مخاطر التماهي بين الدولة والسلطة في سوريا الجديدة

img

تلفزيون سوريا 2026.08.14

ثمة خلط شائع بين مفهومي الدولة والسلطة يؤدي إلى تهديدهما معاً، إذ يكثر أنصار السلطة الانتقالية من التحدث عن الدولة وباسمها، وكأن الدولة هي السلطة، في حين أنّ الدولة المطلوبة لسوريا بعد أربعة عشر عاماً من الصراع الدامي هي دولة الحق والقانون والمؤسسات، التي تضمن التوازن بين المصلحة العامة ومصالح المواطنين المتساوين في الحقوق والواجبات، باعتبارها فضاءً عمومياً حيادياً عن الأيديولوجيات والأديان والأحزاب. في حين أنّ السلطة متغيّر، والثابتان الآخران في الدولة هما الأرض والشعب باعتبارهما مصدراً للسيادة. بينما أتاح الإعلان الدستوري للرئيس الانتقالي إدارة سوريا الجديدة وفق خيارات هيئة تحرير الشام، بحيث أضحت دولة الرئيس المؤقت، الذي يديرها بالمراسيم طبقاً لمبدأ التغلّب: “من يحرر يقرر”.

في حين أنّ أية سلطة شرعية هي نتيجة قبول المواطنين التنازل عن جزء من حقوقهم لصالح السلطة للقيام بمهامها الأساسية، طبقاً لمبادئ الحق والقانون، خاصة توفير الحاجات الأساسية لهم من أمن وغذاء وعمل وسكن وتعليم وصحة، بما يضمن الانتقال إلى مستوى أفضل في معيشتهم.

أغلب السوريين لم يدركوا الفرق بين الدولة والسلطة، بعد 54 سنة من حكم الاستبداد الذي كان حريصاً على التماهي بينهما، مما ساعد على ديمومة سلطة آل الأسد، عبر عملية تغييب الحياة السياسية والمجتمعية المستقلة.

ففي الدولة، الإدارة والمؤسسات والحوكمة الرشيدة أهم سلاح للتقدم، بما يضمن قدرة ممثلي المجتمع على المشاركة في تلك الإدارة وتجديدها. وبعد سنة ونصف على التغيير، تتجاهل السلطة الانتقالية هذه التشاركية، متذرعة بـ”الخصوصية” السورية التي تقتضي وصاية مشايخها على الحريات الفردية للمواطنين والمواطنات، باعتبارهم جهاز “حاكمية إلهية”، وليسوا جهاز إدارة الدولة. مما يدلل بوضوح على التماهي بين الدولة والسلطة، بما يتجاوز التجارب الناجحة لبناء الدول بعد إسقاط الأنظمة الاستبدادية، وبالتالي ابتعادنا عن التطور الطبيعي للمجتمعات.

في حين أنّ السوريين اعتقدوا، بعد التغيير في 8 من كانون الأول/ديسمبر 2024، أنهم بصدد بناء دولة تتجاوز أساليب حكم النظام البائد ولا تعيد إنتاج ما ثارت عليه، بل تؤسس لسوريا المستقبل من خلال توظيف الموارد البشرية والاقتصادية في برامج وسياسات عملية قابلة للمتابعة والقياس، طبقاً لحاجات المواطنين وتقدمهم.

ومما يؤسف له أنّ أغلب السوريين لم يدركوا الفرق بين الدولة والسلطة، بعد 54 سنة من حكم الاستبداد الذي كان حريصاً على التماهي بينهما، مما ساعد على ديمومة سلطة آل الأسد، عبر عملية تغييب الحياة السياسية والمجتمعية المستقلة، مما ساعد على إقامة نظام شمولي وضع نفسه فوق مصالح الشعب السوري. لكنّ السلطة الانتقالية تتعمد إبقاءه في حالة من الترقب لمآلات الوعود بالازدهار، دون توفير مرتكزاته الحقيقية. فما زال السوريون ينتظرون آليات عمل المؤسسات، التي تتمثل بالقضاء العادل، الذي يتمظهر خاصة في عدالة انتقالية، ليست انتقائية أو انتقامية، وأيضاً في مؤشرات حقيقية لتوفير الأساسيات للمواطنين، بما فيها فرض القانون على الجميع. فهل يُعقل أن يبقى الشيخ الذهبي، الذي يجمع المختطفات في “بيت الأخوات” ويفرض النقاب الأفغاني على الطالبات في جامعة دمشق، خارج إطار القانون؟

