المكهوفون
بعد 12 عاماً من حرق محمد البوعزيزي نفسه شاب من تونس يحرق نفسه في وسط العاصمة الألمانية برلين
«كأنك يا أبوزيد ما غزيت»
صحيح أنه بعد أن أضرم محمد البو عزيزي النار في نفسه، أنهى بذلك ماضيه وحاضره، لكن ناره لم تنطفئ وألهبت مشاعر ملايين آخرين من أبناء جلدته، وانارت كهوف كرامتهم المعتمة، الآسنة رغم أن معاناتهم لا تقل قسوة وألماً عنه، بل ربما هي أكثر في بعض البلدان.
لم يجد الإنسان في هذه البلاد ما يجابه به النظم الفاسدة والحكام الطغاة والفقر المحيط به من كل جانب، سوى مساحة متر بمترين في الأرض يدفن فيها، بدليل هذا الاندفاع المفاجئ نحو الموت رفضاً للمذلة.
مع احترامنا لكل فاصلة ونقطة في بحوثنا العلمية، ولكل برغي وعزقه في اختراعاتنا ولكل ذرة وقارورة في مخابرنا، مع تقديرنا لجميع من يعمل في هذا المجال في الوطن العربي ولكن أود أن أسأل:
ما الفائدة من البحوث العلمية إذا كانت بمعظمها تابعة لإدارة الأمن القومي ووزارة الدفاع؟
ما الفائدة من أن تكتب عن العلوم في هذا البلدان، ولست قادراً على تغيير حذاء ابنك البالي أو شقتك السكنية الرطبة في القبو، وغير قادر على منع بلدية منطقتك من قطع شجرة معمرة في حيك؟
أما الذين يحدثونك عن طفرة في البحث العلمي والطاقة البديلة والنانوكنولوجي في دول الخليج فأجيبهم بالتالي: كيف يمكن أن يحدث هذا ومعظم المدن الكبيرة في هذه البلدان لا توجد فيها شبكات صرف صحي، وإن وجدت فبمعايير متدنية علمياً بحيث أن زخة مطر بسيطة لمدة ربع ساعة تملأ الشوارع الرئيسية فيها بالمياه الممزوجة بمياه الصرف الناتجة عنن المصانع والمشافي والمساكن والمتجهة نحو البحر من دون معالجة ما يؤدي إلى التلوث ونفوق الأسماك وانتشار الروائح الكريهة وخروج الشواطئ من الخدمة السياحية.
كيف يمكن أن تكون دول النفط طفرة في العلوم ولديها أكبر مدن ملوثة في العالم من ناحية مصانع تكرير واستخراج النفط مروراً بالمدن الصناعية دون مراعاة التدابير الوقائية الضرورية لحماية البيئة والإنسان.
كيف يمكن أن تكون هذه الدول متقدمة تكنولوجياً ومعظم مواطنيها ومقيميها يشربون من مياه الآبار، وقليل منهم يشربون من مياه البحار بعد تحليتها بتكلفة مرتفعة جداً وتنقل إلى مدنهم البعيدة، بينما سكان المدن القريبة من محطات التحلية محرومون منها؟.
كيف يمكن أن تكون كبرى بلدان الخليج متقدمة علمياً وفيها أسوأ نظام سير في الوطن العربي، ولديها أعلى نسبة حوادث مسببة للوفيات داخل المدن في العالم.
كيف تَعد هذه الدول بإحداث نقلة نوعية في المعرفة والبحث العلمي من خلال نقل وتوطين تكنولوجيا الطاقة الخضراء في العالم العربي وهي من أكثر الدول التي تردم بحارها وتشجع على ذلك بهدف استثمارات تجارية، وآخر اهتماماتها البيئة.
وما جدوى أن يكون لدى الدول العربية الكثير من التشريعات الخاصة بالبيئة والبحوث العلمية، ولكن لا يتم تطبيقها.
ثم، لم وجدت هذه البحوث أصلاً؟ أليس من أجل مستقبل الإنسان وتعزيز العلم والمعرفة بين الأمم؟
فأين مثل هذا المفهوم الآن فيما بيننا؟
لا أرى أي تفاهم بين السلطات العربية وشعوبها سوى تفاهم الجزار مع خرافه وحوار الشعارات المكبوته مع الدبابات وراجمات الصواريخ.
ماذا يفعل العالم الكبير أمام صفعة شرطي مثلاً؟
وماذا يفعل الباحث والمخترع أمام الرشاش أو شظايا القذائف؟
فقبل احترام العلوم يجب احترام الإنسان الذي هو هدفها النهائي.
وبالتالي لا يمكن أن تتقدم الشعوب العربية إلا عندما تتكون لديها الرغبة، ليس بالموت بل بالحياة وأن تحسها بكل تفاصيلها وتقوم بثورة أولاً: ضد عبوديتنا وممارساتنا الإدارية الفاسدة وسلوكنا الشخصي المقرف تجاه بعضنا بعضاً وتجاه البيئة المحيطة بنا.
وثانياً: ضد تخلفنا العلمي والأدبي الذي ينام في عقولنا منذ قرون.
وبذلك سنرى أنفسنا كباراً أحراراً، ونرى كيف ستصبح حكوماتنا أسيرة إرادتنا.