بماذا يريد “العونيون” الاحتفال يوم خروج “جنرالهم” من القصر الجمهوريّ؟!

img

25 تشرين الأول 2022 (النهار العربي)
كان يجدر برئيس الجمهوريّة ميشال عون أن يمنع تيّاره السياسي من تنظيم مهرجان حزبي، بمناسبة انتهاء ولايته الرئاسيّة، يوم الأحد المقبل، بدل أن يشجّع عليه.
هذا الواجب الذي أحجم عون عن القيام به، تمليه الظروف والمعطيات الكارثيّة التي تمر بها البلاد ويعاني منها العباد، إذ إنّه يترك منصبه فيما تدهورت الأحوال عمّا كانت عليه يوم حلوله فيه، وهو يرفع شعاراته الرنّانة ويقدّم وعوده الورديّة ويستعرض قواه الخارقة.
كان على رئيس الجمهوريّة، والمؤشرات الماليّة والاقتصادية والاجتماعية والمعيشيّة والبيئيّة والصحيّة والتربويّة والسياسيّة والديموغرافيّة، قد وصلت إلى ما وصلت إليه من مأساويّة، أن يعتذر من شعبه عن عجزه ليس عن الوفاء بوعوده فحسب، بل عن فشله في المحافظة على الأوضاع على ما كانت عليه، قبل ست سنوات، أيضًا.
قد لا يكون عون المسؤول الوحيد عمّا آلت إليه الأمور، ولكنّه لم يُظهر لعموم اللبنانيّين، أقلّه منذ “جلوسه على العرش”، أنّه يُقدّم المصلحة العامة على المصلحة العائليّة والحزبيّة، وأنّه يُراعي في توجّهاته ما تفرضه المعطيات الماليّة والاقتصادية والاجتماعية، بدل الاستخفاف بكل ذلك، من أجل الوصول الى مطالبه الضيّقة، وأنّه يقف فعلًا ضدّ “أكلة الجبنة”، بدل أن يزاحمهم على الحصّة التي يشتهيها.
ولم يُظهر عون، يومًا من أيّام ولايته الرئاسيّة التي امتدت على مدى ستّ سنوات، أنّه مستعد، من أجل الضغط على القوى التي يتّهمها بعرقلته، للاستقالة من منصبه والعودة الى حيث قال قبل أيّام قليلة لوفد نسائي برئاسة ابنته السيّدة كلودين، إنّه يكون فيه أقوى ممّا هو عليه في القصر الجمهوريّ.
كان عليه، وهو يراقب الكارثة التي حلّت على اللبنانيّين، أن يترك “موقع العجز” ويتوجّه إلى “موقع القوّة”.
لو فعل عون ذلك، لاستحقّ المهرجان الشعبي الذي كان ليحصل بطريقة عفويّة، من دون أن يحتاج “التيّار الوطنيّ الحر” إلى إنفاق ثروة يحتاجها فقراء لبنان بإلحاح في هذه الأيّام الجهنّمية، على التنظيم والتحشيد.
لكنّ عون بدل ذلك، تمسّك أكثر بالسلطة. وبعدما عانى كثيرًا ليطرد الأفكار التي راودته للبقاء فيها ولو غصبًا عن الدستور، وضع ثقله ليستمر بها من خلال محاولة التحكّم بحكومة عليها أن تواكب مرحلة الشغور الرئاسي الذي لا يمكن تبرئته من حصوله، كما يستحيل تبرئته من الشغور الرئاسي السابق.
يستطيع “التيّار الوطنيّ الحر” حشد مناصريه، لتلبيس خروج الرئيس عون من القصر الجمهوريّ أزياء المهرجانات الشعبيّة، ولكنّه لا يستطيع أن يمنع عموم اللبنانيّين من اعتبار ذلك إهانة لهم ولذكائهم واستخفافًا بوجعهم وآلامهم واحتقارًا لمفهوم الإنجاز والنجاح والتقدّم.
ويستطيع عون أن يتلهّى بالأرقام المضخّمة التي سوف يتلقّاها عن عدد مؤيّديه، ولكنّه سوف يكون أعجز من أن يحجب عن العالم مدى الارتياح الشعبي اللبناني لخروجه من القصر الجمهوريّ.
وبالفعل، ليس بمثل هذه الاستعراضات المعلّبة يتمّ تجنيب المسؤول لعنة التاريخ، بل بمراجعة نقدية لكلّ ما حصل، لأنّه بذلك يمكنه أن يقدّم خدمة كبيرة لمستقبل الوطن ومصالح أجياله المقبلة.
إنّ صلاحيات رئيس الجمهوريّة لم تكن، يومًا مفاجأة لعون، ومع ذلك كان يزعم، عندما فرض نفسه، بمعونة “حزب الله” مرشّحًا وحيدًا واستدعى القوى الناخبة الأخرى إلى صفقات وتفاهمات تحاصصيّة، أنّه قادر على اجتراح المعجزات لأنّه صنديد وعبقري ومبدع.
ولذلك، قد يجد عون من يرغب بتصديق شعار “ما خلّوني”، ولكنّه يُدرك أنّ هذا الشعار فاسد، فهو، في المرحلة التي امتدّت من انتخابه في الحادي والثلاثين من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2016 إلى السابع عشر من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2019 فعل كلّ ما أراده، لأنّه كان يرأس سلطة لا تواجهها معارضة وازنة، وكان الجميع، من دون استثناء، ينزل عند رغبته، بغض النظر عن المآخذ عليها، ولكنّه، بدل أن يستغلّ هذه المساحة، من أجل الإصلاح، صبّ جهده على تنصيب الأقارب والأنسباء والأزلام في أرفع المواقع وأكثرها ربحًا، وبكّر في استرضاء الأقوياء من أجل تأمين استمراريته السلطويّة، وتنازل ل”حزب الله” عن صلاحياته السياديّة، مما جرّ على البلاد ويلات المقاطعة العربيّة والضغوط الدوليّة وتداعيات هروب الاستثمارات وكوارث هجرة رؤوس المال، ومآسي حجب القروض والهبات والمساعدات.
لم يتآمر أحد على عون، خلال رئاسته، بل هو صاغ المؤامرة على نفسه، عندما قدّم كل الأدلّة على أنّه لا يأبه إلّا بمصلحته وبمكتسبات حزبه وبطانته، وعندما جعل من صهره جبران باسيل، صاحب المقاربات الاستفزازية، رجل العهد الأوّل.

أراد عون كلّ شيء لنفسه، فخسّر اللبنانيين كلّ ما يملكون. ظنّ أنّه يتسوّق في سوبرماركت فإذا به “يقامر” بما أخذه من أمانات في “كازينو”.
كما في الثالث عشر من تشرين الأوّل/ أكتوبر 1990 كذلك في الحادي والثلاثين من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2022، يرفض عون استخلاص الدروس، لما فيه خيره وخير اللبنانيّين، وينكب على التفتيش عن “كبش محرقة” ليلقي عليه تبعات ما ارتكبه، ويقدّم نفسه كما لو كان مجرّد ضحيّة.
قد لا يعرف عون، ولكنّ كثيرين يعرفون أنّ المسؤول الذي يتمسّك بمنصبه حتى اللحظة الأخيرة، يتحمّل تبعة كلّ ما يحصل.
ولا يحق لعون، ولو أنّه يملك القدرة، أن يحوّل يوم خروجه من القصر الجمهوريّ، في ظلّ النتائج الكارثيّة التي انتهى إليها عهده، إلى يوم احتفال بما يتوهّم أنّه إنجازاته العظيمة.
وإذا كان البعض يراهن على التمجيد ببعض المشاريع وباتفاق ترسيم الحدود البحريّة مع إسرائيل، وبغض النظر عن أنّ كثيرين في لبنان يعتبرونه بعد التخلّي عن النقطة 29 انتكاسة وطنيّة وسياديّة كبرى، فإنّ القول العالمي الشائع يشير إلى أنّه “حتى الساعة المكسورة تصدق مرّتين في اليوم والواحد”.


الكاتب فارس خشّان

فارس خشّان

كاتب وصحافي لبناني

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة