سيناريوات ما بعد تحرك القطار النووي الروسي باتّجاه الحدود مع أوكرانيا

img

برلين- شادي العاكوم
النهار العربي: 2022/10/6
جاءت أوامر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتحريك قطار عسكري ينقل وحدة نووية روسية خاصة نحو خط المواجهة مع أوكرانيا، لتعيد إلى الأذهان التهديدات غير المباشرة التي أطلقها زعيم الكرملين منذ بداية الحرب. يأتي ذلك، على وقع الخسائر التي يتكبدها الجيش الروسي في ساحات القتال والاحتجاجات التي تطل برأسها في الداخل الروسي، والهروب الجماعي للشباب مع إعلانه التعبئة العسكرية الجزئية. فما هي تداعيات هذا التطور المفصلي مع التبدل في جوهر التهديد والمسار المخيب للآمال للحرب بالنسبة إلى روسيا، وما هي سيناريوات “الخطر الحقيقي” على الغرب الرافض للابتزاز بالسلاح النووي، والعازم على عدم التخلي عن التزاماته تجاه أوكرانيا؟
أمام المؤشرات المتزايدة إلى أن بوتين قد يكسر المحرمات النووية، اعتبر الخبير في العلاقات الدولية وشؤون الأمن في أوروبا الشرقية غيرهارد مانغوت، في مقابلة مع شبكة “ايه ار دي” الإخبارية الثلاثاء، أن التأثير الرادع الذي وعد به بوتين نفسه، على الأقل في بداية الحرب، حتى لا يتورط الغرب في الصراع، لم يتحقق، مشيراً إلى أن “روسيا تمر بمرحلة من الهزائم المستمرة والنكسات العسكرية، بحيث بينت الأسابيع الأخيرة من الحرب أنها عاجزة عن مواجهة القوات العسكرية الأوكرانية التي تستعيد مناطق في جنوب البلاد وشرقها”، لافتاً في الوقت عينه إلى أن التهديدات النووية تكتسب نوعاً جديداً، لا سيما أنه يتم إطلاقها في وقت تبدو فيه الهزيمة في الحرب أكثر احتمالاً، والناس في روسيا، وحتى بين النخبة السياسية، باتوا يفكرون في إمكان خسارة هذه الحرب”.
وعن الأسلحة النووية التي يمكن استخدامها مع تحريك القطار التابع للمديرية الثانية عشرة في وزارة الدفاع الروسية، والمسؤولة عن الذخيرة النووية والتخزين والصيانة، أوضح مانغوت أن عدد الأسلحة النووية التكتيكية الروسية الموجودة والقابلة للتطوير ولها تأثير تفجيري، بين 2000 و2200، وتحمل بين كيلو طن واحد إلى عشرة كيلوطن من مادة تي أن تي، مشيراً كذلك إلى أنه “يمكن للجيش الروسي أن يبدأ بقوة تفجيرية منخفضة، واعتماد روسيا سلاحاً نووياً شبه استراتيجي بعشرة كيلوطن في هذه الحرب ممكن، وهذا ما سيتسبب بدمار كبير، وكل ذلك يعتمد أيضاً على موقع التفجير”.
ومن المعلوم، أنه يجب التمييز بين القنابل الذرية والقنابل الهيدروجينية، كما الرؤوس الحربية الإستراتيجية والتكتيكية التي يختلف الغرض من استخدامها، وقبل كل شيء من قوتها التفجيرية. وقد أبلغت الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي بتحرك الغواصة النووية الروسية “بيلغورود” من البحر الأبيض المتوسط شمالاً.
وعن السيناريوات المفترضة للاستخدام المتعمد للأسلحة النووية، قال مانغوت، “في الوقت الحالي، التهديدات النووية الروسية مدفوعة بالرغبة في زعزعة الاستقرار في الغرب، وتهدف على وجه الخصوص إلى إضعاف الدعم لعمليات تسليم الأسلحة لأوكرانيا، والضغط على الأخيرة للموافقة على وقف إطلاق النار، ولجعل دول حلف الناتو تدرك مخاطر التصعيد والشروع في عملية تفكير، في ما الذي نرغب في المخاطرة به من أجل انتصار أوكرانيا على روسيا؟”.
إلى ذلك، لفت مانغوت إلى أنه إذا ما فشل مثل هذا التهديد وغاب تأثيره الرادع ولم تتوقف الهجمات الأوكرانية، عندها يمكن توقع اختبار للسلاح النووي التكتيكي، وهذا ما سيشكل انتهاكاً لمعاهدة الحظر الشامل لعام 1996 والتي صادقت عليها روسيا، لافتاً إلى احتمال أن يكون تفجيراً في البحر الأسود أو في الهواء فوق البحر المذكور، وذلك بهدف إرسال إشارة أوضح إلى أوكرانيا والغرب: وقف الأعمال العسكرية والدعم الآن أو سيكون هناك استخدام مكثف للأسلحة النووية، ومرجحاً عدم حصول ذلك على خط المواجهة، لأنه يعرّض القوات الروسية للخطر ولا يمكن أن يحقق لموسكو مكاسب عسكرية واضحة، بل في غرب أوكرانيا أو على العاصمة كييف، وبالطبع ستستهدف مراكز القيادة أو الوحدات الأوكرانية، وستتوسع ساحات المعارك العسكرية، وسنكون أمام عمليات إبادة متبادلة.
وعن الخيارات المتاحة أمام الغرب في حال التصعيد ورد فعل الأخير على ذلك، تفيد التحليلات بأنه كان يجب على الدول الغربية أن توجه منذ فترة طويلة رسالة نووية إلى روسيا، إلا أن ذلك لم يتحقق، وكانت هناك إشارات عامة وخاصة للقيادة الروسية حول عواقب استخدام الأسلحة النووية التكتيكية، تتراوح بين العقوبات مع العزلة الاقتصادية الكاملة للبلاد، وقطع كل العلاقات التجارية معها، وصولاً إلى التهديد باستخدام الأسلحة التقليدية لتدمير أهداف روسية في أوكرانيا، أو هجمات على أسطولها في البحر الأسود. هذا يعني قانوناً دخول الناتو في الحرب إلى جانب أوكرانيا ضد روسيا.

وفي رأي مانغوت أنه “وبمجرد نشر الأسلحة النووية، لا يملك أي من الطرفين ضمان السيطرة على التصعيد، وسيؤثر ذلك في بعض الحكومات الغربية، وستكون أخرى عالقة في معضلة رفضها الابتزاز والدعوة إلى المقاومة، وإلا فإن أي دولة مسلحة نووياً يمكنها السيطرة على أراضي دولة أخرى. وفي السياق، رفضت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا باربوك، أمس الثلاثاء، بعد مشاورات مع نظيرها البولندي في وارسو، أي محاولات ابتزاز من الرئيس الروسي وتهديده باستخدام النووي، لافتة إلى أن برلين ووارسو ستواصلان دعم حق أوكرانيا في الدفاع عن أراضيها.
وعن الخطر الحقيقي لاستخدام روسيا السلاح النووي إذا ما تكبدت هزائم عسكرية فادحة، لفت الخبير مانغوت إلى أنه ليس هناك معلومات دقيقة عن كيفيه اتخاذ قرار بشأن استخدام الأسلحة النووية الاستراتيجية أو التكتيكية هناك، رغم أن بوتين هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وقد يعود القرار إلى الحلقة الضيقة المقربة منه أيضاً، وهو المهووس بضرورة الانتصار في هذه الحرب المستمرة منذ شباط (فبراير) الماضي، مشدداً في الوقت نفسه عن أن المخاطر والمقاومة الداخلية التي يتعرض لها بوتين هائلة وضد مثل هذا التصعيد، وقد يكون الداعمون غير المباشرين لروسيا كالصين والهند وعدد من الدول الأفريقية أو أميركا اللاتينية أو جنوب شرقي آسيا ضد هذا النهج، وسيدينون تلك الأعمال بوضوح.


الكاتب هيئة التحرير

هيئة التحرير

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة