إشكالية الهوية في سورية

img

يترسخ في الوعي العام تصورٌ واسع يرى الهوية بوصفها معطى ثابتاً يولد مع الإنسان، كسمة مكتملة لا تتبدل، وكأنها خاصية جاهزة تسبقه وتلازمه دون تغيير. في هذا التصور، لا تُفهم الهوية كمسار يُعاش أو كتجربة تُبنى عبر الزمن، بل كحقيقة نهائية تُكتشف أكثر مما تُصاغ، وتُحمل أكثر مما تتشكل. فهي، بهذا المعنى، شيء “نحن عليه”، لا شيء “نصبحه”، ومعطى يُفترض فيه الاستمرار، لا بنية تتعرض لإعادة التشكيل.

غير أن هذا الفهم، على شيوعه وقوته الظاهرية، يواجه مأزقاً تفسيرياً واضحاً عندما يُختبر في الواقع الاجتماعي. فهو يعجز عن تفسير ما نشهده من تحولات مستمرة في أشكال الانتماء، كما لا يقدّم تفسيراً مقنعاً للتباين المتكرر بين ما يعلنه الأفراد عن أنفسهم وبين ما يصدر عنهم من ممارسات فعلية. فإذا كانت الهوية ثابتة بالفعل، فكيف يمكن تفسير هذا التباعد بين القول والفعل؟ وكيف يمكن فهم هذا الانتقال—الهادئ أحياناً والحاد أحياناً أخرى—بين دوائر انتماء مختلفة؟ ولماذا يعيد الفرد ترتيب أولوياته وانحيازاته كلما تغيّر السياق الذي يتحرك ضمنه؟

وهذا التناقض ليس تفصيلاً عابراً، بل هو مدخل المشكلة كلها.

إن ما يبدو، في هذا الإطار، “هوية ثابتة”، ليس في حقيقته إلا اختزالاً لطبقة واحدة ضمن بنية أوسع وأكثر تعقيداً. فالإنسان لا يعيش داخل هوية واحدة مكتملة، بل داخل شبكة متعددة المستويات من الانتماءات، تتكوّن معه وتُعاد صياغتها باستمرار عبر تفاعله مع محيطه الاجتماعي والتاريخي. صحيح أن هناك انتماءات أولية تُعطى مع الولادة، لكنها لا تبقى معزولة ولا مكتفية بذاتها، بل تدخل منذ اللحظة الأولى في علاقة تفاعل مع انتماءات أخرى تُكتسب عبر التجربة، وتُعاد صياغتها عبر الزمن.

يبدأ هذا التشكّل من الانتماء العلائقي الأول داخل الأسرة الصغيرة، حيث يتكوّن الإحساس الأولي بالأمان والانتماء، ويتشكل الإدراك الأول للذات في علاقتها بالآخر القريب. ثم يمتد هذا الانتماء إلى العائلة بوصفها أول بنية منظمة للثقة والانحياز، حيث تتبلور أنماط أولية من الولاء والتضامن. ومع اتساع المجال، ينتقل الفرد إلى الحي أو المدينة، حيث يبدأ في إدراك موقعه داخل فضاء اجتماعي أوسع، لا تحكمه فقط روابط القرابة، بل أيضاً شبكات التفاعل والمصالح والرموز المشتركة.

ومع هذا الاتساع، لا تتوقف العملية، بل تتكاثر طبقات الانتماء تبعاً للبنية الاجتماعية والسياق الثقافي. تظهر انتماءات دينية أو طائفية تحمل منظومات رمزية ومعيارية خاصة، ويتشكل انتماء إلى جيل يحمل تجربة زمنية مشتركة وذاكرة جماعية مميزة، وتتكون انتماءات مرتبطة بالتعليم تعيد تشكيل أنماط التفكير والإدراك، ولا تقتصر على نقل المعرفة، بل تسهم في إعادة تنظيم العالم الذهني للفرد. ثم قد يتبلور انتماء فكري أو سياسي يعبّر عن تموضع أكثر وعياً داخل الحقل الاجتماعي، قبل أن يظهر الانتماء الوطني بوصفه إطاراً يُفترض أن ينتظم داخله هذا التعدد، ويعيد ربطه ضمن أفق أوسع. وفي مستويات أبعد، قد يتشكل انتماء إلى الإنسانية بوصفها أفقاً كونياً يتجاوز الحدود الضيقة.

غير أن هذه الانتماءات لا تتراكم على نحو خطي، ولا تستقر في مواقع ثابتة، بل تتحرك ضمن علاقة ديناميكية تتحدد بالسياق والاستخدام. فهي تتقدم وتتراجع، تقوى وتضعف، تبقى أو تنحسر، دون أن تختفي بشكل كامل. قد يظل انتماء ما في الخلفية لفترة طويلة، بوصفه مورداً كامناً، ثم يتقدم فجأة—تحت ضغط ظرف معين—ليصبح محدداً أساسياً للسلوك، في حين يتراجع انتماء آخر إلى مستوى ثانوي أو رمزي.

من هنا، لا يمكن فهم الهوية بوصفها مجموعاً ثابتاً لهذه الانتماءات، ولا بوصفها قائمة بما هو موجود منها، بل بوصفها عملية مستمرة من إعادة ترتيبها. فهي ليست ما نملكه من انتماءات بقدر ما هي الكيفية التي يُعاد عبرها تنظيم هذه الانتماءات في لحظة معينة. ليست قائمة على الحضور، بل على التقدّم والتراجع؛ على ما يتصدر المشهد منها وما ينسحب إلى الخلف.
هنا، لا تتحدد الهوية بما هو موجود، بل بما هو متقدّم.

بهذا المعنى، يمكن النظر إلى الهوية بوصفها نظاماً مفتوحاً يعيد إنتاج نفسه باستمرار: تكثيفاً مؤقتاً لمجموعة من الانتماءات ضمن ترتيب محدد، ثم إعادة تكيّف مع ترتيبات أخرى تبعاً لتحولات السياق. هي، إذاً، سيرورة لا حالة، وحركة لا تعريف نهائي، وبنية تتشكل بقدر ما تتعرض لإعادة التشكيل.

غير أن الإشكالية لا تكمن في هذا التعدد بحد ذاته، بل في اختلال العلاقة بين هذه الطبقات. ففي الحالة التي يمكن وصفها بالمستقرة نسبياً، تبقى الانتماءات في حالة تفاعل مستمر، بحيث لا تستفرد إحداها بالهيمنة الكاملة، بل تتحرك ضمن توازن يسمح بإعادة التشكّل دون انهيار البنية العامة. إلا أن هذا التوازن ليس معطى دائماً، بل هو نتاج شروط اجتماعية وسياسية محددة.

في ظروف معينة—كالأزمات، أو انهيار المؤسسات، أو تصاعد التهديدات—يمكن أن يحدث ما يمكن تسميته بـ“الإزاحة”، أي انتقال مركز الثقل الهوياتي من بنية متعددة المستويات إلى تموضع أحادي مهيمن. غير أن هذه الإزاحة لا تتحدد فقط بنوع الانتماء الذي يتقدم، بل أيضاً بالبنية الداخلية لهذا الانتماء، وبالكيفية التي يُعاد عبرها تسييسه وتفعيله ضمن سياق معين. إذ لا تتكافأ أنماط الانتماء المختلفة من حيث استعدادها للتفاعل مع التحولات أو قابليتها لإعادة التفاوض وإعادة التركيب.

فالانتماءات الدينية أو الطائفية مثلاً، بحكم تأسسها على منظومات اعتقادية تميل إلى تقديم نفسها بوصفها حاملة للحقيقة، لا تتعامل مع ذاتها كخيار ضمن خيارات، بل كمرجعية تسبق الخيارات نفسها، ما يجعلها أقل قابلية للتسوية عند الاحتكاك بغيرها، وأكثر ميلاً—عند توافر شروط صراعية—إلى إعادة تعريف العلاقة مع الآخر على أساس التمايز الحاد. وهذا لا يجعلها إقصائية بالضرورة، لكنه يمنحها قابلية أعلى للتحول إلى أنماط إقصائية مقارنة بغيرها.

أما الانتماءات العشائرية، فبقدر ما تقوم على رابطة النسب، فإنها لا تستند إلى معنى قابل للتعميم بقدر ما تستند إلى حدّ انتماء يُعاد إنتاجه بشكل مغلق، الأمر الذي يجعلها تنتج تضامناً داخلياً عالي الكثافة لكنه محدود الأفق. وفي غياب أطر أوسع تنظّم هذا التعدد، تميل هذه البنى إلى إعادة إنتاج نفسها كوحدات اصطفاف مغلقة، لا بوصفها مكونات ضمن بنية اجتماعية أكثر تركيباً.

ضمن هذا الإطار، لا يكون العامل الموضوعي وحده كافياً لتفسير تحولات الهوية، بل يتقاطع مع بنى ذاتية متفاوتة تحدد اتجاه الاستجابة، فتجعل بعض الانتماءات أكثر قابلية للانفتاح، وأخرى أكثر استعداداً للتحول إلى أنماط إقصائية عندما تتوفر الشروط التي تسمح بذلك.

وعندما تستفرد طبقة واحدة من طبقات الهوية بالهيمنة، لا يحدث مجرد ترجيح مؤقت داخل البنية، بل يعاد تنظيم البنية بأكملها. تتراجع الانتماءات الأخرى إلى الخلف، ويفقد الإطار الأوسع—كالانتماء الوطني—موقعه بوصفه مرجعية ناظمة، ليتحول إلى مستوى ثانوي أو رمزي. هنا، لا نكون أمام اختلاف في الانتماء، بل أمام تحول في بنية الهوية ذاتها: من نظام متعدد المستويات إلى بنية مختزلة، ومن فضاء مفتوح إلى دائرة مغلقة.

في هذه الحالة، لا تعود الهوية إطاراً ينظّم التعدد، بل تتحول إلى أداة لإعادة تفسير العالم من زاوية واحدة. تُختزل العلاقات الاجتماعية، ويُعاد تعريف الآخر بوصفه خارجاً عن الإطار، ويتراجع التعقيد لصالح نمط مبسط قائم على الفرز والإقصاء.

في الحالة السورية، لا يمكن النظر إلى هذه الديناميات بوصفها استثناءً، بل بوصفها نمطاً يتكرر ضمن شروط معينة.
ويمكن ملاحظة ذلك في التفاوت بين البيئات المختلفة داخل البلاد نفسها؛ ففي بعض المناطق، حيث تتوفر شبكات علاقات فاعلة ومراكز قرار—حتى إن كانت غير رسمية—يمكن للأفراد أن يتحركوا ضمن هوامش متعددة من الانتماء، وأن يعيدوا ترتيبها دون انقطاع كامل عن الإطار الأوسع، بينما في مناطق أخرى، حيث تغيب هذه الإمكانيات، يظهر الانغلاق بشكل أكثر حدّة، وتصبح الهوية أكثر عرضة للاختزال، لا بوصفه خياراً، بل كنتيجة مباشرة لغياب البدائل.

غير أن تفسير هذا النمط لا يكتمل دون إدخال بعدين متلازمين: الشروط البنيوية، ودور الفاعلين.

فمن جهة، تتحدد إمكانية “إدارة الهوية” بمدى توفر موارد ومؤسسات وشبكات تسمح بإبقاء الانتماءات المختلفة في حالة تفاعل، بحيث يُعاد ترتيبها دون أن تنهار البنية العامة. ومن جهة أخرى، يلعب الفاعلون – السياسيون والاجتماعيون – دوراً حاسماً في إعادة ترتيب هذه الانتماءات، سواء عبر توسيعها وربطها بإطار جامع، أو عبر تضييقها وتحويلها إلى أدوات تعبئة إقصائية. فهم لا يعملون خارج هذه البنية، بل يعيدون توجيهها.

من هنا، لا يكون الحديث عن تجاوز هذا الاختلال ممكناً دون إعادة بناء الشروط التي تنظّم العلاقة بين مستويات الانتماء المختلفة. ويأتي في مقدمة هذه الشروط وجود إطار جامع فعّال – يمكن توصيفه نظرياً بصيغة عقد اجتماعي – لا بوصفه نصاً معيارياً مجرداً، بل بوصفه منظومة مؤسساتية وتجربة معيشة، بل كشرط لعودة التوازن بين طبقات الانتماء وتشكيل الهوية الجامعة.

هذا الإطار لا يكتسب فاعليته من الإعلان عنه، بل من تجسّده في الواقع: في العدالة التي تُمارس، في الأمان الذي يُضمن، في الفرص التي تُتاح، وفي القدرة الفعلية للأفراد على الانتظام السياسي والمدني والتأثير في المجال العام. عندها فقط، يمكن للانتماء الأوسع أن يستعيد موقعه بوصفه مستوى ناظماً للتعدد، لا غطاءً شكلياً له.

وهنا، تعود الإزاحة لتعمل بكامل قوتها حين تغيب هذه الشروط.

في غياب هذه الشروط، تبقى الهوية عرضة للإزاحة، ويظل التعدد مهدداً بالاختزال. ولا تكون المشكلة، في هذه الحالة، في تعدد الانتماءات، بل في اللحظة التي يُعاد فيها تنظيمها ضمن بنية أحادية مغلقة. في تلك اللحظة تحديداً، تتحول الهوية من إطار ينظّم الحياة… إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام ذاته.


الكاتب ماهر سليمان العيسى

ماهر سليمان العيسى

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة