تغيير المحافظين في مناطق الاحتجاجات في إيران… النظام يكشر عن أنيابه
إسطنبول – أحمد دغاغله
النهار العربي: 2032/1/8
تشهد إيران في هذه الأيام، موجة من استبدال المحافظين تتركز في المحافظات التي توسعت فيها الاحتجاجات ضد النظام. التغيير الأول كان من نصيب كرمانشاه وهي إحدى أهمّ المحافظات الكرديّة في إيران، أما التبديل الثاني، فشهدته الأحواز، فيما وقع خيار التبديل الثالث على محافظة بلوشستان. التغييرات المتتاليّة التي تستهدف قيادات إدارة محافظات للشعوب غير الفارسية، حملت في طياتها دلالات خطيرة لا سيما في ضوء ما يشهده البلد في هذه الأيّام من انخفاض نسبي في وتيرة الاحتجاجات الشعبيّة.
وكشفت الاحتجاجات التي شهدتها إيران على مدار الشهور الماضيّة عن فشل ذريع في أداء وزارة الداخلية وربما نتيجة ذلك سارع النظام في فترة التقاط الأنفاس والتحسب لاندلاع موجة ثانية من الاحتجاجات للإتيان بوجوه عسكريّة وأمنيّة لإدارة مناطق يستشعر فيها أعلى درجات الخطر بسبب وجود شعوب غير فارسية فيها أو لما تحتويه هذه المحافظات من ثروات طاقويّة يعتبرها النظام شريان حياته الرئيسي وورقته الأهم في ما تبقى من علاقاته مع العالم.
ولمعرفة حيثيات هذه التغييرات، أسبابها ومآلاتها التقى “النهار العربي” باعلاميين ونشطاء سياسيين من شعوب هذه المحافظات.
مبادرات احترازية
الناشط السياسي الأحوازي رمضان نواصري، قارن في حديث لـ”النّهار العربي”، التغييرات مع ما حصل بعد الثورة الخضراء عام 2007 عندما بادر النظام إلى اتخاذ مجموعة من القرارات على مستوى مديري هذه المحافظات الثلاث. وقال: “على سبيل المثال قام النظام في بلوشستان بتسميّة أئمة مساجد ليوم الجمعة من أهل السنّة، وهم في الوقت نفسه مقربون من النظام ليحتوي بذلك الحراك المجتمعي البلوشي. لكن بعد اغتيال منفذ المشروع اللواء نور علي شوشتري تعثّر هذا المسار”. كذلك حاول النظام حينذاك احتواء حراك الأحوازيين والتحكّم فيه من خلال العزف على نغمة التطرّف الطائفي، وتدشين مشاريع ثقافيّة كبيرة تحت عنوان “الأحواز بوابة التشيّع” لكنّها هي الأخرى لم تنل القبول في الشارع الأحوازي.
أمّا في الأحواز، فكانت التغييرات أكثر خطورة، لا سيما أنّ المحافظ الجديد للأحواز والذي يدعى علي أكبر محراب هو المساعد الاقتصادي السابق لوزير الاستخبارات، إذ إن هذه المحافظة مجاورة للعراق الذي يشكل الحديقة الخلفية للنظام ويستخدمها لشؤون كثيرة منها الالتفاف على العقوبات. فمن بنوك العراق كان يتم ضخ كميّة كبيرة من الدولارات إلى إيران لكنّ قرار وزارة الخزانة الأميركية المعنّون بـ”ضرورة الحفاظ على ممتلكات العراق” والصادر قبل بضعة أسابيع حدّ بنسبة كبيرة من تدفّق الدولارات إلى إيران، لكن استعداداً للمزيد من العقوبات الأميركيّة المتوقعة ولتوخي الحذر من احتجاجات شعبيّة قد تندلع في أي وقت مجدداً عيّن النظام محافظاً يتمتع بمؤهلات أمنيّة واقتصاديّة.
وأوضح نواصري “أنّ تسارع الأحداث الداخلية والخارجية زاد من حساسيّة إيران على إحدى أهم منافذها البحرية”. فالموانئ الأحوازية هي طريق تواصل هذا البلد مع عدد من دول الخليج العربي الداعمة للنظام في التفافه على العقوبات، “وإذا انضمت الأحواز إلى الاحتجاجات المحتملة المقبلة وإذا ما خرج الأمر عن السيطرة في هذه المحافظة يمكننا أن نتوقع انسداداً في أهم متنفسات النظام وانهياراً اقتصادياً ليس في الحسبان. ولذلك إنّ التغييرات التي قررتها طهران هي استباقيّة لأحداث جسيمة ومحتملة توجب على النظام تدارك أخطارها بكثير من الدقّة والاهتمام”.
سقوط النقاب
مدير حملة نشطاء البلوش الحقوقيّة عبدالله عارف، يرى “أنّه منذ سنوات و”الحرس الثوري” الإيراني هو الحاكم الفعلي في بلوشستان، أي منذ 2014، وهو العام الذي أسند فيه النظام مهمة حماية حدود جنوب شرقي إيران لمقر “فيلق القدس التابع لـ”الحرس الثوري”. ومنذ ذلك الحين وضع “الحرس الثوري” يده على مناجم بلوشستان وبادر إلى تدشين موانئ غير “مسجلة للتصدير والاستيراد ولإرسال امدادات عسكرية للميليشيات المسلّحة في اليمن وغيرها من دول المنطقة. ومن ناحية أخرى قام “الحرس الثوري” بتأسيس “الباسيج العشائري” لضرب النسيج القومي البلوشي، واشعال الفتن والاقتتال الداخلي بين القبائل البلوشيّة، والقيام بعمليات اغتيال النخب والنشطاء من البلوش”.
وأضاف عارف لـ”النهار العربي”: “على الرغم من أنّ “الحرس الثوري” كان فعلاً ينفذ مخططاته تحت غطاء الحاكم المدني في بلوشستان، إلا أن الانتفاضة الأخيرة تسبّبت بتغيير قواعد اللعبة، فدخول شعب البلوش على خط الانتفاضة واستمراره بالرغم من شدة القمع جعلا “الحرس الثوري” يخلع نقاب المدنيّة ويعيّن الجنرال محمّد كرمي قائد مقر القدس التابع لـ”الحرس الثوري” كمحافظ لبلوشستان، واللافت أنّ كرمي وهو أبرز المتهمين في مقتل أكثر من 90 مدنياً بلوشياً في مجزرة مدينة دزاب (زاهدان) والتي أعقبت صلاة الجمعة في 30 أيلول (سبتمبر) 2022″.
يقول عارف “إنّ النظام من خلال التغيرات الأخيرة في رأس إدارة عدد من المحافظات أزاح الستار عن سياسته المستقبليّة في التعامل مع الشعوب غير الفارسية ومنها الشعب البلوشي، وحسم طريقة تعامله مع هؤلاء المضطهدين. فقادة النظام في طهران يهدفون من وراء تعيين حاكم عسكري إلى إيصال رسالة للجميع، مفادها، أنّ لا وجود لآذان صاغية لمطالب المحتجين، وأنّ القادم هو عبارة عن قمع الاحتجاجات وخنق الأصوات المعارضة، وبسط سيطرة “الحرس الثوري” على كل المناطق التي تتطلّع شعوبها إلى الحرية”.
موعد مع ثورة الجياع
الناشط السياسي محمّد حطاب قال في حديث لـ”النهار العربي: إن “البطالة والتضخم والغلاء والجفاف في عموم جغرافيا إيران والشحّ الكبير المتوقّع للمياه في الصيف المقبل، كلّها عوامل تدقّ أجراس الخطر للنظام عن جولة أخرى من الاحتجاجات يكون فيها الجياع من العمال والمزارعين والعاطلين من العمل في المقدّمة، لا سيما أنّ آخر ما تبقّى من الأواصر بين النظام والشعب بكلّ طبقاته تحطّم بفعل سوء أداء النظام وكشف زيف ادعاءاته، وعليه قد تكون الجولة الثانيّة من الاحتجاجات مواجهة محتدمة ومكشوفة يخشاها النظام كثيراً فأصبح يكشّر عن أنيابه ويلوّح بمخالبه بغية التخويف واستعداداً للطارئ الجديد”.
ويرى حطّاب “أن تكرار تجربة انتفاضة 2019 والتي عرفت بانتفاضة الوقود هو ما يخشاه النظام، ففي تلك الانتفاضة شاركت المحافظات الحدوديّة لا سيما الأحواز منها بنسبة كبيرة، إذ سقط في المدن الأحوازية ما يقرب من 60 في المئة من ضحايا تلك الانتفاضة، وكذلك قد تنهمر سيول الاحتجاجات ثانية لا سيما إذا ما اجتمعت الاعتراضات الحاليّة على رفض تقييد الحريّات بصرخات الجياع المتوقعة، وهذا ما يدفع النظام إلى استنفار جميع أجنحته الأمنيّة. وعلى ذلك أتى النظام بمن يتمكّن من الجمع والتنسيق بين أهمّ أجهزته الأمنية، وهما “الحرس الثوري” ووزارة الاستخبارات، وإنّها سمة يشترك فيها كلّ من المحافظين الجدد والذين نجد في تاريخهم سوابق مخابراتيّة وعسكريّة في الوقت نفسه”.