ذاكرة عن فقرة من فقرات الاعتقال التي جمعتني والشهيد أحمد مهدي، منير الحصني، جفان الحمصي، حسام علوش، و فريد حداد..
من صفحة محمود جلبوط
تحاشيت حتى الآن فتح سعير هذا النوع من الذاكرات لكثافة ألمها أثناء فترات التحقيق الأولى بعد نقلي من أمن سرايا الدفاع مرورا بأمن الدولة ثم فرع التحقيق العسكري الذي سلمني بدوره إلى الأمن السياسي لأنضم إلى رفاقي هناك..
ما دفعني إلى فتحها اليوم وبكل حذر ورهبة ومختصر جدا هو رغبتي في لملمة شيئ مختصر يخص الرفيق الشهيد أحمد مهدي والذين تصادف وجودهم معه في المكان الذي مافتأت تفوح منه رائحة مقبرة جماعية للأحياء الذين نجوا من الموت تحت التعذيب وقد فقد بعضهم أجزاءً من أجسادهم، أصابع وأيدي وأقدام وعيون وعظم قحف رأس وأضلاع القفص الصدري وبروز فقرات العمود الفقري، وهم أحياء وتحت التعذيب، ضربوا حتى الموت أو التشوه بالبلطات، والقضبان الحديدية، والأكبال النحاسية، أثناء جلسات التحقيق، أما الذين قضوا تحت التعذيب فمازالت أرواحهم تصطدم بكل الذين يقضون وقتهم في هذه المقبرة ذهابا وإيابا في الطريق إلى غرف التحقيق للاستجواب وانتزاع الاعترافات.
مكان لا يشبهه أي مكان على هذه الأرض، مزدحم بصدى صرخات لنساء ورجال وأطفال مختلطة بصراخ شبق الجلادين وأغانيهم التي تصدح من أجهزة التسجيل..
كل هذا الجنون كان يعم هذا المكان الذي لا تسمح أي ثقافة عبر التاريخ عن السجون أن تتوقع ما كان يجري فيه من تعذيب وكأن عزرائيل قد فتح فيه وكالة للاستثمار . إنه فرع التحقيق العسكري أو كما كنا ندعوه مسلخ التحقيق العسكري. مكان ليس كمثله مكان، خارج الأزمان كلها وقد انتفى عنه الوصف البشري المعتاد، فلا نهار فيه ولا ليل، لا شمس ولا هواء , يبيت الموقوفين فيه في طابقين تحت الأرض، يتعرف ساكنيه على الأوقات من خلال وجبات الطعام , لا يرى الموقوف فيه النهار إلا وهو في طريقه إلى غرف التحقيق وأثناء حفلات التعذيب ، قد تم توزيع الهواء فيه عبر أنبوب معدني طويل يوزع على كل المهاجع التحت أرضية ومراحيضها، والمرحاض هو أكثر الأماكن انتعاشا ونقاءا هذا إن حالفظ الموقوف حظا بالوصول إليه وإلا قضى حاجته في لباسه , فالوصول إلى المرحاض رحلة شاقة جداً، أما قاطني المنفردات فحدث ولا حرج ، فلها حديث استثنائي آخر .
حين يضطرني الحديث عن تلك المرحلة لسبب ما أو دافع ما يعمني وجع خاص يعم جسدي وروحي ، ويعاودني سؤال مكرر : لماذا كان ومازال كل هذا الإيغال في دم و حيوات الناس؟ هل تكفي شهوة السلطة وكرسي الحكم مبررا لهذا التوحش أم هو شيء آخر؟
أورثتني استضافة ذاك المكان ذاكرة مريضة مكوية، أي تلف جزئي في مركز ذاكرتي يؤدي إلى عدم تذكري للأشخاص وتداخل في تذكر الأحداث ، ومازلت أعالج من آثارها حتى الآن دون جدوى تذكر في مكان لجوئي في ألمانيا ومنذ وصولي إليها قبل 25 عاما…
لا يمكن نسيان هذه التجربة ما حييت وما تركته لدي من ندوب وأمراض نفسية وجسدية، بل مازال عواؤهم وصراخهم يطن في أذني حتى اليوم رغم مضي كل تلك المدة حتى أثناء نومي فأستيقظ مفزوعا مما يثير خوف زوجتي وتساؤلاتها واستغرابها، وأنا أمتنع عن مصارحتها بالأسباب الحقيقية كي لا تصاب بالفزع والغثيان..
لماذا لم أمت ؟ لأني بكل بساطة أحب الحياة.
كيف استطعنا اجتياز نفق هذا الموت؟ لأن رغبتنا في الحياة كانت هي الأقوى.
هي ثلاثة أشهر التي جمعتني هناك والشهيد أحمد مهدي وحسام علوش ومنير الحصني ومحسن عسكر الذين جمعني بهم آووش واحد، أما الرفيق فريد حداد وجفان الحمصي فقد كانا نزيلي آووش آخر…
رحّلنا تباعا إلى أماكن أخرى، وبقيت ومحسن عسكر وحدنا إلى أن تم نقلي وحيدا إلى فرع الأمن السياسي أمانة مسلمة لاستكمال التحقيق معي هناك وقد كان ذلك بالنسبة لي نصف إفراج ..
تم التحقيق معي في كراكوز الشيخ حسن من جديد ، وبعد مضي شهر تقريبا تم نقلي إلى سجن القلعة للانضمام إلى رفاقي هناك في البرج السادس تحت إشراف مباشر من قبل مفرزة الأمن السياسي.
قد علمت عن وفاة أحمد مهدي في إحدى الزيارات الإستثنائية الخاصة التي حصلت عليها زوجتي السابقة وهي التي أخبرتني نقلاً عن الرفاق في سجن القلعة القسم المدني خبر وفاته إثر إضرابه عن الطعام دام 48 يوما كما نقل لي احتجاجا على اعتقاله.