لماذا تفشل الشرعيات في سورية؟
من المفارقات أن كثيراً من الشرعيات لا تفشل في لحظة نشأتها، بل بعد سنوات من نجاحها. فالمشكلة ليست، في العادة، في الكيفية التي تصل بها السلطة إلى الحكم، وإنما في الكيفية التي تمارس بها السلطة بعد ذلك.
في المقال السابق خلصنا إلى أن الشرعية لا تُمنح مرة واحدة، بل تُنتج باستمرار. فهي ليست شهادة تحصل عليها السلطة ثم تحتفظ بها إلى الأبد، وإنما علاقة متجددة بينها وبين المجتمع، تزداد قوة كلما استطاعت الدولة أن تؤكد، بالممارسة اليومية، أنها تستحق الثقة، وتضعف كلما عجزت عن ذلك.
وإذا كانت الشرعية تُنتج باستمرار، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد: كيف تُكتسب الشرعية؟ بل: لماذا تفشل في الاستمرار؟
قد يبدو الجواب بسيطاً: لأنها تقوم على أسس خاطئة، أو لأن الحكام يسيئون استخدامها، أو لأن المجتمعات تنقسم حولها. غير أن التجربة السياسية تكشف أن المسألة أعقد من ذلك بكثير. فقد شهد العالم أنظمة وصلت إلى السلطة عبر انتخابات حرة ثم فقدت شرعيتها، كما شهد ثورات بدأت بتأييد شعبي واسع ثم انتهت إلى الانقسام، ودولاً خرجت من حركات التحرر الوطني وهي تمتلك رصيداً هائلاً من الشرعية، قبل أن يتآكل هذا الرصيد مع مرور الزمن.
وسورية ليست استثناءً من هذه القاعدة. فمنذ الاستقلال عام 1946 امتلكت الدولة السورية رصيداً وطنياً كبيراً استمدته من نهاية الانتداب وبداية بناء الدولة المستقلة. وكان من الممكن أن يشكل ذلك الرصيد نقطة انطلاق لبناء شرعية مستدامة، إلا أن السنوات اللاحقة شهدت سلسلة من الانقلابات العسكرية المتعاقبة، كاشفةً أن شرعية الاستقلال، على أهميتها، لم تكن كافية وحدها لضمان استقرار النظام السياسي. فقد منح الاستقلال شرعية البداية، لكنه لم يتحول إلى مؤسسات قادرة على إعادة إنتاجها. ولم تكن المشكلة في وقوع الانقلابات بحد ذاتها، بل في أنها كشفت أن الشرعية التي وفرها الاستقلال لم تُترجم إلى توافق وطني ومؤسسات مستقرة تنظم التنافس على السلطة. فبقيت الدولة تمتلك شرعية الإنجاز التاريخي، لكنها افتقرت إلى الآليات التي تضمن استمرار هذه الشرعية وتجددها.
وتقودنا هذه الملاحظة إلى الفكرة الأساسية في هذا المقال. فالشرعيات لا تفشل، في الغالب، لأن مصادرها كانت ضعيفة، بل لأنها تعجز عن تجديد نفسها. فالثورة، والانتخابات، والاستقلال، والإنجازات الوطنية، كلها تمنح السلطة رصيداً أولياً من الشرعية، لكنها لا تعفيها من إنتاج شرعية جديدة كل يوم، عبر سيادة القانون، والمؤسسات، والعدالة، والمساءلة، والكفاءة. وعندما تتوقف هذه العملية، يبدأ رصيد الشرعية بالتآكل مهما كانت قوته في البداية.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا فقدت سلطة معينة شرعيتها؟ وإنما: لماذا عجزت الشرعيات المتعاقبة في سورية، على اختلاف مصادرها وشعاراتها، عن التحول إلى شرعية مستقرة تستطيع تجديد نفسها؟
ولا تكفي للإجابة عن هذا السؤال إرجاع الأمر إلى أخطاء الحكومات أو تبدل الأشخاص، لأن هذه العوامل تفسر جانباً من الصورة، لكنها لا تفسر تكرار النتيجة عبر مراحل تاريخية مختلفة. فهناك اختلالات بنيوية رافقت بناء الدولة السورية الحديثة، وأعاقت قدرتها على إنتاج شرعية مستدامة، مهما اختلفت النخب أو الشعارات التي رفعتها. وهذه الاختلالات لا تعمل بصورة منفصلة، بل يتفاعل بعضها مع بعض حتى تشكل المسار الذي تتآكل من خلاله الشرعية تدريجياً.
وأولى هذه الاختلالات هو غياب التوافق الوطني الجامع، وهو ما نبدأ به.
أولاً: عندما تغيب القاعدة التي تقوم عليها الشرعية
لا تنشأ الشرعية في الفراغ، ولا تستطيع أي سلطة أن تنتجها اعتماداً على قوتها وحدها. فهي تحتاج، قبل كل شيء، إلى حد أدنى من الاتفاق بين مكونات المجتمع حول الدولة نفسها: لمن تنتمي؟ وما وظيفتها؟ وما الحدود التي ينبغي ألا تتجاوزها السلطة مهما امتلكت من القوة؟ وهذا الحد الأدنى هو ما يمكن تسميته بالتوافق الوطني.
ولا يعني التوافق الوطني أن يتفق الناس على كل شيء، أو أن تختفي الخلافات السياسية والفكرية، فذلك لا يحدث في أي مجتمع. وإنما يعني الاتفاق على قواعد إدارة تلك الخلافات، بحيث يبقى الصراع داخل إطار الدولة، لا على الدولة نفسها.
وقد ظهر غياب هذا التوافق مبكراً في التجربة السورية بعد الاستقلال. فعلى الرغم من أن البلاد امتلكت مؤسسات دستورية وحياة سياسية تعددية نسبياً، فإن القوى السياسية لم تتفق على قواعد مستقرة لإدارة التنافس بينها. وسرعان ما تحول الخلاف من التنافس على إدارة الدولة إلى التنافس على إعادة تشكيلها، ودخل الجيش لاعباً مباشراً في الحياة السياسية مع انقلاب عام 1949، لتبدأ مرحلة أصبحت فيها شرعية السلطة تُحسم بميزان القوة أكثر مما تُحسم بقواعد دستورية مستقرة. ولم يكن المغزى في كثرة الانقلابات، بل في أنها كشفت غياب اتفاق وطني على القواعد التي تُكتسب بها السلطة، وتُمارس، وتُنقل.
وهنا تكمن إحدى أعمق مشكلات التجربة السورية. فقد عرفت سورية، منذ الاستقلال، تنافساً حاداً بين مشاريع سياسية متباينة: قومية، وإسلامية، ويسارية، وليبرالية، إلى جانب الانقسامات الاجتماعية، والطائفية، والإثنية، والمناطقية. ولم يكن الخلاف يدور حول السياسات العامة فحسب، بل حول هوية الدولة، ومصدر شرعيتها، وشكلها، والجهة التي يحق لها تمثيلها.
ولو وُجد اتفاق على قواعد مشتركة تنظم التنافس السياسي وتحمي حياد الدولة، لكان هذا التنوع مصدر قوة داخل إطار وطني جامع. لكن غياب هذا الاتفاق حوّل التنوع تدريجياً إلى صراع على احتكار الدولة.
وعندما تصبح الدولة غنيمة يتنافس الجميع على امتلاكها، تفقد قدرتها على أن تكون مرجعاً مشتركاً للجميع. ويبدأ كل فريق بالنظر إليها بوصفها أداة لحماية مصالحه إذا سيطر عليها، أو أداة لتهديده إذا سيطر عليها خصومه. وعندها لا تعود الشرعية تُقاس بمدى احترام القانون أو كفاءة المؤسسات، بل بمدى اقتراب السلطة أو ابتعادها عن الجماعة التي ينتمي إليها كل فرد.
ولذلك لم يكن الانقلاب العسكري مجرد تغيير في رأس السلطة، بل تعبيراً عن غياب اتفاق وطني راسخ على الكيفية التي تُكتسب بها السلطة، وتُمارس، وتُنقل. وعندما يغيب الاتفاق على القواعد، يصبح من السهل الطعن في شرعية كل سلطة جديدة، مهما كانت الشعارات التي ترفعها أو الإنجازات التي تحققها.
ولذلك لم تكن أزمة الشرعية في سورية مجرد أزمة سلطة، بل كانت، قبل ذلك، أزمة توافق على الدولة نفسها. فكل سلطة كانت تبدأ وهي تستند إلى قاعدة اجتماعية أو سياسية معينة، لكنها لم تنجح في تحويل هذه القاعدة إلى توافق وطني يشعر السوريون، على اختلاف انتماءاتهم، بأن الدولة تمثلهم جميعاً على قدم المساواة.
ولهذا بقيت الشرعية، في مختلف المراحل، شرعية جزئية أكثر منها شرعية وطنية جامعة. ومع غياب التوافق الوطني، أصبح استنزافها مسألة وقت، لأنها افتقدت القاعدة المشتركة التي تُمكّنها من إعادة إنتاج نفسها.
ثانياً: هشاشة العقد الاجتماعي… عندما يغيب الاتفاق على قواعد العيش المشترك
إذا كان التوافق الوطني هو الاتفاق على الدولة بوصفها إطاراً جامعاً، فإن العقد الاجتماعي هو الاتفاق على طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المواطنين بعضهم مع بعض. فهو يحدد من يملك السلطة، ولصالح من تُمارس، وما الحقوق التي لا يجوز المساس بها، وما الواجبات التي يلتزم بها الجميع دون استثناء.
ولا يشترط العقد الاجتماعي أن يكون وثيقة مكتوبة، بل قد يكون منظومة من القواعد الراسخة التي يلتزم بها الجميع، حتى في أشد لحظات الخلاف السياسي. ولهذا تستطيع مجتمعات كثيرة أن تمر بأزمات حكومية أو انتخابات متنازع عليها أو احتجاجات واسعة، دون أن تتحول إلى صراع على وجود الدولة نفسها، لأن الجميع يحتكم، في النهاية، إلى قواعد مشتركة تضبط الخلاف.
أما عندما يكون هذا العقد هشاً أو محل نزاع، فإن كل أزمة سياسية تصبح مرشحة للتحول إلى أزمة وجودية. فلا يعود الخلاف على برنامج حكومي أو سياسة اقتصادية أو نتائج انتخابات، بل يمتد إلى التشكيك في شرعية النظام، وربما في شرعية الدولة نفسها.
وقد قدمت تجربة الوحدة بين سورية ومصر عام 1958 مثالاً واضحاً على ذلك. فقد استقبل السوريون مشروع الوحدة بحماس شعبي واسع، واكتسبت الدولة الجديدة رصيداً كبيراً من الشرعية المستمدة من فكرة الوحدة العربية. لكن هذا الرصيد لم يصمد طويلاً، إذ سرعان ما ظهرت الخلافات حول إدارة الدولة، وتوزيع الصلاحيات، والعلاقة بين المركز والأطراف، ودور القوى السياسية المختلفة. وعندما وقع الانفصال عام 1961، لم يكن ذلك مجرد نهاية لمشروع سياسي، بل كان كاشفاً أن الإجماع على هدف كبير لا يكفي إذا لم يستند إلى عقد اجتماعي ينظم العلاقة بين السلطة والمجتمع، ويضمن مشاركة مختلف القوى في إدارة الدولة.
وتكرر هذا النمط في مراحل لاحقة. فكل انتقال كبير في السلطة كان يُقدَّم بوصفه بداية لعهد جديد، لكنه لم ينجح في بناء اتفاق يطمئن مختلف فئات المجتمع إلى أن حقوقها ومكانتها ومستقبلها مصونة، بغض النظر عمن يحكم. ولذلك بقي الشعور بالأمان السياسي مرتبطاً بهوية السلطة أكثر من ارتباطه بقوة المؤسسات أو بحكم القانون.
وعندما يفقد المواطن ثقته بأن حقوقه محفوظة بقواعد عامة تسري على الجميع، يبدأ بالبحث عن مصادر حماية بديلة؛ فيلجأ إلى الطائفة، أو العشيرة، أو الحزب، أو الجماعة المسلحة، أو أي إطار يعتقد أنه أكثر قدرة على حمايته من الدولة. وهنا تبدأ الدولة بخسارة إحدى أهم وظائفها: أن تكون الضامن المشترك لجميع مواطنيها.
ولا يحدث هذا التحول دفعة واحدة، بل يتراكم تدريجياً. فكلما ضعفت الثقة بالدولة، ازدادت قوة الولاءات الفرعية بوصفها مصادر للأمن والتمثيل والحماية، حتى يغدو الانتماء إلى الجماعة أسبق من الانتماء إلى الدولة، لا بدافع القناعة دائماً، بل بدافع البحث عن الأمان.
وعند هذه النقطة، لا تعود الشرعية تُنتج من خلال المواطنة، بل من خلال الولاءات الجزئية. وكلما ترسخت هذه الولاءات، ازدادت صعوبة بناء شرعية وطنية جامعة، لأن الشرعية لا تستقر في مجتمع لا يشعر أفراده بأنهم شركاء متساوون في الدولة، بل جماعات تتنافس على السيطرة عليها.
ثالثاً: عندما تضعف المؤسسات… تصبح السلطة أقوى من الدولة
لا تستطيع أي دولة أن تنتج الشرعية باستمرار إذا بقيت معتمدة على الأشخاص. فالشرعية الحديثة لا تقوم على الثقة بالحاكم، مهما كانت كفاءته أو نزاهته، وإنما على الثقة بالمؤسسات التي تضبط ممارسة السلطة، وتجعلها خاضعة لقواعد مستقرة لا تتغير بتغير الأشخاص.
ولهذا لا يُقاس نضج الدولة بمدى قوة رئيسها، بل بمدى استقلال مؤسساتها. فكلما ازدادت قدرة هذه المؤسسات على أداء وظائفها وفق القانون، تراجعت أهمية الأشخاص، وأصبح انتقال السلطة حدثاً طبيعياً لا يهدد استقرار النظام السياسي ولا شرعيته.
أما عندما تضعف المؤسسات، فإن السلطة تميل بطبيعتها إلى التركز في يد الأفراد، لأن غياب المؤسسة المستقلة يجعل القرار مرتبطاً بمن يشغل المنصب، لا بالقواعد التي تحكمه. وهكذا تنتقل الدولة، تدريجياً، من حكم المؤسسات إلى حكم الأشخاص.
وقد بلغت هذه الظاهرة أوضح صورها في العقود التي أعقبت عام 1970. فقد شهدت البلاد درجة عالية من الاستقرار السياسي مقارنة بالمراحل السابقة، إلا أن هذا الاستقرار ارتبط بدرجة كبيرة بتركيز القرار في قمة هرم السلطة، أكثر من ارتباطه باستقلال المؤسسات العامة. وأصبحت فاعلية كثير من المؤسسات مرهونة بقربها من مركز القرار، لا بالاستقلال الذي يكفله لها القانون. وقد وفر هذا النموذج استقراراً سياسياً لفترة طويلة، لكنه جعل استمرار النظام يعتمد على تماسك السلطة أكثر مما يعتمد على قوة المؤسسات بوصفها الضامن الدائم لاستمرارها.
وهنا تكمن المشكلة. فالمؤسسات تستطيع أن تصحح أخطاءها، وأن تستعيد ثقة المواطنين مع الزمن، لأنها تبقى رغم تغير القائمين عليها. أما عندما تتمحور السلطة حول أشخاص بعينهم، فإن نجاح الدولة وإخفاقها يرتبطان بهم، حتى تتداخل صورة الدولة مع صورة السلطة. وعندئذ، لا يؤدي تراجع الثقة بالحاكم إلى إضعاف السلطة وحدها، بل يمتد أثره إلى إضعاف ثقة المواطنين بالدولة نفسها.
