من خندق إلى خنادق؟
كيف يعيد الخوف والهشاشة تشكيل العلاقة بين من تقاسموا حلماً واحداً
كيف يمكن لأشخاصٍ تقاسموا الخوف نفسه، والحلم نفسه، والخصم نفسه، أن يجدوا أنفسهم بعد وقت قصير في خنادق متقابلة؟ ينظرون اليوم إلى بعضهم بشيء من الحذر أو الشك؟
كيف يتحول الاختلاف بينهم من نقاش مشروع إلى شبهة، ومن تباين طبيعي إلى جرح مفتوح؟
كم مرة وجدت نفسك تتردد قبل أن تعبّر عن رأيك، لا لأنك غير مقتنع، بل لأنك تخشى ما قد يترتب عليه؟
هذا النص لا يحاول تفسير انقسام سياسي عابر، بل يتتبع كيف يعيد الخوف والهشاشة تشكيل الوعي نفسه، حتى يصبح ما كان شرطاً للبقاء سبباً للتفكك.
في بعض السياقات الهشّة، لا يظهر الاختلاف بوصفه تبايناً طبيعياً في الرأي، بل كصدعٍ داخل جماعة أو جماعات كانت، حتى وقت قريب، تقف في موقع واحد. ليس الأمر هنا خلافاً بين أطراف متقابلة بوضوح، بل انقساماً داخل تجربة مشتركة، حيث يجد أفرادٌ كانوا في خندق واحد أنفسهم اليوم في مواقع متباعدة، يتبادلون الشكوك وربما الاتهامات. وهكذا، لا يعود الاختلاف مجرد تعبير عن موقف، بل يتحول إلى إشارة خطر، لا لأنه خاطئ بالضرورة، بل لأنه يُقرأ بوصفه تهديداً لوحدةٍ كانت، في لحظة سابقة، شرطاً للبقاء.
لكن هذا التحول لا يحدث فجأة، ولا يمكن اختزاله في مواقف سياسية آنية، بل يتشكل عبر مسار أطول تتداخل فيه التجربة والذاكرة مع طريقة التفكير، ومع طبيعة البيئة الاجتماعية التي يُعاد فيها تعريف السياسة نفسها. عند هذه النقطة، لا يعود السؤال متعلقاً بحدود الاختلاف فحسب، بل بكيف يمكن لجماعةٍ عاشت تجربة واحدة أن تعيد رسم خطوطها الداخلية بهذه الحدة، وأن ترى في التباين ما كانت تراه يوماً جزءاً من قدرتها على الاستمرار.
في الأنظمة التي رسّخت قدراً من المأسسة، تبدو المعارضة جزءاً من البنية، لا خروجاً عليها. وجودها لا يربك النظام، بل يساهم في توازنه. هذا ما نجده، بدرجات متفاوتة، في تجارب ديمقراطية مستقرة، حيث لا يُنظر إلى الاحتجاج بوصفه خطراً وجودياً، بل كإشارة على خلل تستدعي المعالجة. لكن الصورة تختلف جذرياً في مجتمعات خرجت من تجارب عنيفة أو ما زالت تعيش هشاشة في بنيتها السياسية. هناك، لا يُقرأ الفعل نفسه بالطريقة ذاتها.
في الحالة السورية، على سبيل المثال، لم يعد التظاهر – لدى شريحة واسعة، بما في ذلك من كانوا يوماً في موقع سياسي متقارب – فعلاً سياسياً قابلاً للفصل عن نتائجه التاريخية. عند هذه العتبة، يتغير تعريف السياسة دون إعلان، ليس فقط بين أطراف متقابلة، بل داخل الجماعات التي كانت تبدو متماسكة في لحظة سابقة. الذاكرة لا تستدعي لحظة التعبير، بل ما تلاها: الانهيار، الحرب، التفكك. وهكذا، يُعاد تفسير أي حراك – حتى إن كان محدوداً أو سلمياً – بوصفه بداية مسار مألوف نهايته معروفة. الصورة نفسها ظهرت في مصر بعد 2013، حيث جرى ربط أي توتر سياسي باحتمال الذهاب إلى الفوضى. في ليبيا، أصبح الانفلات الأمني مرجعية تفسير جاهزة لأي دعوة للتغيير. هنا، لا يتحرك الناس داخل لحظة الحاضر فقط، بل داخل ذاكرة مثقلة تعيد تشكيل معنى كل فعل.
عند هذه العتبة، يتغير تعريف السياسة دون إعلان. لم تعد مجالاً لإدارة التعدد، بل عملية مستمرة لتقليصه. يصبح الاستقرار قيمة عليا، لكن ليس بوصفه نتيجة توازن، بل بوصفه نقيضاً للاختلاف. ومن هنا يبدأ التحول الأخطر: حين لا يُنظر إلى المعارضة كجزء من الانتظام العام، بل كاحتمال لخروجه عن السيطرة.
لكن ربما يكون هذا الوصف غير كافٍ إذا توقف عند اعتبار الخوف مجرد ردّ فعل على الفوضى. فالمفارقة الأعمق تكمن في أن بعض أشكال “الاستقرار” التي يُعاد إنتاجها في هذه البيئات لا تمثّل نقيض العنف، بل شكلاً آخر من استمراره، وإن بصيغة أكثر هدوءاً وأقل ظهوراً. إذ لا يُلغى العنف هنا، بل يُعاد توزيعه داخل البنية، عبر تقليص المجال العام، وتقييد إمكانيات الفعل، وإعادة تعريف المقبول والمرفوض ضمن حدود ضيقة. عند هذه النقطة، لا يعود الاستقرار مجرد حالة توازن، بل يصبح أحياناً آلية لضبط التوتر ومنع ظهوره، لا لحل أسبابه. وهنا تنقلب العلاقة: لا يكون الخوف فقط ما يقتل السياسة، بل قد يتحول “الاستقرار” نفسه إلى أحد الشروط التي تُبقي هذا الخوف فاعلاً، وتمنع تجاوزه.
هذا التحول لا ينشأ من فراغ، بل يتشكل عبر طبقات متداخلة. أولها اجتماعي: حيث تؤدي هشاشة المأسسة إلى تآكل الثقة بالقواعد، فيتحول الاعتماد نحو الأشخاص. حين تغيب القاعدة المستقلة، يصبح الحاكم هو النظام، ويصبح نقد القرار نقداً للكيان. هذا ما وصفه ماكس فيبر منذ زمن طويل حين فرّق بين “السلطة القانونية” والسلطة الشخصية”، حيث تذوب القواعد داخل الفاعل الفرد.
في مجتمعات مثل العراق ولبنان، يتخذ الأمر بعداً إضافياً. فحين تتداخل السياسة مع الهوية، لا يبقى الاعتراض في حدوده السياسية، بل يتحول إلى مسألة حساسة تمسّ الانتماء. نقد السلطة قد يُقرأ كاستهداف طائفي، لا كموقف سياسي. وهنا يرتفع منسوب التوتر، ويضيق المجال أمام أي معارضة، لأن كلفتها لم تعد سياسية فقط، بل اجتماعية ونفسية أيضاً.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يبدو أن المشهد في سورية يتجه – ولو ببطء وتردد – نحو حالة أكثر تعقيداً، لا يقتصر فيها الخلل على ضعف المأسسة أو هشاشة الثقة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل المجال السياسي نفسه على أسس مختلفة. ففي ظل غياب ثنائية مستقرة بين سلطة مكتملة الشرعية ومعارضة متبلورة، لا يبقى الفراغ السياسي حيادياً، بل يبدأ بالامتلاء تدريجياً بأشكال أخرى من التنظيم، أقرب إلى الانتماءات الاجتماعية منها إلى الفعل السياسي المنظّم.
في هذه الحالة، لا يعود الاصطفاف قائماً على برامج أو رؤى، بل يميل إلى التشكل حول هويات أكثر صلابة، توفر – ولو جزئياً – إحساساً بالأمان في بيئة يغلب عليها عدم اليقين. وهنا لا تظهر الطائفية كخيار واعٍ بقدر ما تتسلل كاستجابة ضمنية لغياب البدائل، وكآلية دفاعية في مواجهة الخوف من التفكك. فحين تضعف السياسة بوصفها إطاراً جامعاً، تتقدم الهويات الجزئية لتملأ هذا الفراغ، لا لأنها أكثر إقناعاً، بل لأنها أكثر تماسكاً في لحظات القلق.
ومع الوقت، لا يبقى هذا التحول مجرد ميل اجتماعي، بل يبدأ في إعادة صياغة المشهد السياسي نفسه. فالمواقف لم تعد تُقرأ فقط من حيث مضمونها، بل من حيث موقعها ضمن شبكة الانتماءات. ويصبح النقد، حتى حين يُطرح بلغة سياسية، قابلاً للتأويل بوصفه اصطفافاً ضمنيّاً، لا موقفاً مستقلاً. وهكذا، يتراجع الفعل السياسي بوصفه نقاشاً حول خيارات، ويتحول إلى امتداد لحدود اجتماعية سابقة عليه.
هذا المسار لا يعني أن سورية قد تحولت إلى نموذج طائفي مكتمل، لكنه يشير إلى اقتراب تدريجي من أنماط عرفتها مجتمعات أخرى في المنطقة، حيث لم يعد الصراع يُدار داخل إطار سياسي واضح، بل عبر توازنات هشة بين قوى اجتماعية متجاورة، تحكمها اعتبارات البقاء أكثر مما تحكمها برامج التغيير.
وفي ظل هذا التحول، تزداد المفارقة وضوحاً: فالمعارضة لا تتراجع فقط بسبب رفضها اجتماعياً، بل أيضاً لأنها تجد نفسها أمام واقع لا يتيح لها أن تكون معارضة بالمعنى التقليدي. كما أن السلطة، رغم استمرارها، لا تمارس دورها ضمن إطار مؤسسي مكتمل، بل ضمن توازنات دقيقة تحكمها اعتبارات الاستقرار أكثر مما تحكمها قواعد السياسة. وهكذا، لا نكون أمام صراع سياسي مكتمل، بل أمام حالة يمكن وصفها بتعليق السياسة، حيث يتراجع الفعل السياسي ذاته، لا لصالح سلطة قوية أو معارضة بديلة، بل لصالح إدارة حد أدنى من الاستقرار في بنية هشّة تخشى الانهيار أكثر مما تطمح إلى التغيير.
وهكذا، لا نكون أمام صراع سياسي مكتمل، بل أمام حالة يمكن وصفها بتعليق السياسة. غير أن هذا التعليق لا يعني غيابها، بل تحوّلها إلى نمط مختلف من الاشتغال، تُدار فيه الحياة العامة بوصفها سلسلة من إجراءات تقليل المخاطر، لا بوصفها مجالاً لإنتاج الخيارات. في هذا الوضع، لا تختفي السياسة، بل تنكمش وظيفتها، من تنظيم التعدد إلى احتوائه، ومن فتح الاحتمالات إلى إغلاقها. وعند هذه النقطة، لا يكون ما نشهده مجرد اختلال عابر، بل نمطاً أكثر استقراراً: تعليق طويل الأمد لإمكانية السياسة نفسها، حيث يُستبدل الصراع حول البدائل بإدارة حد أدنى من التوازن يمنع الانهيار دون أن يفتح أفق التغيير.
إلى جانب ذلك، تعمل الذاكرة الجمعية كقوة خفية تعيد تنظيم الإدراك. التجارب الصادمة – كالحروب والانهيارات – لا تختفي، بل تتحول إلى مرجعية تفسير. أي حدث جديد يُقرأ من خلالها. وهذا ما يجعل الخوف من التغيير ليس موقفاً ظرفياً، بل نمطاً مستقراً. في علم النفس، تُفهم هذه الحالة بوصفها استجابة ممتدة للصدمة، حيث يُعاد بناء الإدراك حول تجنب المخاطر، حتى لو أدى ذلك إلى تضييق المجال العام.
لكن العوامل النفسية لا تقف عند هذا الحد. فالحاجة إلى اليقين تلعب دوراً حاسماً. الإنسان، بطبيعته، يميل إلى الوضوح، ويضيق بالاحتمالات المفتوحة. هذا ما تشير إليه ما يعرف بدراسات “الحاجة إلى الإغلاق المعرفي”، حيث يُفضَّل الحسم – حتى إن كان مبسطاً – على التعقيد المستمر. في هذا الإطار، يبدو الاختلاف عبئاً، لأنه يعيد فتح الأسئلة بدل إغلاقها.
ويرتبط بهذا ميل آخر: يعرف بتفويض المسؤولية. المشاركة السياسية ليست سهلة، بل تتطلب جهداً ومساءلة مستمرة. لذلك، يبدو أحياناً أكثر راحة أن تُسلَّم هذه المهمة إلى سلطة واحدة يقال إنها “تعرف ما تفعل”. هذا لا يعني بالضرورة تأييداً واعياً، بل بحثاً عن الاستقرار الذهني، وعن تخفيف عبء القرار.
ويبرز الخوف من فقدان الأمان كخيط يجمع هذه العناصر. لا يتعلق الأمر فقط بالأمن بمعناه المباشر، بل بإحساس أعمق بالسيطرة. أي اهتزاز في هذا الإحساس يُترجم كتهديد. ومن هنا، يبدو تقليص الحريات – كالاحتجاج أو النقد – وكأنه إجراء وقائي. تتحول السلطة إلى رمز للاستقرار، ويُستقبل نقدها بوصفه مساساً بهذا الرمز، لا مجرد تقييم للأداء.
ويظهر أيضاً نمط تفكير لا يقل تأثيراً، يمكن وصفه بـ”التفكير الصفري”، وهو الميل إلى فهم السياسة كمعادلة مغلقة: إما ربح أو خسارة، إما مع أو ضد، دون وجود مساحات وسطى. في هذا الإطار، لا يُنظر إلى المعارضة كجزء يمكن أن يتعايش مع السلطة، بل كطرف نقيض لها بالكامل، ما يجعل أي اختلاف يبدو وكأنه تهديد مباشر، لأن وجوده يُفهم كإلغاء للطرف الآخر لا كموازنة له.
ولا يمكن فهم هذا المسار بالكامل إذا جرى حصره في استجابات المجتمع أو في بنية السلطة وحدها. فبعض أشكال الخطاب المعارض، من حيث لا تقصد، قد تساهم أيضاً في إعادة إنتاج النمط ذاته الذي تسعى إلى نقده. حين يُقدَّم الصراع بصيغة كلية مغلقة، أو حين تُختزل الخيارات في ثنائيات حادة لا تترك مجالاً للتدرج أو التعقيد، يصبح هذا الخطاب امتداداً للتفكير الصفري الذي ينتقده. وعندها، لا يعود يعيد فتح المجال السياسي، بل يعيد تشكيله ضمن الحدود نفسها، حتى وهو يعلن رفضها. بهذه الطريقة، لا تُختزل المشكلة في غياب المعارضة، بل في الكيفية التي تُمارَس بها، وفي قدرتها – أو عجزها – عن كسر القوالب الإدراكية السائدة بدل الوقوع داخلها.
وإذا كان التفكير الصفري يحوّل السياسة إلى معادلة مغلقة، فإن تبسيط التعقيد يختزلها إلى صور سهلة لكنها مضللة. فالمشهد السياسي، بطبيعته، مركّب ومتعدد الطبقات، لكن العقل يميل إلى اختزاله في ثنائيات حادة: استقرار أو فوضى، أمن أو انهيار، ولاء أو خيانة. هذا التبسيط يمنح شعوراً بالوضوح والراحة، لكنه في الوقت نفسه يحجب الفروق الدقيقة، ويجعل من الصعب إدراك أن هذه الخيارات ليست متعارضة بالضرورة. ويمكن ملاحظة هذا النمط أيضاً في سياقات مختلفة، من الخطاب السياسي في بعض الدول السلطوية المستقرة مثل روسيا أو الصين، حيث يُعاد تقديم الاستقرار بوصفه بديلاً عن التعدد، إلى النقاشات العامة في ديمقراطيات غربية، حيث تُختزل أحياناً قضايا معقدة في ثنائيات حادة خلال فترات الاستقطاب السياسي.
كما تختفي الحدود بين مستويات الفعل السياسي، فلا يُميَّز بين اعتراض جزئي يسعى إلى إصلاح محدود، وبين مشاريع تغيير أوسع. هذا التداخل لا يلغي الفروق فقط، بل يعيد ترتيبها ضمن تصور واحد يُسقِط التنوع لصالح صورة مبسطة، ويحوّل كل أشكال الاختلاف إلى نمط واحد يُقرأ بوصفه تهديداً.
ومن خلال تفاعل هذه الآليات، يتكوّن تصور عام يبدو متماسكاً من الداخل، حتى لدى جماعات لم تكن ترى نفسها منقسمة من قبل لأنه خالياً من التناقضات الظاهرة، لكنه في الحقيقة يقوم على اختزال شديد. فكل فكرة تُعاد صياغتها بما يناسب هذا الإطار: المعارضة تُقرأ كخطر، والاختلاف كخلل، والحرية كاحتمال للفوضى. وهكذا، لا يُعاد فقط تفسير الواقع، بل يُعاد بناؤه ذهنياً بطريقة تجعل هذه النتائج تبدو منطقية، بل وحتى بديهية. وهنا تتضح البنية التفاعلية للظاهرة، حيث لا تعمل العوامل النفسية أو المعرفية أو الاجتماعية بشكل منفصل، بل تتقاطع لتنتج نمطاً إدراكياً متكاملاً، يحوّل الميل الفردي إلى اتجاه جماعي مستقر.
هذه النتائج لا تعني أن المجتمع “يرفض الديمقراطية” بمعناها النظري، بل تعني أن مفاهيم مثل المعارضة والحرية والاستقرار قد أُعيد تعريفها بطريقة مختلفة. حتى داخل دوائر كانت تتقاسم في السابق مواقف متقاربة ما يبدو رفضاً للمعارضة، هو في العمق رفض لما يُعتقد أنه يرافقها: الفوضى، الانقسام، فقدان السيطرة.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذه الظاهرة في بعدها النفسي فقط. فالتفسير الذي يتوقف عند الخوف أو الحاجة إلى اليقين يبقى ناقصاً، لأنه يتجاهل الشروط التي جعلت هذه الدوافع مؤثرة بهذا الشكل. في مجتمعات تتمتع بمؤسسات مستقرة، لا تؤدي الحاجة إلى اليقين إلى رفض المعارضة، بل تُستوعب داخل قواعد واضحة. أما حين تغيب هذه القواعد، يصبح المجال مفتوحاً أمام هذه الدوافع لتلعب دوراً أكبر مما ينبغي.
هنا يظهر الفرق بين استجابة يمكن فهمها، وبين مسار يعيد إنتاج نفسه. فهناك من يفضّل الاستقرار لأن تجربته مع الفوضى كانت قاسية، وهذا موقف يمكن تفسيره. لكن حين يتحول هذا التفضيل إلى رفض دائم لأي شكل من أشكال الاختلاف، نكون أمام إعادة إنتاج لمنطق آخر، يجعل من السلطة المركزية الحل الوحيد الممكن، ويغلق المجال أمام أي بديل.
هذا التمييز مهم، لأنه يحدد أين يمكن التدخل. فالمشكلة ليست في وجود الخوف، بل في تحوله إلى قاعدة ثابتة. وليست في تفضيل الاستقرار، بل في ربطه بإلغاء التعدد. عند هذه النقطة، لا يعود النقاش سياسياً فقط، بل يصبح متعلقاً بطريقة فهم العلاقة بين الأمن والحرية.
