جولة بايدن الآسيوية وتداعياتها الخارجية والداخلية
الحرة 23 أيار 2022
يأمل الرئيس بايدن من جولته الآسيوية الأولى بمحطتيها الرئيسيتين في كوريا الجنوبية واليابان ان يعزز ليس فقط تحالفات واشنطن التقليدية في المنطقة التي تتنافس فيها أكبر ثلاثة اقتصاديات في العالم :الولايات المتحدة والصين واليابان، ولكن أيضا توسيع الرقعة الجغرافية لهذه التحالفات ويطورها من أحلاف عسكرية تقليدية، إلى ائتلاف اقتصادي واسع لمواجهة مصدر الخطر العسكري والتنافس الاقتصادي الأول لدول منطقة المحيطين الهندي والهادئ: الصين.
التعليقات الصينية القوية الرسمية والإعلامية ضد جولة بايدن وتصريحاته ورسائله الضمنية للصين التي أدلى بها في كوريا الجنوبية واليابان، تبين عمق المخاوف الصينية من سياسية “التحول الى آسيا” القديمة-الجديدة التي أراد أن يعتمدها الرئيس الأسبق باراك أوباما ولكنه لم ينجح بذلك بسبب متطلبات الحرب ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، والغزو الروسي الأول لأوكرانيا في 2014.
بعد سياسات الرئيس السابق دونالد ترامب المتخبطة في آسيا، من “رسائل الحب” على حد قوله التي تبادلها مع زعيم كوريا الشمالية كيم يونغ أون، إلى سياسة فرض العقوبات الاقتصادية ضد الصين، إلى اضعاف العلاقات التقليدية مع كوريا الجنوبية واليابان، أراد بايدن فور انتخابه التحضير لهذا التحول الى آسيا، وان كان ذلك على حساب تقليص البروفيل العسكري وحتى السياسي الأميركي في الشرق الأوسط، وإلى حد أقل في أوروبا.
ولكن تحديات كوفيد-19 وتأثيراته السلبية على التجارة الدولية ومعدلات التضخم العالية التي فرضت على الرئيس بايدن تحديات داخلية لم يتوقعها حين انتخابه، والتي تهدد الآن فرص حزبه بالحفاظ على الأكثرية البسيطة في مجلسي النواب والشيوخ في الانتخابات النصفية في أكتوبر المقبل فرضت عليه التركيز أولا على الجبهة الداخلية . الأهم من ذلك كان الغزو الكارثي الذي شنّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضد أوكرانيا، والذي خلق تحديات أمنية ضخمة لأوروبا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) وأزمة اقتصادية عالمية، تسببت في ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط والغاز والمحاصيل الزراعية التي تنتجها روسيا وخاصة أوكرانيا، كلها فرضت على بايدن تخصيص معظم وقته وطاقاته لاحتواء ازمات وتحديات لم يراها عندما وصل الى البيت الأبيض في يناير 2021.
خلال زيارته الى كوريا الجنوبية واليابان، أبقى بايدن عينا على متطلبات الجولة الاقتصادية والامنية، وعينا على الجبهة الداخلية وتحدياتها والتي كان آخرها أزمة غير متوقعة ومقلقة سياسيا وانسانيا ورمزيا : النقص الكبير في حليب الأطفال وتركيبات الرّضع، ما دفع ببايدن قبل بدء جولته لتطبيق إجراءات طارئة من بينها استخدام موارد القوات العسكرية، ومن بينها طائرات النقل التي أمرها بنقل شحنات من قناني تركيبات الرّضع من أوروبا الى الأسواق الأميركية، على خلفية ضجيج جوقة المعارضة الجمهورية – وغير الجمهورية – التي تساءلت كيف يمكن للولايات المتحدة ان تجد نفسها في مثل هذا الوضع المقلق والغريب.
أن يبقي بايدن عينه على الوضع الداخلي وهو في سيول وطوكيو ليس امرا مفاجئا او مستغربا عندما يبين استطلاعا للرأي خلال زيارته الآسيوية ان شعبيته قد انحسرت الى 39 بالمئة، وفقا لاستطلاع اجرته وكالة الانباء أسوشيتيد بريس، وهي ادنى نسبة منذ انتخابه، بعد ان كانت 45 بالمئة في منتصف ابريل الماضي، و63 بالمئة قبل سنة. الامر المقلق لبايدن هو ان شعبيته في أوساط الناخبين الديموقراطيين قد انحسرت من 82 بالمئة في 2021 الى 73 بالمئة وفقا للاستطلاع الأخير.
