بيان حركة ضمير في ذكرى انطلاق الثورة السورية
للأحداث العظيمة في التاريخ لا تكون استعادة الذكرى مجرد طقس احتفالي وحسب وإنما ناقوسٌ يُقرع في الفكر والوجدان ليجدد الإلهام الذي شدَّ عزيمة الناس.
وها نحن بعد كل هذه السنين ما نزال نهتف لثورة عظيمة واجهت الرصاص باللحم الحي وقدمت أعظم التضحيات ومازلنا نتحلّق حول أهدافها التي لم تتحقق بعد مؤكدين عزمنا على تحقيق انتصارها.
إن ما يحدث الآن من اجتياحٍ عدواني على أوكرانيا من النظام الروسي قد أعاد الضوء الى القضية السورية لان المجرم واحد.
ونرى كيف تُعاد سيناريوهاتٍ عشناها سابقاً على الارض السورية من دمار وتخريب في الارض والإنسان ومدى التشابه بين ما أَغلق العالم عينيه عنه في سوريا المحتلة أسدياً وايرانياً وروسياً وبين ما يُمارس من إجرام في أوكرانيا ووسط انتباه العالم.
لهذا التشابه فإن علينا التقاط هذه اللحظة لفتح كوّة في حائط انسداد الافق لحل سياسي وتذكير العالم بالخُذلان الذي رافق ثورتنا من جانب القوى الدولية الفاعلة ومن أجل التقاط هذه اللحظة
المتغيرة يصبح ملائماً للغاية تقديم مبادرة وطنية لإنجاز هيئة تمثيلية جديدة تجسد طموحات الشعب السوري بالحرية والكرامة وبناء دولة المواطنة المتساوية ذات الأُفق الديمقراطي وذلك بعد السقوط المدوي لكل الاجسام السياسية التي قُدِّمت كممثل للثورة والمعارضة وانتهت الى إخفاق كامل مع الاحترام لجهود قلة حاولت ولم تفلح.
وبعد أحد عشر عاماً على الثورة جدير بنا إجراء مراجعة شاملة لنقف بجرأة أمام واقعنا متلمسين مواضع قوتنا وضعفنا وطرح تساؤلات نستطيع من خلال الإجابة عليها تلافي الكبوات والأخطاء وابتكار معالجات أكثر نضجاً متزودين بتجربة السنوات المنصرمة.
فعلى سبيل المثال هل استطاعت ثورات الربيع العربي بما فيها ثورتنا التعامل مع نموذج ثورة بلا رأس، ثورة لا تصنعها أحزاب ولا أيديولوجيا بل مضمون تحرري اختصرته هتافات الثائرين بإسقاط النظام وتحقيق الحرية والكرامة، فهل جاء الرأس الذي وُضِع على جسد الثورة مشابهاً لها أم أنه كان صنيعة أحزاب المعارضة التقليدية التي لم ترتقِ إلى الروح الثورية التي جسدها الشباب بعظيم تضحياتهم والذين تم استبعادهم عملياً من قيادة الثورة.
وبمواجهة مركزية قرارات النظام، هل استطاعت الثورة الانتقال من عفوية انطلاقها الى تشكيل قيادة موثوقة بعد الحملة الأمنية المركزة على التنسيقيات؟ أم أن تشظي مراكز قرارها كان من أكبر الثغرات في صيرورة الثورة.
وهل وقع عدد منا بالفخ الذي نصبه لنا النظام حين ركّز استهدافه على بيئة دينية معينة بحيث أنه غذى الأصوات التي أرادت حرف الثورة باتجاه أن تكون حرباً بمظهر طائفي ما أوجد نسقاً من التطرف تم دعمه بإخراج غُلاة المتطرفين من سجون النظام ليقودوا فيما بعد أهم الفصائل الجهادية، ما وسم الثورة بالتطرف لأن تلك الفصائل استبدلت أعلامها السود بأعلام الثورة واستقوى بها الائتلاف وباقي الاجسام السياسية بدلاً من الاستقواء بروح الثورة الأولى السلمية التي سحقها العنف في الساحات.
فهل نعترف بسقوط بعضنا في الفخ؟
وبعد أحد عشر عاماً على الثورة، هل الخطاب الثوري بمستوى قراءة عميقة للواقع أم إنه ما يزال يكرر ذاته انطلاقاً من وضع الخنادق التي شكلها الصراع في البداية، وهل هذه الخنادق ما زالت تعبر عن واقع الحال أم إنها تبدلت بفعل تحولات جعلت من التشبيح ليس حكراً على الموالين للنظام بل أوجدت ما نسمية اليوم شبيحة الثورة، وأوجدت من بين الرماديين مشروع ثائرين جُدد.
ومن ناحية أخرى وبالنسبة للاعتصامات والتجمعات الجماهيرية للثورة، هل علينا إعادة النظر بطرائق تنظيمها وتوحيد شعاراتها باستخدام وسائل فنية وعرض بصري مختلف يهدف إلى إشراك أبناء البلاد التي ننشط فيها لأن التأثير فيهم هو أحد غايات هذه التجمعات وليس فقط التأثير البيني بالسوريين المتواجدين.
وهل سنستطيع الارتقاء خلال هذه التجمعات بتجاوز الطابع الشتّام من الشعارات (الذي نعتقد انه كان منطقياً في بداية الثورة بما كان يحمله من معنى إزالة الشرعية عن النظام وتعبير عن كسر جدار الخوف) ولكنه الآن قد فات أوانه بعد أن خسر النظام شرعيته كما أن شتم رموز النظام من خارج البلاد لم يعد دليلاً على شجاعة أحد، والأَولى بنا هو شرح بنية هذا النظام وسماته الإجرامية والمافيوية للعالم أجمع والتركيز على طرح برامج الوحدة والعمل المشترك ومشاريع دعم مخيمات أو مشاريع أنشطة تجمع الشباب السوري في المهاجر على شكل منتديات أو فرق رياضية أو مراكز ثقافية وعلمية.
كلنا نتذكر التعاطف الكبير من المجتمع الدولي لثورتنا في بدايتها، ثم كيف تقلص هذا التعاطف طرداً مع ظهور صورة نمطية للثورة، صورة غير حقيقية تحشرها في ركن التطرف أو تسبغ على ما يجري صفة الحرب الأهلية وهذا ما رفضناه على الدوام.
إننا اليوم أمام تحد كبير وهو استعادة الصورة الحقيقية المشرقة لهذه الثورة التي أصرت على سلميتها لعدة أشهر قبل أن ينجح النظام وبعض القوى الإقليمية والدولية بتسليحها وتحويل بلدنا إلى ساحة صراع إقليمي ودولي مفتوح.
ختاماً..
الحرية فكرة والفكرة لا تموت، والكرامة شرط لإنسانية الإنسان ولا تنازل عنها، وإننا عازمون على استعادة سوريا من أيدي محتليها وحُكامها الدُمى لتكون وطناً حراً يليق بالأحرار.
عاشت ثورة الحرية والكرامة طريقاً لسورية الحرة الديمقراطية.
عاشت سوريا وطناً رائعاً لكل أبنائه.