيث جرى تفكيك السياسة تدريجياً، وإضعاف الحياة المدنية، وتحويل الثقافة إلى نشاط مراقَب أو منزوع الفاعلية. كانت السلطة تسمح بوجود المثقف شرط ألّا يتحول إلى قوة اجتماعية حقيقية؛ أن يبقى داخل حدود الزينة الرمزية أو النقد المؤجل أو اللغة التي لا تلامس البنية الفعلية للسلطة والمجتمع.

ومع الوقت، تعلّم المثقف السوري أن يعيش حياة مزدوجة: لغة علنية حذرة، ولغة داخلية حقيقية لا تُقال إلا في المساحات الضيقة أو في العزلة. غير أن المشكلة لم تكن في الخوف وحده، بل في أن هذا النموذج الثقافي نفسه ظل، إلى حد بعيد، منفصلاً عن البنية الاجتماعية العميقة. فقد بقيت الثقافة السورية الحديثة محصورة نسبياً داخل المدن الكبرى والجامعات والنخب السياسية والحزبية “السرية”، بينما ظل المجتمع الأوسع يعيش داخل منظومات أخرى للمعنى والانتماء والتفسير؛ منظومات دينية ومحلية وعائلية وطائفية، لم تنجح الثقافة الحديثة فعلاً في تفكيكها أو إعادة تشكيلها.

لهذا، حين جاء الانهيار السوري الكبير، لم يكتشف المثقف فقط أن الدولة تتفكك، بل اكتشف أيضاً هشاشة العلاقة التي ربطته بالمجتمع نفسه. عندها لم يعد سؤاله: كيف نغيّر المجتمع؟ بل: هل بقي هناك مجتمع أصلاً؟ هل بقيت دولة؟ هل بقيت ذاكرة مشتركة؟ هل بقي معنى عام يمكن الدفاع عنه؟

في تلك اللحظة فقد المثقف الأرض التي كان يقف عليها، أو كان يتخيّل أنه يقف عليها. توزّع بين المنافي والشاشات والمنصات والحنين والخيبة، بينما كانت الحياة السورية تتحول إلى شيء أكثر فوضوية وقسوة من قدرة اللغة على الإحاطة به. كان بعضهم يكتب ليلاً من غرفة باردة في مدينة أوروبية، وربما عربية لكنها لا تشبهه، يراقب صور مدينته القديمة على الهاتف، ويحاول أن يقنع نفسه بأن الكلمات ما تزال قادرة على الوصول إلى أحد. وهنا بدأ ذلك “المونولوج الداخلي” الطويل؛ الحوار المستمر مع الذات، الذي يبدو أحياناً كأنه محاولة يائسة لحماية ما تبقى من صورة المثقف عن نفسه.

إنه يكتب باستمرار، لا لأن الكتابة تغيّر الواقع فعلاً، بل لأن توقفه عن الكتابة قد يبدو اعترافاً ضمنياً بانتهاء دوره. وربما أيضاً لأنه يخشى أن يموت قبل أن يقول ما ظل يحمله داخله طوال هذه السنوات؛ أن يختفي بصمت، فيما تبقى أفكاره وأسئلته وتجربته مدفونة في داخله بلا أثر. كأن الكتابة، في أحد وجوهها العميقة، لم تعد محاولة لتغيير العالم فقط، بل محاولة لمقاومة الاختفاء الشخصي نفسه. يناقش، يحلّل، يهاجم، يدافع، يستعيد مفردات الحرية والحداثة والدولة المدنية والعقلانية، لا بوصفها أدوات قادرة دائماً على الفعل، بل أحياناً بوصفها محاولة للدفاع النفسي عن معنى وجوده هو نفسه. لقد صار المثقف، في كثير من الأحيان، يحرس فكرة الثقافة أكثر مما يمارس فعلها الحقيقي داخل المجتمع.

غير أن المشكلة لا تتعلق بالمثقف وحده، بل بتحول المجال العام نفسه. فالعالم الذي كان يسمح نسبياً بوجود الأفكار الثقيلة والأسئلة المركبة، تراجع أمام صعود أنماط سريعة من التواصل والانفعال والتلقي. لم تعد قيمة الفكرة مرتبطة بعمقها أو قدرتها على التفسير، بل بقدرتها على الانتشار والحشد وإنتاج الأثر الفوري. لم يعد السؤال الأساسي: هل هذا صحيح؟ بل: هل هذا قابل للتداول؟ هل يثير الغضب؟ هل يمنح شعوراً سريعاً باليقين والانتماء؟

هكذا دخل المجتمع السوري، كغيره من المجتمعات المأزومة، زمن الضجيج الكثيف؛ زمن تُكافأ فيه اللغة السريعة لأنها حاسمة، ويُعاقب فيه التفكير لأنه متردد ومعقد وبطيء. حتى المأساة نفسها جرى ضغطها داخل سرديات جاهزة وثنائيات حادة: خيانة أو بطولة، إيمان أو كفر، وطنية أو عمالة، ضحية أو جلاد. أما المناطق الرمادية أو متعددة الألوان، والمساحات المتداخلة التي يعيش فيها التفكير الحقيقي، فقد أصبحت عبئاً لا يرغب كثيرون في احتماله وسط الخوف والانهيار.