ولهذه الأسباب استخدم بايدن جولته الآسيوية لتحويل بعض مكاسبها الاقتصادية الى رأس مال انتخابي في معركة الانتخابات النصفية. وفي كلمة القاها في سيول، كوريا الجنوبية بحضور رئيس شركة Hyundai العملاقة أثنى بايدن على قرارها استثمار 10 مليارات دولار لبناء مصنع كبير لتقنيات السيارات المتطورة وتصنيع السيارات التي تستخدم الطاقة الكهربائية في ضواحي مدينة سافانا، بولاية جورجيا، وهي الولاية التي فاز فيها بايدن بأكثرية بسيطة، والتي تدور فيها حاليا معركة هامة في الانتخابات النصفية. بايدن اشار الى الفرص الاقتصادية التي سيستفيد منها الكثير من الاميركيين، لان المصنع سوف يوظف 8 الاف عامل أميركي. تحسين العلاقات الاقتصادية بين واشنطن وسيول أمر بالغ الأهمية للرئيس بايدن، لان الاقتصاد الكوري الجنوبي هو الرابع في شرق آسيا، والعاشر في العالم.
في محطته الأولى، أكد بايدن لكوريا الجنوبية واليابان عودة واشنطن الى سياستها التقليدية تجاه كوريا الشمالية والمطالبة بحظر السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية، واستئناف المناورات العسكرية الأميركية-الكورية الجنوبية التي علقها الرئيس السابق ترامب وكان يسعى لإلغائها كليا.
بايدن لم يرفض من حيث المبدأ احتمال عقد اجتماع قمة مع كيم يونغ أون، ولكنه قال ان الزعيم الكوري الشمالي يجب ان يؤكد جديته وصدقيته قبل أي اجتماع. وكان بايدن بذلك يشير الى تقارير الاستخبارات الأميركية التي حّذرت قبل جولة بايدن ان كيم يونغ أون قد يستغل الجولة لإجراء تجربة على صاروخ عابر للقارات. كما عرض بايدن على كوريا الشمالية مساعدتها في تلقيح مواطنيها ضد كوفيد-19.
خلال وجوده في طوكيو سيجتمع بايدن مع قادة استراليا والهند واليابان في اطار “الحوار الأمني الرباعي” لمواجهة الصين أمنيا، وهو اطار أمني يقلق بيجين، وتحديدا بعد تعزيز نوعية التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وأستراليا في اعقاب صفقة الغواصات الأميركية التي تسيرها الطاقة النووية والذي أعلن عنه في السنة الماضية.
على الصعيد الاقتصادي يأمل بايدن ان يكون الإعلان خلال زيارته لليابان عن “اطار التعاون الاقتصادي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ” والتي تراه واشنطن بديلا اقتصاديا لاتفاق الشراكة في المحيط الهادئ الذي انسحب منه الرئيس ترامب والتي تعتبر الصين مركز الثقل فيه . ولكن هذا المشروع الاقتصادي المقترح يواجه شكوك إقليمية من الدول التي دخلت في اتفاق الشراكة لأنها كانت ستستفيد من وصولها إلى الأسواق الأميركية قبل ان ينسحب منه الرئيس ترامب، ولأن اتفاق الاطار الجديد لا يشمل تخفيض واشنطن للتعريفات التجارية امام بضائع هذه الدول.
جولة بايدن بأبعادها الاستراتيجية يمكن ان تزيد من حدة التوتر مع الصين. ولكن هناك احتمال بتحسن في العلاقات التجارية والاقتصادية، اذا قام بايدن كما ألمح بعض مساعديه في الأسابيع الأخيرة بإلغاء التعريفات التجارية التي فرضها الرئيس السابق ترامب على ما قيمته 350 مليار دولار من البضائع الصينية التي كانت تستوردها الولايات المتحدة والتي تشمل المعدات الصناعية والنسيج واللحوم وغيرها.
ويرى العديد من الخبراء الاقتصاديين ان مثل هذه الخطوة سوف تساهم في تخفيض معدلات التضخم التي يقول بايدن أن تخفيضها هو هدفه الداخلي الاول. ويعود تردد بايدن في الغاء هذه التعريفات في السابق الى معارضة نقابات العمال والجناح التقدمي في حزبه لهذه الخطوة وهي من القوى الديمقراطية التي لا يريد بايدن إغضابها. وسوف يضطر بايدن في الأسابيع المقبلة خلال المراجعة القانونية لهذه التعريفات ان يتخذ قراره بهذا الشأن. قبل جولته الآسيوية، قال بايدن “نحن نناقش هذه المسألة الان، ولكننا لم نتخذ أي قرارات بشأنها”
تبين جولة بايدن الآسيوية، كما أظهر الغزو الروسي لأوكرانيا وردود الفعل الغربية عليه، الارتباط الوثيق بين الاعتبارات الاستراتيجية والاقتصادية العالمية وبين الاعتبارات والتحالفات الداخلية والانتخابية في الولايات المتحدة، والضغوط التي يواجهها الرئيس بايدن للتوفيق بين هذه التحديات الخارجية والتوازنات السياسية الداخلية داخل حزبه الديمقراطي المقبل على انتخابات نصفية مفصلية.