الموظف البيروقراطي والتكنوقراطي اللاسياسي العربي
السياسي في عالمنا العربي، تشكَّل تاريخياً في ظل ميراث الاستعمار الغربي الفرنسي والبريطاني والإيطالي، وتأثر بسياسات المستعمر الداخلية في إدارة هذه البلدان، وطبيعة نظام الإدارة المباشرة أو غير المباشرة، وأيضاً بالنظام التعليمي، والأهم برز من خلال حركة المقاومة والسعي للتحرر الوطني.
في نظام الإدارة المباشرة الفرنسية في المنطقة المغاربية، تم الاستعانة ببعض أبناء الشعوب الخاضعة للإدارة الفرنسية، حيث تشكَّلت نواة هشة للإدارة والجهاز البيروقراطي وتقاليده الفرنسية ما بعد الاستقلال، ومعه التعليم واللغة الفرنسية والناطقين بها من الأهالي، بعضهم كان يعرف العربية في المغرب وتونس، وقلة في الجزائر، وخاصة من ذوي التعليم الإسلامي.
تشكَّل سياسي ما قبل الاستقلال أيضاً من التعليم الفرنسي، ومعه التعليم الديني واللغة العربية. الأهم أن من شاركوا في حركة المقاومة ضد المستعمر، ووصلوا إلى سدة السلطة بعد الاستقلال، تشكَّل عقلهم السياسي من الاطلاع على الثقافة والسياسة الفرنسية وتجاربها الحزبية.
الدول التي خضعت للاستعمار البريطاني، وخاصة مصر والسودان والعراق، والحماية في منطقة الخليج، خضعت لنظام الإدارة غير المباشرة، وهي مشاركة أهالي هذه البلدان في إدارة شؤونهم تحت الإشراف والهيمنة الإدارية والعسكرية البريطانية، وهو ما ساعد على تكوين كوادر إدارية وبيروقراطية، ونظم تعليمية حددتها الإدارات البريطانية، وبعض من عملوا معها من العراقيين، وفي شرق الأردن من أبناء العشائر وقادتها، وبعض أبنائها من المتعلمين في بريطانيا، والتعليم لبعض أبناء السودان في كلية غوردون، وفي مصر وبريطانيا، ودور البيتين الطائفيين الختمية/الميرغانية والمهدية وقادتهم التاريخيين.
الحالة المصرية كانت استثنائية في ظل سياسة الإدارة غير المباشرة، حيث كانت معالم الدولة الحديثة قد تشكَّلت في عصر محمد علي وإسماعيل باشا، وحركة البعثات الأجنبية، والتعليم، والهندسة القانونية الحديثة، وبعض المبادئ الدستورية. من هنا كان السياسي المصري في بداياته ابناً لجهاز الدولة والتعليم المدني، إلى جانب التعليم الأزهري/الديني. تشكَّل السياسي المصري في ظل التعليم والثقافة المدنية، ومعه الدور السياسي الوطني للأزهر والكنيسة القبطية، وبعض علمائه، ومعهم بعض رجالات الإكليروس في الحركة القومية الدستورية المطالبة بالاستقلال والدستور.
بدايات بشائر الحركة القومية مع العرابين، لاسيما القائد الشهيد محمد عبيد، تجلَّى دورها المهم في مقاومة قوات جيش الاحتلال الوطني، وفي رفض هيمنة الضباط من غير ذوي الأصول المصرية على الهيراركية العسكرية، وبعض المزايا المرتبطة بها.
مع تشكل الأحزاب السياسية المصرية، والسجالات السياسية فيما بين بعضهم بعضاً، وقضايا الحريات والدستور، والأهم الاستقلال الوطني، تطوراً مع بدايات تكوين الطبقة الوسطى من خلال دور التعليم العام المدني، ومدرسة الحقوق الفرنسية أساساً، والانفتاح الثقافي والتعليمي على التجارب السياسية والفكر السياسي الغربي. غلب على السياسي المصري سمت التكوين والثقافة القانونية الحداثية، والثقافة واللغة الدستورية والقانونية السياسية، في الجدل العام داخل البرلمان، والأحزاب السياسية لاسيما حزبي الوفد والأحرار الدستوريين، وفي الصحافة والمجال العام السياسي، لاسيما بعد دستور 1923، وفي مقاومة الانقلاب الدستوري لإسماعيل صدقي باشا 1930، حتى ما بعد قيام حركة الضباط الأحرار، وتغيير طبيعة النظام السياسي، والتحول من شبه الليبرالية إلى التسلطية السياسية، وسياسات العدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني، وحركة عدم الانحياز، ودور مصر الرائد مع الهند ويوغوسلافيا في ظل نظام يوليو. استفاد نظام الرئيس جمال عبد الناصر في إدارة البلاد وسياساتها الجديدة من فوائض القومية المصرية، والمرحلة شبه الليبرالية وبعض كوادرها، وتكوينهم، وإرث الحداثة القانونية والسياسية والثقافية المبتسرة في المجالات كافة، وخاصة في بعض مصادر التنشئة السياسية، والثقافة السياسية شبه الليبرالية وجدالاتها، وموروثها الخبراتي في تكوين خريجي الجامعة والمدارس المدنية، وحركة البعثات، والعائدين من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. تم توظيف بعضهم في الأجهزة البيروقراطية، وفي الجهاز الأمني – الذي تشكَّل وتكون بعضهم على أيدي البريطانيين خاصة في جهاز الأمن السياسي -، وتم تجنيد بعض هؤلاء في التشكيلات الوزارية. من هنا، اعتمد النظام على هذه الخبرات. في ظل موت السياسي، والمجال العام السياسي المحاصر، وتشكل أشكال متعاقبة من التنظيم السياسي الواحد، وفي ظل نمط من الشعبوية السياسية السلطوية، باتت السياسة الشعبوية السلطوية هي المسيطرة، باستثناء جزئي ومحدود من بعض بقايا الأحزاب السياسية الشيوعية – حدتو الذين لعبوا دوراً مع ناصر قبل اعتقالات بعضهم – السرية والمطاردة، والأزمات المتعاقبة مع جماعة الإخوان المسلمين. تشكَّل “السياسي” أو اللاسياسي السلطوي داخل الأجهزة البيروقراطية والتكنوقراط من الجامعيين، ممن ليس لديهم تكوين سياسي سوى الحزب الواحد أياً كان اسمه. “السياسي” المعارض تكون خارج السلطة وتنظيمها، ومن خلال الجماعات ذات الإيديولوجيا الماركسية والإخوانية وبعض خلايا محدودة لحزب البعث، وذلك دون خبرات سياسية سوى تقاليد العمل السري، واختراقات الأمن داخل بعضهم. بات البيروتكنوقراطي، والأمني، وبعض قادة القوات المسلحة، قادة ووزراء في أجهزة الدولة، أو في تشكيلات الحكومات.
استمرت تقاليد اللاسياسة في تشكيل بعض حكومات أنور السادات مع بعض بقايا شبه الليبرالية والناصرية ممن عملوا معه كوزراء ورؤساء حكومات، وقيادات الصحف والإعلام، وأجهزة الدولة. بدأت تتبلور ثقافة وأدوار البيروتكنوقراطي اللاسياسية هي السائدة، أي وزراء لا سياسيون، في ظل توظيف مفرط للإسلام سياسياً واجتماعياً ضد الاتجاهات الناصرية والقومية العروبية، والليبرالية والماركسية، في ظل تعددية سياسية شكلية ومقيدة، وتوظيف سياسي مفرط للإسلام بين السادات وبين الإخوان المسلمين والسلفيين، ومتمدِّداً في المجتمع وأجهزة الدولة والتعليم، واختراق الإخوان للقواعد الاجتماعية الشعبية، وقواعدها في الريف والمدن، ثم للطبقة الوسطى والنقابات المهنية كالأطباء والمهندسين والمحامين وغيرهم، ونشأة الجماعات الإسلامية الراديكالية، ثم الصراع معهم، ونهاية هذه المرحلة باغتيال الرئيس السادات.
تمددت تقاليد نظام السادات مع حسني مبارك طيلة ثلاثين عاماً من الركود السياسي، وجمود رموز النخبة السياسية الحاكمة، مع بعض الانفتاح السياسي الجزئي، مع استمرارية الحزب الوطني وريث التنظيم الواحد، وما بعد، في طرائق عمله اللاسياسية في التجنيد، والقيادات العليا والمتوسطة، والسيطرة على القيادات، واختيار أعضاء البرلمانات من الشخصيات التي ينتمي بعضها إلى العائلات الكبرى في الأرياف، أو بعض رجال الأعمال وكبار التجار، أو بعض رجال الدولة، في الوصول إلى البرلمان.
تشكيلات الحكومات والوزراء جاءت من بيئة اللاسياسة، ومن البيروتكنوقراطية، وبعض الموظفين الدوليين السابقين في منظمات الأمم المتحدة وغيرها. في ظل هذه التطورات للتسلطية السياسية، نادراً ما تشكَّل السياسي ابن التعددية السياسية الحرة، ودولة القانون والحق، والمجال العام المفتوح، وهيمنة الدستور واستقلال القضاء. كان القضاء المصري مسانداً للحريات العامة في ظل مبارك، وفي ذات الوقت بدا صمود الجماعة القضائية جلياً، وصونها لاستقلالها كجزء من إرثها التاريخي البارز. حدث تغير مهم ما بعد نهاية الحرب الباردة، ودعم بعض الجهات الغربية لحركات حقوق الإنسان الناشئة في مصر والعالم العربي، حدث تحول عديدين من جيل الحركة الطلابية، وبعض بقايا عناصر من الجماعات الماركسية – المحجوبة عن الشرعية – نحو تأسيس بعض هذه المنظمات الحقوقية، وتحولوا من الإيديولوجيا الماركسية والليبرالية إلى إنشاء هذه المنظمات الحقوقية، ومن ثم برز دور الناشط الحقوقي بديلاً عن السياسي والمثقف النقدي، وذلك بجوار التمدد الكثيف للناشط الديني، ودعاة الطرق، ودعاة السلفية بمختلف جماعاتهم، وأصبحت لهم سطوة دينية في الحياة اليومية، وتداخلوا في جميع تفاصيل الحياة، بينما ذهبت المنظمات الحقوقية إلى مخاطبة غالبهم للنخب المثقفة التي انحسر دورها.
بعد حركات الاحتجاج الجماهيري الكبرى للطبقة الوسطى في مصر، ومناطق الجنوب والوسط في تونس، فيما سمي مجازاً بالربيع العربي، جاءت نتائج مخرجات اللا سياسة والتسلطية السياسية في فشل بقايا “نخب” هذه الأنظمة، وبعض الشباب، في إدارة الحركات الجماهيرية، وأيضاً في التفاوض مع السلطات الانتقالية التي استطاعت احتواءهم، وبث الصراعات بينهم، وتوظيف رغباتهم ودوافعهم في تقلد المناصب الوزارية والحكومية.
من هنا يبدو فشل غالب الأنظمة السلطوية العربية في إنتاج السياسي كنشأة وتكوين، وخبرات، وخيال سياسي، وثاب، وملكات سياسية في التعامل مع مشاكل مجتمعاتهم المتراكمة، والأهم التعامل مع السياسات العالمية المتغيرة. (وللحديث بقية).
المصدر: الأهرام