في هذا المناخ، وجد المثقف السوري نفسه مأزوماً على نحو غير مسبوق. فإذا حافظ على لغته المركبة والعميقة بدا منفصلاً عن الناس، يعيش داخل برج لغوي مغلق. وإذا حاول تبسيط خطابه لكي يصل إلى المجال العام، وقع غالباً في الفخ نفسه الذي ينتقده: الاختزال، والشعاراتية، والانفعال السريع.

وهكذا بدأ يفقد وظيفته التاريخية بهدوء.

ولعل أخطر ما حدث خلال هذه السنوات أن المجتمع نفسه لم يعد يرى في المثقف مصدراً أساسياً للمعنى أو التفسير. لقد انتقلت هذه الوظيفة تدريجياً إلى شخصيات أخرى: الشيخ، والخطيب، والمؤثر، وصانع المحتوى، وأصوات إعلامية سريعة الاستهلاك، وكل من هو غير مؤهل لكنه يستطيع إنتاج يقين سريع ومباشر وقابل للاستهلاك. فالإنسان الواقع تحت الخوف والتهديد والانهيار لا يبحث دائماً عن الحقيقة المركبة؛ إنه يبحث غالباً عمّن يمنحه شعوراً بالتماسك، ويفسر له العالم بطريقة واضحة، ويخفف عبء الحيرة الثقيلة، حتى لو كان ذلك عبر خطاب مغلق أو تبسيطي أو زائف.

ومن هنا بدا الخطاب الديني أكثر قدرة على التمدد داخل الفراغ السوري. لا لأنه متجذر اجتماعياً فقط، بل لأنه دخل إلى مساحة فقدت تقريباً كل مرجعياتها الأخرى. لقد انهارت السياسة، وتفككت الهوية الوطنية، وفقدت النخب المدنية جزءاً كبيراً من صدقيتها، بينما سقطت المشاريع الفكرية الكبرى التي وعدت الناس طويلاً بالتقدم والتحرر. وفي هذا الفراغ الهائل، بدا الخطاب الديني للكثيرين كأنه اللغة الوحيدة القادرة على إعادة ترتيب الفوضى ومنح الألم معنى متماسكاً.

في المقابل، بدا خطاب المثقف مرتبكاً ومتردداً. كان يحاول تفسير الكارثة بينما كان الناس يبحثون عمّن يخفف وطأتها النفسية. كان كثيرون يعودون من أخبار الموت والاعتقال واللجوء وهم لا يبحثون عن تحليل معقّد للعالم، بل عن جملة واحدة تمنحهم قدرة إضافية على الاحتمال. كان المثقف يتحدث عن الديمقراطية والدولة المدنية في وقت كان فيه الإنسان السوري يبحث عن الأمان الجسدي، أو الخبز، أو النجاة اليومية. كانت أمّ سورية في مكان ما تفكر فقط كيف ستقضي الليل مع أطفالها بلا خوف أو برد أو انقطاع كهرباء، بينما تستمع في الخلفية إلى خطاب طويل عن الحداثة والانتقال الديمقراطي. ولذلك لم يشعر كثيرون أن المثقف يعيش معهم داخل التجربة نفسها، بل بدا أحياناً كأنه يراقب المأساة من مسافة تحليلية باردة.

لكن المشكلة لم تكن في اللغة وحدها، بل في العجز أيضاً. فالمثقف السوري، على عمومه، لم يمتلك في لحظات الصراع الدامية خصلتين حاسمتين: الجرأة والإقدام. لقد بدا بارعاً في النقد بعد الكارثة، وأقل قدرة على التقدم داخلها. كان يجيد توصيف المأساة أكثر من امتلاك الشجاعة الكافية لمواجهة أثمانها الواقعية. ولهذا ظهر، في نظر كثيرين، متردداً، خائفاً، أو متأخراً دائماً عن لحظة الفعل نفسها.

وفوق ذلك، لم يمتلك المثقف إجابات عملية للأسئلة القاسية التي طرحها زمن الانهيار. فعندما سقطت السلطة أو تراجعت في مناطق واسعة، لم يكن الناس يبحثون عن تنظيرات كبرى بقدر ما كانوا يبحثون عن أجوبة مباشرة: كيف نعيش؟ كيف نحمي أنفسنا؟ كيف تُدار المدن؟ كيف يُضبط العنف؟ كيف يُبنى البديل؟ لكن المثقف، في كثير من الأحيان، بدا عاجزاً عن النزول من مستوى المفاهيم إلى مستوى الحياة اليومية الممزقة. لقد امتلك الأسئلة الكبرى، لكنه لم يمتلك دائماً القدرة على إدارة الواقع حين انفجر دفعة واحدة.

لكن هذه القطيعة لم تكن وليدة الحرب وحدها. فالمثقف السوري، حتى قبل الانهيار، كان يعتمد غالباً على شرعية رمزية أكثر من اعتماده على حضور اجتماعي فعلي. كان قوياً داخل اللغة، وضعيفاً داخل البنية الاجتماعية. ينتج خطاباً نقدياً مهماً، لكنه لا يمتلك دائماً أدوات النفاذ إلى المجال الشعبي الواسع، ولا القدرة على تحويل أفكاره إلى قوة اجتماعية متجذرة. ولهذا بدا سقوط تأثيره سريعاً وعنيفاً حين تغيّرت شروط المجال العام بالكامل.

لقد صار المثقف يتحدث بلغة، بينما يعيش كثير من الناس داخل لغة أخرى تماماً. هو منشغل بمفاهيم الحرية والحداثة والتاريخ، بينما قطاعات واسعة من المجتمع غارقة في أسئلة الخوف اليومي، والهوية المهددة، والانكسار النفسي، والبحث عن أي يقين يحميها من التفكك. ومن هنا بدا الخطاب الثقافي، مهما كان صادقاً أو عميقاً، كأنه صادر من عالم موازٍ.

ومع ذلك، سيكون تبسيطاً ظالماً اختزال هذه الحالة كلها في الوهم أو النرجسية. فثمة شيء مأساوي ونبيل في هذا الإصرار على الكلام وسط الخراب. أحياناً تبدو الكتابة نفسها محاولة أخيرة لمنع الانهيار الكامل للمعنى؛ محاولة لحفظ الذاكرة من المحو، ولحماية الإنسان من التحول الكامل إلى كائن تحكمه الغريزة والخوف والانفعال واليقين الأعمى.

كأن المثقف السوري، حتى وهو مهزوم ومعزول، يواصل حراسة شيء غير مرئي: حراسة السؤال نفسه، في زمن أصبحت فيه الإجابات الجاهزة أكثر جاذبية من أي تفكير حقيقي.

غير أن الخطر يبدأ حين تتحول هذه الحراسة إلى عزلة مكتفية بذاتها؛ حين يصبح المثقف أسير صورته الخاصة بوصفه ضحية أخلاقية نبيلة، أكثر من انشغاله بفهم التحولات العميقة التي حدثت داخل المجتمع نفسه. هناك تتحول الثقافة إلى مرثية طويلة، ويتحول النقد إلى إعادة إنتاج دائمة للشعور بالعجز، بدل أن يصبح محاولة لفهم شروطه الفعلية.

وربما لهذا يبدو المشهد السوري اليوم وكأنه انتقال تاريخي كامل: انتقال من زمن كان المثقف يتخيّل فيه أنه يقود الوعي العام، إلى زمن تصنع فيه المعنى شخصيات أكثر قدرة على الحشد السريع والإجابة الحاسمة والانفعال المباشر؛ من السؤال المعقد إلى اليقين السريع؛ من ثقافة كانت تحاول فهم الإنسان، إلى خطابات لا تريد من الإنسان إلا أن ينفعل، أو يطيع، أو يذوب داخل جماعة عاطفية كبرى.

وفي النهاية، ليست مأساة المثقف السوري أنه خسر جمهوره فقط، بل أنه تأخر في الاعتراف بأن الجمهور نفسه تغيّر، وأن اللغة التي كان يظنها جسراً صارت جداراً. لذلك لم يعد صوته يصل إلى المجتمع، بل يرتدّ إليه من داخله، نقياً، حزيناً، ومهزوماً؛ كأن الثقافة السورية، في لحظتها الراهنة، لم تعد تفكر في العالم، بل ترثي عجزها عن لمسه.


الكاتب ماهر سليمان العيسى

ماهر سليمان العيسى

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة