بوتين تحت الضغط
افتتاحية صحيفة
“نيزافيسمايا غازيتا” الروسية يوم الإثنين 19 سبتمبر
قلق الهند والصين، وكذلك الانتقادات من المتطرفين الداخليين تزيد من رهان روسيا على العملية الخاصة في أوكرانيا.
يتزايد الضغط على فلاديمير بوتين. سبعة أشهر من ضغط العقوبات والضغط السياسي الخارجي من الغرب اُستُكملت بمصادر ضغط جديدة ولاعبين جديد. وهكذا في سمرقند، خلال قمة قادة منظمة شنغهاي للتعاون، اضطر الرئيس الروسي للاعتراف بقلق قادة الصين والهند بخصوص العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا. وإذا كان شي جين بينغ (الزعيم الصيني) قد تحفظ في التعبير علانية عن “مخاوفه”، فإن مودي (رئيس الوزراء الهندي) صرح بأن “العصر الحالية ليس عصر الحروب”. رداً على ذلك اعترف بوتين أنه ناقش مع مودي الوضع في أوكرانيا، وقال له: “”أنا أعرف موقفكم من الصراع في أوكرانيا، والمخاوف التي تعبرون عنها دائما. نحن سنفعل كل شيء من أجل إنهاء كل هذا في أسرع وقت ممكن. لكن للأسف القيادة الأوكرانية أعلنت رفضها عملية المفاوضات، وصرحت بأنها تريد تحقيق أهدافها بالطرق العسكرية على أرض الميدان كما يقولون. لكن مع ذلك سنضعكم دوماً في صورة ما يجري”.
على خلفية “إعادة تجميع القوات” بالقرب من خاركوف (تعبير منمق وُلدة في خطاب الخدمة الصحفية لوزارة الدفاع الروسية)، أطلق مدونو التلغرام الروس مطالب متطرفة. أخذوا يتهمون وزارة الدفاع وقيادة الأركان بكل الذنوب، ويطالبون القائدة العام للجيش والقوات المسلحة بعمليات حازمة على جبهات العملية العسكرية الخاصة، داعين إلى “عدم التراجع” بأي حال من الأحوال. وفي هذا الوقت، على الفور بدأ جزء آخر من الوطنيين الشوفينيون يطالبون الرئيس بإعلان التعبئة العامة، وتجنيد مليون شخص.
قاديروف (رئيس الشيشان في روسيا) اقترح على قادة الأقاليم الروسية، أن لا ينتظروا التعبئة العامة أساساً، وأن ينظموا تعبئة ذاتية (في الأقاليم)، وأن يرسلوا كل منهم ألف شخص للمشاركة في العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا. أعلن قادة سبعة من الكيانات الاتحادية الروسية على الأقل عن دعمهم لاقتراح الرئيس الشيشاني. محافظ مقاطعة كورسك رومان ستارفويت صرح بأنه قد أرسل 800 متطوع، ورئيس القرم سيرغي أكسيونوف أعلن عن إرسال 1200 متطوع، يشاركون في العملية العسكرية الخاصة، وأكد استعداده تجميع كتيبتين إضافيتين.
وأثار الكثير من الصخب الإعلامي، مقطع الفيديو الذي يظهر فيه شخص يلقي كلمة أمام السجناء، يروج ويدعو للذهاب إلى الجبهة (في أوكرانيا).
بعد سبعة أشهر منذ بداية العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، وجد بوتين نفسه في موقف تتطلب منه أن يتخذ قرارات مبدئية تتعلق من جانب أول بالوضع الدولي والاقتصادي الخارجي لروسيا، ومن جانب آخر الاستجابة لتحديات ذات طبيعة سياسية، تعكس بما في ذلك تناقضات ذات طبيعة سياسية داخل النخب.
إن تشكيل كتائب إقليمية كتعويض عن التجنيد الشامل في عموم روسيا، ينطوي على مخاطر تحولات سياسية جذرية ومواجهات في المستقبل.
الوحدات القتالية التابعة لوزارة الدفاع، الحرس الوطني، قاديروف (في إشارة إلى الكتائب التي شكلها – المترجم)، بريغوجين (في إشارة إلى مقاتلي مؤسسة فاغنير العسكرية التي يملكها –المترجم)، 85 كياناً فيدرالياً، هيئة الأمن الفيدرالية، وزارة الداخلية – في حال ضعف السلطة المركزية في البلاد، جميعها تشكل إمكانات للمواجهات بين المؤسسات والمواجهات الأهلية.
بالطبع يدرك فلاديمير بوتين بوضوح هذه المخاطر. لن يتجاهلها وهو الموجود منذ فترة طويلة في السلطة. الشعب الذي لديه سلاح يثير دوماً قلق السلطات. وفي سياق التعبير عن هذا يضع المراقبون منح حق التحكم بتداول السلاح لمؤسسة الحرس الوطني التي يرأسها فيكتور زولوتوف المخلص لبوتين.
في غضون ذلك أرسل بوتين إشارات لمنتقدي وزارة الدفاع وقيادة الأركان، حين صرح من سمرقند أن “خطة العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا غير قابلة للتعديل”، وأن “قيادة الأركان تتخذ قرارات عملياتية، على ضوء سير العمليات”.
نشهد اليوم تجسيداً لواحدة من أهم السمات السياسية لشخصية بوتين. ألا وهي اعتماده نهجاً محافظاً في سياسة التعامل مع الكوادر من كبار المسؤولين هذه هي السمة التي تميزه عن أسلافه، وتشكل أساساً للزملاء لعدم البحث عن رعاة آخرين.
لا شك بأن هذه السياسة في التعامل مع الكوادر أمر جيد، لاسيما في مرحلة النمو والصعود. لكن الأمر يختلف في مرحلة الهبوط، والعزلة والمواجهة، والصراع، والعملية العسكرية الخاصة. وذلك لأن الركود الذي يتحول تدريجياً إلى اكتئاب، والتأخير في استكمال العملية الخاصة “حسب الخطة” ، والصعوبات أثناء “الانعطاف نحو الشرق”، والقلق المتزايد من الصين والهند، سيكون لها بلا شك تأثير على تكييف المجتمع والاقتصاد الروسي مع الواقع الجديد.
هناك شيء ما يتغير في المحيط الأقرب لروسيا. لم يقم رئيس كازاخستان، قاسم جومارت توكاييف، بإعادة تسمية العاصمة من “نور سلطان” إلى أستانا فقط، بل وثبت في الدستور حق الرئيس في فترة رئاسية واحدة. هذه، بطبيعة الحال، إشارات للداخل والخارج على حد سواء. وهي موجهة إلى كل من واشنطن وبروكسل، وكذلك إلى موسكو. إن خطوات توكاييف السياسية، هي أيضاً شكل محدد من أشكال الضغط على فلاديمير بوتين. وإلى جانب تصريحات (الزعيم الصيني) شي جين بينغ في سمرقند حول استعداده لتقديم ضمانات لوحدة أراضي كازاخستان، يمكن للمرء أن يتحدث عن تحول واضح لكازاخستان نحو اتجاهات استراتيجية جديدة.
من أجل الاستجابة بشكل مناسب وفعال لهذه التحديات والضغوط، يتعين على فلاديمير بوتين إظهار القدرة القصوى في البحث بنجاح عن الحلول التي قد لا تكون واضحة، ولكن في الوقت نفسه الحلول الصحيحة الوحيدة. مصير البلد يعتمد على هذا. والحديث عن مصير البلد في المستقبل القريب.