ما الذي يجري حول سوريا؟
العملية العسكرية التركية وجهود المصالحة:
أعلنت القيادة التركية، قبل أشهر، نيتها القيام بعملية عسكرية في شمال سوريا موجهة ضد قوات سورية الديمقراطية (قسد الانفصالية) التي تصنفها بالإرهابية كونها تابعة لحزب العمال الكردستاني (التركي) الذي يحارب السلطات التركية بشكل مسلح منذ ثلاثين عاماً. وقام الجيش التركي بالفعل في شهر ديسمبر الماضي بحملة قصف جوي لمواقع قسد تم خلالها القضاء على عدد من قياداته العسكرية المنتمية إلى حزب العمال الكردستاني، وقصف مؤخرا مواقع للنظام وقتل بعض ضباطه.
ولكن العملية البرية لم تبدأ بسبب معارضة روسيا وإيران (اتضح ذلك في قمة طهران في يوليو 2022 وتأكد في اجتماع أستانا في نوفمبر 2022)، وأيضاً للولايات المتحدة الأمريكية موقف مشابه حتى اليوم، فهي تدعم قسد العدو اللدود لتركيا، وترعاها منذ تأسيسها عام 2015.
وقد جرت لقاءات تركية – روسية على أعلى مستوى ولم يتوصلا إلى اتفاق حول العملية العسكرية التركية البرية، ويبدو أن الرئيس الروسي اقترح على نظيره التركي المصالحة مع نظام الأسد ليساعد في إبعاد ميليشيات قسد لمسافة 30 كيلومتر عن الحدود التركية – السورية والتخلي عن العملية العسكرية. وأعجبت هذه الفكرة الرئيس التركي وصرح بأن بوتين نصحه بذلك وهو موافق. ولاحقاً أعلن الرئيس التركي بأنه اقترح على الرئيس بوتين لقاء قمة مع الأسد لبحث الوضع السوري وحل موضوع الميليشيات الإرهابية في شمال سوريا. فبدأت تصريحات القيادات التركية من الرئيس إلى وزير الخارجية ووزير الدفاع بأن المصالحة مع نظام الأسد مطلوبة حفاظاً على الأمن القومي التركي من الإرهابيين (يقصد بهم ميليشيات قسد الانفصالية) وكذلك لعودة اللاجئين السوريين من تركيا إلى شمال سوريا والعمل على إيجاد حل سياسي شامل للقضية السورية في إطار قرار مجلس الأمن 2254. والغريب أن القيادة السورية لم تعلق في حينها على هذه التصريحات واكتفت بأن الرئيس أردوغان يريد استخدام موضوع المصالحة مع سوريا للفوز في الانتخابات الرئاسية خاصة، ويبدو أن أردوغان يريد سحب البساط من تحت أقدام المعارضة التركية وكسب أصوات ملايين الناخبين وخاصة في لواء اسكندرون من العلويين المتعاطفين بأغلبيتهم مع نظام الأسد.
وفي آخر شهر ديسمبر الماضي جرى اجتماع ثلاثي في موسكو لوزراء دفاع تركيا وروسيا والنظام السوري، وكذلك اجتمع رؤساء الأجهزة الأمنية، وانبثق عنها تشكيل لجان لترتيب بعض المسائل المطروحة للنقاش والإعداد للقاء سياسي على مستوى وزراء الخارجية لم يعقد حتى اليوم، وكذلك للتحضير لقمة ثلاثية.
ويبدو أن الأسد فهم سبب الاندفاع التركي للمصالحة على أنه لصالح تركيا بالدرجة الأولى، علما أن النظام سيستفيد من خوف قسد من العملية التركية واضطرارها للتقارب والتفاهم معه.
ويقوم وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو بجولة في عدد من الدول الأفريقية، ويتهيأ لزيارة واشنطن ولقاء نظيره الأمريكي أنطوني بلينكين في 17 يناير الحالي. وسيكون الملف السوري على طاولة المباحثات. وتأتي زيارة الوزير التركي لواشنطن في ظل توتر معروف في علاقتها مع أنقرة بسبب دعمها لميليشيات قسد الإرهابية التي تشكل خطراً على الأمن القومي التركي وكذلك بسبب القواعد العسكرية في اليونان التي تثير حساسية تركيا. كما تعارض واشنطن العملية العسكرية التركية ضد قسد وتدعي أنها تهدد الاستقرار في المنطقة وكأن المنطقة تعيش في أمان وسلام. ولكن الإدارة الامريكية قد تقترح حلاً سياسياً بدون قتال يعالج المخاوف الأمنية لتركيا ولكنها برأيي لن تذهب بعيداً باتجاه إيجاد حل سياسي للقضية السورية.
ويبدو لذلك فإن وزير الخارجية التركي أعلن بأن اللقاء الثلاثي لوزراء الخارجية سيعقد في بداية فبراير/شباط وليس في النصف الأول من يناير/كانون الثاني.
ويتلخص الموقف الأمريكي في إعلان واشنطن بأنها ضد التطبيع مع نظام الأسد وستعمل من أجل هزيمة تنظيم «داعش» الإرهابي والحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، وأن واشنطن تتمسك بالحل السياسي بموافقة جميع السوريين، وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254. ويبدو أنها لم تتخل عن دعم قسد الانفصالية.
الجهود الروسية وموقف الأسد:
أظهر لقاء لافرينتيف مع الأسد في دمشق، حقيقة الموقف السوري الذي يرى أن التطبيع مع تركيا ليس لصالحه، ولذلك يضع شرطاً مستحيلاً في الوقت الحالي وهو انسحاب القوات التركية من سوريا وكذلك التوقف عن دعم المعارضة السورية. وهذا يعكس:
- عدم رغبة الأسد بتقديم أي تنازلات لتركيا يستفيد منها أردوغان في الانتخابات القادمة في صيف العام الحالي.
- الضغوطات الإيرانية على الأسد لعدم التفاوض والمصالحة مع تركيا بغياب إيران عن المفاوضات.
- يبدو أن الأسد لا يثق بالروس كما يثق بإيران، لأن موسكو على ما يبدو مستعدة للتخلي عن الأسد ضمن صفقة تضمن مصالحها في سوريا ولكن إيران ترفض رفضاً قاطعاً تغيير الأسد.
ويرى الخبراء أن روسيا تضغط على الأسد لقبول المصالحة مع تركيا لأنها تريد أن تساعد أردوغان في الانتخابات القادمة. وسبب الموقف الروسي هو:
- إعادة استيلاء الأسد على الأراضي السورية كافة.
- الحفاظ على علاقات التعاون مع تركيا الضرورية جداً لروسيا في ظل العقوبات الغربية الواسعة. وتجسد ذلك في موافقة روسيا على تأسيس مستودعات لتجميع الغاز الروسي في تركيا للتصدير إلى أوروبا.
- دفع تركيا للصدام أكثر مع الموقف الأمريكي وخاصة كونه داعم لقوات قسد الكردية الانفصالية.
- استعادة النظام لمناطق شمال شرقي سوريا الغنية بالثروات النفطية والزراعية الذي قد يخفف من أعباء الأزمة الاقتصادية في سوريا، في وقت لا تستطيع موسكو تقديم مساعدات لسوريا وإيران.
- يبدو أن الروس يعتقدون بأن تخفيف التوتر بين تركيا وسوريا سيدعم النظام اقتصادياً، من خلال تنشيط التبادل التجاري للشاحنات التركية والأوروبية الذاهبة إلى الأردن والخليج.
واعتبر الأسد أن المهم التنسيق المسبق بين سوريا وروسيا فهو الأساس قبل أي اجتماعات بخصوص المصالحة. وقال خلال لقائه مع لافرينتيف: “هذه اللقاءات حتى تكون مثمرة فإنّها يجب أن تُبنى على تنسيق وتخطيط مسبق بين سوريا وروسيا من أجل الوصول إلى الأهداف والنتائج الملموسة التي تريدها سوريا من هذه اللقاءات، انطلاقاً من الثوابت والمبادئ الوطنية للدولة والشعب المبنية على إنهاء الاحتلال ووقف دعم الإرهاب”.
المواقف العربية:
للأسف الشديد مازالت الدول العربية وحتى التي لها مصلحة مباشرة في مساعدة السوريين ودعم قواه الوطنية الديمقراطية الحقيقية، وليس هياكل المعارضة الفاشلة والمرتهنة، للخروج من الأزمة فإن مواقفهم ضعيفة وأحيانا سلبية. وبدلاً من دعم السوريين والتأثير على القوى الإقليمية والدولية لإيجاد حل عادل يؤدي إلى تغيير سياسي يلبي طموحات الشعب السوري المشروعة والعادلة وينهي الوجود الإيراني الخطير في سوريا، يقفون متفرجين أو يمارسون سياسات خاطئة مثل دعم قسد لأنها ضد تركيا، علماً أن قسد هي أحد أذرع النظام وإيران في سوريا.
وفات على العديد من الحكام العرب بأن سوريا هي خط الدفاع الثاني بوجه الخطر الصفوي الطائفي المقيت، بعد أن خسرنا الخط الأول وهو العراق الذي سلمته أمريكا لإيران على طبق من ذهب وحولت العراق إلى مزرعة للملالي الحاقدين المتخلفين الذين نهبوا نفط العراق وأفقروا أهله. وهناك خطر التمدد الإيراني في الأردن باتجاه الخليج.
فمتى يشعر العرب بالخطر الكبير الذي يقترب من حدودهم مع كل يحمله من أساليب تدميرية من نشر الميليشيات والمخدرات والقتل والطائفية والأمثلة ماثلة أمامنا.
وكانت زيارة ألكسندر لافرينتيف المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الأردن لافتة منذ أيام، حيث بحث خلالها ملف سوريا وكذلك مخاوف الأردن من تحشيد الميليشيات الإيرانية على حدودها الشمالية في منطقة درعا وكذلك اتساع نطاق تهريب الأسلحة والمخدرات إلى داخل الأردن، بإشراف مافيات تابعة للنظام السوري وإيران وحزب الله، عبر الحدود، ما ينذر بتطورات خطيرة تهدد أمن واستقرار الأردن. وتخشى الأردن على أمنها الوطني وتشتكي للروس من حملة تهريب المخدرات والأسلحة إلى أراضيها ومنها إلى دول الخليج العربي وخاصة المملكة العربية السعودية.
وبالرغم من تصريحات المسؤولين في الأردن على أهمية الدور الروسي في استقرار المنطقة الجنوبية في سوريا، وكذلك وجود علاقة شخصية قوية بين الرئيس بوتين والملك عبدالله، فإن المصالحات التي تمت بالقرب من حدود الأردن بين المعارضة والنظام بإشراف روسي، فشلت في إبعاد الميليشيات الإيرانية عشرات الكيلومترات، وتشهد المنطقة حالة توتر تتجسد في انعدام الأمن والاستقرار وتكرار الاغتيالات والاحتجاجات الشعبية والصراع شبه العلني بين المعارضة المسلحة ومخابرات الأسد. كما أن الأردن له موقف مرتبك من نظام الأسد فمرة نأى بنفسه ثم أطلق دعوة للتعايش مع الأسد كونه باقي، وبعد أن شعر بخطر النظام وحلفائه الإيرانيين وحزب الله وتجارة المخدرات والأسلحة، عبر الأردن عن قناعته بناء على معطيات مادية ملموسة أن نظام ميليشيا أسد لا يمكن إصلاحه، وأنه بات رهينة بشكل كامل بيد طهران.
وتدور أحاديث كثيرة حول موعد ومكان اللقاء وكذلك من سيحضره، حيث شهدنا زيارة لوزير الخارجية الإماراتي الشيخ/ عبد الله بن زايد إلى دمشق في 4 يناير الحالي وأكد على وحدة سوريا واستقرارها. وهذه هي الزيارة الثانية له إلى دمشق خلال السنوات الماضية، ويتوقع المراقبون أن الوزير الاماراتي بحث الملف السوري بعد تنسيق تركيا وربما روسيا أيضاً، وسعى لإقناع الأسد بالمشاركة في قمة قادمة، وقد يكون عرض عليه مساعدات في الإعمار في حال موافقته ولم نعلم شيئاً عن حقيقة نتائج الزيارة. وقد تكون الإمارات ترغب بعقد لقاء وزراء الخارجية الثلاثي في أبو ظبي. ومؤخراً سمعنا أن تركيا تريد عقد اللقاء في أنقرة بدلاً من موسكو وأي مكان آخر.
الدور الإيراني:
يبدو أن الاتصالات التركية – الروسية بخصوص المصالحة مع نظام الأسد، تجاوزت طهران واستبعدتها، ما دفع القيادة الإيرانية لاتخاذ جملة من الخطوات لتأكيد دورها وبأنها لاعب أساسي في الملف السوري:
- أعلنت طهران عن زيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى دمشق وتركيا.
- جرى اتصال بين الرئيس الإيراني ونظيره الروسي في 11 يناير الحالي، حيث أكد رئيسي لبوتين على ضرورة أن تتم كل اجتماعات المصالحة من خلال منصة أستانا بمشاركة تركيا وروسيا وإيران.
- سيزور وزير الخارجية الإيراني حسين عبد اللهيان موسكو يوم 17 يناير ويلتقي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف ليبحثا الملف السوري.
- وصف أحد المحللين السياسيين الدور الإيراني بقول شعبي معروف: “إما لعيب أو خريب” وتعني أنه إما أن تشارك إيران في اجتماعات المصالحة، وإما أنها ستعطل تلك المصالحة بين تركيا والنظام السوري.
- ولا ننسى أن العلاقات الروسية الإيرانية تطورت في السنة الماضية من خلال اتفاقات في مجال الطاقة وكذلك التعاون العسكري وتوريد المسيرات الإيرانية لروسيا.
استنتاج حول المصالحة التركية السورية:
- من الملاحظ أن تركيا حصلت على دفع قوي في مواقفها ونشاطاتها السياسية والدبلوماسية على ضوء دورها النشيط في أحداث أوكرانيا، وبعد المصالحات التي أجرتها أنقرة مع دول الخليج ومصر وحتى مع إسرائيل واليوم تريد إتمام المصالحات مع النظام السوري لتطبق قاعدة صفر مشاكل مع الجيران.
- ليست المرة الأولى التي تسعى فيها روسيا للانفراد مع تركيا في الاتفاق على خطوات في سوريا بدون إيران، علما أن روسيا وإيران وتركيا دول ضامنة في منصة أستانا، ولكن اليوم يجري الحديث عن خطوات سياسية مصيرية وهي التطبيع مع الأسد وربما البدء بعملية سياسية تؤثر سلباً على الوجود الإيراني في سوريا.
- يبدو أن روسيا لها مصلحة اقتصادية وجيوسياسية كبيرة في التطبيع بين أنقرة ودمشق وتحاول الضغط على الأسد لقبول المصالحة مع تركيا ولكنه محكوم بالضغط الإيراني الممانع للمصالحة، بالرغم من كل مساعدات روسيا للأسد.