الأزمة السورية المستمرة
إن حل الازمة السورية، يُفترض أن يمر عبر القرار 2254 الصادر بإجماع أعضاء مجلس الأمن بتاريخ 2015/12/18، والذي يرسم خارطة طريق، جوهرها تشكيل هيئة حكم انتقالي، إضافة إلى بنود أخرى ترسم ملامح الحل السياسي المنتظر للأزمة السورية، وبالرغم من أن روسيا واحدة من الدول التي وقعت القرار، إلا أنها أرادت أن تلحس توقيعها، فبعيد التوقيع وتحديداً في 2016/12/20، دعت إلى اجتماع في موسكو ضم إليها إيران وتركيا، وقرروا عقد اجتماع أستانا الأول الذي انتظم عقده في العاصمة الكازاخية في كانون ثاني 2017 بإضافة بعض أطراف المعارضة السورية ووفد من النظام برئاسة السفير أيمن سوسان، والغاية منه تحويل خط الحل مكانياً ونوعياً، من جنيف وحلها الأممي، إلى أستانا وأطرافها المذكورة، ولإسباغ شرعية مزعومة على هذا الحل قدمت روسيا منصة سوتشي 2019 التي حشدت لها تمثيلاً شعبوياً أمنياً ونقابياً من اختراعات النظام ورعاته. وكلا المنصتين هدفهما كما أسلفت تقديم حل أمني بلبوس سياسي عبر نقل مكان وآليات الحل من جنيف إلى أستانا.
ما جرى يوم الأربعاء 2022/12/28 في موسكو من اجتماع لوزراء دفاع وقادة أمنيين لتركيا وسوريا برعاية روسية في إطار إيجاد حل للأزمة السورية، لا يعدو كونه استمراراً للسياسات الروسية السابقة في تقديم حل أمني عسكري لا يرقى إلى مستوى الحل السياسي الذي رسمت ملامحه الأمم المتحدة بالقرار 2254، مؤكدة دورها البازغ في إدارة أزمات العالم والمشاركة في اقتسام ريعها بعد أن صارت روسيا دولة رأسمالية، مستغلة ومتناغمة مع المصالح المركبة للدول المتدخلة بالوحل السوري، وساعية لتكريس نفسها كدولة عظمى في مقاسمة الولايات المتحدة الدور والنفوذ في الشرق الأوسط غافلة عن كون الولايات المتحدة باستراتيجيتها الجديدة لإدارة العالم تعتمد على الانسحاب المباشر من أماكن وجودها لصالح إدارة الحروب عن بعد واستخدام الوكلاء المحليين أو الإقليميين في رعاية مصالحها، معتمدة في ذلك على قوة عسكرية واقتصادية وعلمية تمنحها قدرات هائلة على التدخل المباشر عندما تقتضي الحاجة وتتهدد تلك المصالح جدياً. ولا يسرني أن أقول بأنه لن تستطيع قوة في هذا العالم أن تمرر اتفاقاً، وتؤمن سيرورة استقراره دون موافقة أمريكا، وليس أدل على ذلك من اتفاق دايتون الذي أنهى الحرب الأهلية في البوسنة والهرسك بين الصرب والمسلمين التي استمرت ثلاث سنوات 1992-1995، رغم محاولات أوروبا الحثيثة لإيجاد حل، حتى شاءت أمريكا وجمعت الأطراف المتقاتلة في دايتون الأمريكية عام 1995 ووضعت بصمتها على الحل الذي عجزت عنه أوروبا. وعلى ذلك فإن كل هذا السعي الروسي، لن يأتي أكله إذا لم ترغب أمريكا بذلك، ولا يسعني إلا أن أردد عبارة لا أحبها أيضاً: “إذا أرادت أمريكا أراد الله”.