إذ إنّ الدولة تقوم على سياسات معلنة وقوانين لإدارة الاختلافات في المجتمع، بما يضمن الحريات الفردية والعامة، دون فرض أي معتقد على الناس. ففي حين أنّ الدولة تمثل الثبات والاستقرار، فإنّ السلطة تمثل التغيير، على أن يتم التوازن بينهما لتحقيق مصالح المواطنين وتحقيق خياراتهم. أي أنّ الدولة تتكون من مؤسسات تتقاسم الحكم، تتمثل في ثلاث سلطات مستقلة: القضائية والتشريعية والتنفيذية. أما السلطة، باعتبارها الذراع العملي للدولة، فهي تستمد شرعيتها من إرادة المواطنين الأحرار المتساوين في الحقوق والواجبات، من خلال تداولها وفقاً لآليات متوافق عليها بين ممثلي المكوّنات الاجتماعية والسياسية. ومن هنا، فإنّ إعلان ممثلي السلطة الانتقالية أنهم ممثلو الدولة تجاوز لحقيقة الواقع، طالما أنها لم تتمكن من السلطة عبر آليات انتخابية شفافة ونزيهة. ومن المؤكد أنّ اعتماد العصبية والقوة في الاستيلاء على السلطة، كما هو الحال معها في سوريا الجديدة، سيؤدي إلى تهديد السلم الأهلي في مجتمعنا المتميّز بتعدد مكوّناته عبر التاريخ، مما يهدد الوطنية السورية الجامعة.

مما يقطع الطريق على هذه المآلات، تبدو التشاركية مع الكفاءات السورية، وتفعيل الحياة السياسية والاجتماعية، والتخلّي عن عقلية الغلبة والانتصار، وإعطاء الأولوية لدولة المؤسسات والثبات وليس لسلطة متغيّرة..

إنّ الدولة ليست مجرد مصطلح في علم الاجتماع السياسي، وإنما هي للكل المجتمعي وتجسيد فعلي للسيادة. وفي حالتنا السورية، فإنّ نجاحنا في عملية الانتقال السياسي مرهون بضرورة الفصل بين شخصنة السلطة وبناء المؤسسات الفاعلة ذات الديمومة، بغض النظر عن تغيير السلطة والحكومات. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فإنّ عملية الانتقال سوف تتعثر وتنتج المزيد من الهشاشة والتفكك. ففي الدول الحديثة لا تُستمد الشرعية من الوحي الإلهي، وإنما من الحق والقانون باعتبارهما المصدر الأساسي الذي تُبنى عليه سلطة الحاكم وشرعية الدولة. وعندما يحصل التماهي بينهما، تهيمن السلطة على الدولة، مما يمهد للاستبداد وتآكل تمفصل السلطات الثلاث، وبالتالي ضعف سيادة القانون وتهديد الحريات العامة والخاصة.

ومما يقطع الطريق على هذه المآلات، تبدو التشاركية مع الكفاءات السورية، وتفعيل الحياة السياسية والاجتماعية، والتخلّي عن عقلية الغلبة والانتصار، وإعطاء الأولوية لدولة المؤسسات والثبات وليس لسلطة متغيّرة، أموراً ضرورية. أي التمييز الواضح بين الدولة والسلطة، والإقلاع عن النموذج الذي يعتمد على عناصر الدولة التقليدية، خاصة جماعات الفزعات الأهلية، وكذلك خطر الاعتماد على الخارج وإهمال متطلبات الداخل.


الكاتب الدكتور عبد الله تركماني

الدكتور عبد الله تركماني

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة