في احتكار تعريف الوطن
حين يُنفى الداخل: كيف يفقد الوطن معناه من داخله
حين كانت تمرّ في دمشق، خلال بداية ثمانينات القرن الماضي، شاحنات تقلّ عناصر سرايا الدفاع، مسبوقة ومتبعة بآليات مزوّدة برشاشات مذخّرة ومصوّبة نحو المارة، واليد على الزناد، لم يُقرأ المشهد – لدى شرائح واسعة من السكان – كأداء أمني داخلي بحت، بل كحضور قوة مفروضة على المجتمع؛ كأن المدينة تعبرها جهة ليست منها، وقد اعتنت جيداً برسم المشهد الذي يقول علانية: “سنخضعكم”. ولم يكن وعي هذه الصورة هذا مجرد انطباع عابر، بل بلغ حدّ أن كثيرين شبّهوا تلك الأرتال، حرفياً، بالأرتال العسكرية الإسرائيلية التي تمرّ في مدن الضفة الغربية، وسمّوها دون تردّد “قوات احتلال“.
ولم يتشكل هذا الإدراك من المشهد العسكري وحده، بل تداخل معه وعيٌ بطبيعة هذه القوة نفسها؛ إذ كانت تُرى – في نظر كثيرين – كقوة بصبغة طائفية مُستقدمة من خارج النسيج الاجتماعي للمدينة، تُستخدم بوصفها أداة صلبة في يد السلطة. هذا الإحساس بالمسافة، سواء كان دقيقاً أو مبالغاً فيه، عمّق الشعور بأنها ليست امتداداً طبيعياً للمجتمع، بل قوة مفروضة عليه.
ومع تراكم هذا الشعور، لم يعد الأمر يُقرأ فقط بوصفه مسافة بين سلطة ومجتمع، بل بدأ يتحول إلى تساؤل أعمق عن الانتماء نفسه: من هو جزء من هذا المجتمع، ومن يبدو كأنه مفروض عليه من خارجه؟
عند هذه النقطة تحديداً، يدخل مفهوم “الداخل” بوصفه أداة لفهم ما يجري: ليس كمعطى مسبق، بل كشيء يُعاد تعريفه تحت ضغط التجربة.
لم يكن ذلك حكماً كلياً بقدر ما كان تعبيراً عن شعور متراكم يكشف انكساراً أعمق: لحظة يُعاد فيها تعريف “الداخل” نفسه. لم يعد الوطن، في هذا الإدراك، مساحة مشتركة بديهية، بل مجالاً يمكن أن يُنظر إليه كأنه مخترق من قوة تُرى كأنها من خارجه.
وما يمنح هذا المشهد دلالته ليس كونه حادثة عابرة، بل كونه جزءاً من تجربة يومية متكررة شكّلت، مع الوقت، إدراكاً مستقراً لدى كثيرين. لم يعد الأمر متعلقاً بلقطة استثنائية، بل بنمط سلوك دائم أعاد صياغة العلاقة بين السوريين والسلطة.
ومع هذا التكرار، لم يعد السؤال محصوراً في سلوك هذه القوة، بل اتسع ليطال موقعها نفسه: هل هي جزء من الداخل، أم كيان مفروض عليه؟
من هذه النقطة، يمكن فهم كيف لا تبدأ أزمة الوطن حين تختلف الجماعات في تصوّراتها عنه – وهذا أمر طبيعي – بل حين تتحوّل إحداها من فاعل ضمنه إلى مُعرِّف حصري له. عندها لا يُعاد رسم الحدود فقط، بل يُعاد ترتيب معنى الانتماء نفسه: من هو الداخل، ومن يُدفع إلى التخوم. غير أن ما تكشفه الحالة السورية يتجاوز هذا المستوى؛ فالمسألة لا تقف عند احتكار التعريف، بل تمتد – في ظروف الصراع الحاد – إلى نفي “داخليّة” الخصم أصلاً، أي إخراجه من حق المشاركة في تعريف الوطن نفسه.
يمكن تكثيف هذا المسار في سلسلة إدراكية واضحة:
آخر غير أصيل منفي لا يشارك في تعريف الوطن
قد تبدو هذه السلسلة بسيطة، لكنها تختصر آلية تميل إلى الظهور والتكرار في البيئات المشحونة بالصراع، دون أن تكون حتمية في كل الحالات.
يبدأ الأمر باعتبار الخصم “آخر”، أي مختلف. وهذا بحد ذاته لا يلغي إمكان العيش المشترك. لكن في سياقات التوتر المرتفع، لا يبقى الاختلاف عند هذا الحد، بل يتحوّل إلى حكم على “الأصالة”: هل هذا الطرف ينتمي فعلاً، أم أنه دخيل أو مرتبط بالخارج؟ هنا ينتقل الخلاف من مستوى المواقف إلى مستوى الانتماء. ومع هذا التحول، قد يصل الأمر إلى “النفي”: لا بمعنى الطرد الجغرافي، بل بسحب الاعتراف به كجزء من الجماعة الوطنية. وعند اكتمال هذه السلسلة، يُحرم من المشاركة في تعريف الوطن: من لا يُعترف به، لا يُسمح له أن يعرّف.
في المقابل، كانت السلطة تبني إدراكاً مضاداً لا يقل حدّة. فالمعارضة، بوصفها تهديداً وجودياً في نظرها، لا يمكن – ضمن هذا المنطق – أن تكون تعبيراً داخلياً مشروعاً. مجرد ظهورها يُعاد تفسيره كامتداد خارجي: دعم، تآمر، اختراق. وهكذا تتحول من خصم سياسي إلى عنصر “غير أصيل”، ثم إلى كيان فاقد للانتماء، وصولاً إلى إخراجها من حق المشاركة في تعريف الوطن، الذي يُعرَّف هنا بوصفه امتداداً للسلطة.
بهذا المعنى، لا يتواجه طرفان داخل وطن واحد فحسب، بل يتشكل – لدى قطاعات من كل طرف – إدراك ينفي “أصالة” الآخر، ويعيد تعريفه ككيان خارجي: سلطة تُرى – في بعض التصورات – كقوة مفروضة أقرب إلى “احتلال مستقر”، ومعارضة تُرى – في المقابل – كـ“غزو متسلل”. وهذه الثنائية – احتلال/غزو – ليست مجرد مبالغة، بل إحدى النتائج الممكنة لهذا المسار: من لا يُعدّ أصيلاً، يُعاد تخيّله بوصفه دخيلاً.
وعندما يصل الصراع إلى هذه النقطة، تتبدّل قواعده جذرياً. لا يعود الخلاف خلافاً داخل إطار مشترك، بل يتحول إلى صراع مع طرف يُنظر إليه كأنه خارج هذا الإطار. والفرق هنا حاسم: “الاحتلال” لا يُعامَل كشريك، بل يُقاوَم، و“الغزو” لا يُحاوَر، بل يُصدّ. وهكذا لا يُغلق باب التفاوض بقرار سياسي فقط، بل لأن فكرة “الخلاف داخل الوطن” نفسها تصبح ضعيفة، بل أحياناً غير قابلة للتصوّر.
قبل 2011، كانت هذه البنية تُدار ضمن احتكار مُؤسَّس لتعريف الوطن، مدعوم بقوة أمنية وعسكرية تحوّل التعريف إلى واقع مُلزِم. لم يكن الوطن يُفهم كمساحة مشتركة، بل كامتداد للسلطة؛ ومن يملك هذا التعريف يملك عملياً حق تحديد من ينتمي ومن لا ينتمي. غير أن هذا الاحتكار لم يُنتج استقراراً مستقراً على مستوى المعنى والانتماء، رغم ما فرضه من استقرار أمني ظاهري، بل راكم – ببطء – شروط الانفصال الإدراكي التي ترى في السلطة كياناً مفروضاً لا شريكاً.
بعد 2011، ومع تفكك السيطرة المركزية وتعدد مراكز القوة، لم تختفِ هذه البنية، بل انتشرت. لم ننتقل من تعريف واحد إلى تعددية متفق عليها، بل إلى تعريفات متنازعة، يعيد كل منها – بدرجات مختلفة – إنتاج السلسلة نفسها:
آخر غير أصيل منفي لا يشارك في تعريف الوطن
شبه السلطة، وشبه المعارضة، وفاعلون محليون – رغم اختلاف مواقعهم وقدراتهم – اشتركوا، بدرجات متفاوتة، في نزعة واحدة: نفي تعريفات الآخرين بدل التعايش معها.
ولا يمكن فصل هذه التعريفات عن القوة. فتعريف الوطن ليس مجرد خطاب، بل يرتبط بمن يملك السلاح، والموارد، والمؤسسات، والقدرة على التحكم في المجال العام. من يملك هذه الأدوات يمتلك قدرة أعلى على فرض تعريفه. وفي الوقت نفسه، يمنحه هذا التعريف شرعية إضافية، ويجذب الأنصار، ويبرر استخدام القوة، فتتشكل حلقة تغذية متبادلة بين المعنى والقوة.
ومع استمرار هذا النمط وتراكمه، لا يبقى الأمر مجرد صراع على تعريفات مختلفة، بل قد يصل إلى نقطة يصبح فيها الاتفاق على تعريف مشترك نفسه صعباً. لا يعود السؤال فقط: من يعرّف الوطن؟ بل يصبح: هل يمكن الاتفاق عليه أصلاً؟
وهنا يظهر الأثر الأعمق. فالفرد الذي يعيش تجربة نفي متكرر – مرة باسم السلطة، ومرة باسم تعريفات مضادة – قد يفقد تدريجياً ثقته بفكرة الوطن كمساحة مشتركة. يبدأ ذلك بالحذر، ثم بالانسحاب، ثم بالبحث عن دوائر أصغر يشعر فيها بالأمان والانتماء. ومع الوقت، قد تتحول هذه التجربة إلى قناعة بأن “الوطن” ليس إطاراً جامعاً، بل ساحة تُفرض فيها الانتماءات وفق موازين القوة.
هكذا، لا يُفقد الوطن عندما يُهاجَم من الخارج، بل عندما يُنفى الداخل فيه. وعندما يصل الصراع إلى حدّ إنكار أن يكون الخصم جزءاً من الداخل، فإن المشكلة لا تعود في أي تعريف نعتمد، بل في إمكانية وجود تعريف مشترك أصلاً.
لكن الخروج من هذا المأزق لا يكون باستبدال تعريف بآخر، ولا بتغيير من يحتكره، بل بكسر الفكرة نفسها. فإذا كان النفي – كما يظهر في هذا المسار – يقود إلى تفكك المعنى، فإن المشاركة تصبح شرطاً لإعادة بنائه.
والمشاركة هنا لا تعني الاتفاق الكامل، بل تعني الاعتراف بأن للوطن أكثر من لون. ليس لوناً واحداً يُفرض، بل ألواناً متعددة تتجاور دون أن يلغي أحدها الآخر.
بهذا المعنى، لا يعود الوطن شيئاً جاهزاً نمتلكه، بل عملية مستمرة نشارك في صنعها. كل من يساهم في تعريفه يساهم في بنائه. وكلما اتسعت هذه المشاركة، زادت فرص أن يكون الوطن مساحة قابلة للعيش.
أما حين يُختزل الوطن إلى لون واحد، فإن ما يُنتج ليس وطناً، بل صورة مغلقة عنه – صورة لا تتحمل الاختلاف، وسرعان ما تتحول إلى أداة نفي جديدة تعيد إنتاج المسار نفسه.
خلاصة الأمر: في الحالة السورية، لم تكن المشكلة فقط في احتكار تعريف الوطن، بل في نفي المختلف وإخراجه من الانتماء أصلاً. ومع تراكم هذه المسارات، لم يعد الخلاف داخل وطن واحد، بل صار صراعاً على من يملك حق الانتماء إليه. والتحدي الحقيقي اليوم ليس فرض تعريف جديد، بل استعادة إمكانية المشاركة في تعريف وطن يتسع لأكثر من لون، لا لون واحد.