إمكانية الخروج من هذا النمط لا تبدأ من الشعارات، بل من إعادة بناء الشروط التي تسمح بفهم مختلف. أول هذه الشروط هو استعادة فكرة المأسسة، أي بناء قواعد مستقلة عن الأشخاص، بحيث يصبح من الممكن نقد القرار دون أن يُفهم ذلك كاستهداف للكيان. في مثل هذا الإطار، تستعيد المعارضة معناها كوظيفة، لا كتهديد.
الشرط الثاني يتعلق بالثقة الاجتماعية. فالمجتمع الذي لا يثق أفراده ببعضهم، يصعب عليه قبول الاختلاف. بناء هذه الثقة ليس أمراً سريعاً، لكنه ضروري، لأنه يخفف من الميل إلى تفسير كل اختلاف بوصفه خطراً.
أما الشرط الثالث، فهو إعادة تفكيك العلاقة الذهنية بين المعارضة والفوضى. هذه العلاقة لا تُفكك بالخطاب وحده، بل بتجارب ملموسة تُظهر أن الاختلاف لا يؤدي بالضرورة إلى الانهيار، وأن وجود معارضة لا يعني غياب الاستقرار. في تجارب عديدة، من أوروبا الشرقية بعد التحولات السياسية، إلى بعض دول أميركا اللاتينية، لعبت هذه التجارب دوراً في إعادة تعريف العلاقة بين التعدد والاستقرار.
وفي هذا المستوى، لا يكون التحدي سياسياً فقط، بل إدراكي أيضاً. لأن ما يجب تغييره ليس فقط القواعد، بل الطريقة التي يُنظر بها إلى هذه القواعد. حين يُفهم الاستقرار بوصفه نتيجة توازن، لا غياباً للاختلاف، يتغير موقع المعارضة تلقائياً. وحين تُفهم الحرية كإطار منظم، لا كتهديد، يتغير موقعها أيضاً. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال سياسياً فقط، بل يتعلق بكيفية فهمنا للاستقرار نفسه. وربما تكمن المفارقة الأوضح في أن هذا التحول لم يفصل بين خصوم بقدر ما أعاد ترتيب العلاقات داخل جماعات كانت تبدو متقاربة.
في النهاية، لا يتوقف السؤال عند حدود المعارضة، بل يمتد إلى شكل السياسة نفسها. هل هي إدارة للخوف، حيث تُختزل الخيارات ويُضيق المجال، ويُعاد تفسير كل اختلاف بوصفه تهديداً؟ أم إدارة للتعدد، حيث يُنظر إلى الاختلاف بوصفه جزءاً من النظام، لا خللاً فيه؟
غير أن السؤال الأعمق قد يكون أكثر إزعاجاً: ماذا لو لم يعد هذا التمييز فاعلاً أصلاً؟ ماذا لو كان المجتمع، تحت وطأة الخوف والتجربة، قد أعاد تعريف الاستقرار بطريقة تجعله قائماً على استبعاد ما يفترض أن يضمن توازنه؟ عندها، لا تكون المشكلة في غياب المعارضة فقط، بل في تراجع الحاجة إليها، أو في النظر إليها ككلفة لا كضرورة.
في هذه الحالة، لا يعود التحدي متعلقاً بالدفاع عن المعارضة بوصفها وظيفة، بل بإعادة إنتاج الشروط التي تجعل هذه الوظيفة ممكنة وذات معنى. لأن المجتمع الذي يرى في الاختلاف خطراً دائماً، قد لا ينتج استقراراً بقدر ما ينتج نمطاً من الهدوء القابل للكسر، هدوءاً يقوم على تأجيل التوتر لا على حله. وبين الخوف من الفوضى والخوف من الحرية، لا تُحسم المسألة لصالح أحدهما، بل يُعاد تشكيل المجال العام ضمن توازن هش، يطرح سؤالاً مفتوحاً: هل ما يزال بالإمكان استعادة السياسة بوصفها قدرة على إدارة الاختلاف، أم أن هذا الأفق نفسه قد دخل في طور التعليق؟