ولم يكن هذا النمط حكراً على مرحلة بعينها، بل تكرر بأشكال مختلفة في التجربة السورية. وكانت النتيجة واحدة تقريباً: إضعاف قدرة المؤسسات على أداء دورها بوصفها حكماً بين القوى الاجتماعية والسياسية، وتحولها، بدرجات متفاوتة، إلى أدوات تعكس موازين القوة داخل السلطة أكثر مما تعكس سيادة القانون.
ومن المفارقات أن السلطة الشخصية قد تحقق سرعة في اتخاذ القرار، أو توفر قدراً من الاستقرار، لكنها لا تنتج شرعية مستدامة. فالشرعية الحديثة لا تُقاس بقدرة النظام على اتخاذ القرار، بل بقدرته على بناء مؤسسات تستمر في أداء وظائفها بغض النظر عمن يشغل مواقع السلطة. وعندما ترتبط كفاءة الدولة بشخص الحاكم أكثر من ارتباطها بالمؤسسات، يصبح انتقال السلطة نفسه مصدراً للقلق، لأن الدولة لم تعد منفصلة عن السلطة بالقدر الكافي.
ولهذا لا يؤدي ضعف المؤسسات إلى إضعاف كفاءة الدولة فحسب، بل يقوض أيضاً قدرتها على إعادة إنتاج الشرعية. فكلما تراجعت المؤسسة، اتسعت مساحة السلطة الشخصية، وأصبحت شرعية النظام أكثر ارتباطاً بالأفراد وأقل ارتباطاً بالدولة.
ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة في تآكل الشرعية. فعندما تصبح السلطة فوق المؤسسة، يصبح من الصعب أن يبقى القانون فوق السلطة. فلا يعود القانون هو الذي يحدد حدود ممارسة السلطة، بل تصبح السلطة هي التي تحدد كيف يُفسر القانون، ومتى يُطبق، وعلى من يُطبق. وعند هذه النقطة ننتقل إلى الحلقة التالية في سلسلة تآكل الشرعية: تسييس القانون بدل سيادة القانون.
رابعاً: عندما يفقد القانون حياده
لا يكتسب القانون قيمته من كونه مكتوباً في الدستور أو منشوراً في الجريدة الرسمية، بل من كونه يُطبق على الجميع بالمعايير نفسها. فالقانون ليس مجرد نصوص، وإنما هو القاعدة التي تلتزم بها الدولة قبل أن تُلزم بها المواطنين. ولذلك لا تعني سيادة القانون كثرة القوانين، بل خضوع السلطة نفسها للقانون.
ولهذا قد تمتلك دولتان دساتير متشابهة، لكن الفارق بينهما يكون هائلاً. ففي إحداهما يكون القانون مرجعاً يحتكم إليه الجميع، بمن فيهم أصحاب السلطة، وفي الأخرى يتحول إلى أداة بيد السلطة، فتشدد تطبيقه على خصومها، وتتساهل في تطبيقه على أنصارها، أو تعيد تفسيره كلما اقتضت مصلحتها ذلك.
وقد بلغت هذه المشكلة إحدى أوضح صورها في سورية مع استمرار العمل بقانون الطوارئ لعقود طويلة، إلى جانب إنشاء محاكم استثنائية للنظر في قضايا ذات طبيعة سياسية أو أمنية. وبصرف النظر عن المبررات التي قُدمت آنذاك، فإن النتيجة المؤسسية كانت واحدة: اتسعت مساحة الاستثناء على حساب القاعدة العامة، وأصبح تطبيق القانون، في نظر شريحة واسعة من المواطنين، مرتبطاً بطبيعة القضية أو بالشخص المعني أكثر من ارتباطه بمعيار قانوني عام يسري على الجميع.
وعندما يفقد القانون حياده، يفقد أهم وظيفة يؤديها في إنتاج الشرعية، وهي طمأنة المواطن إلى أن حقوقه لا تتوقف على قربه من السلطة أو بعده عنها. فالمواطن قد يقبل حكماً قضائياً ضده إذا كان يثق باستقلال القضاء، لكنه يصعب أن يقبل الحكم نفسه إذا اعتقد أن نتيجته كانت ستختلف لو كان ينتمي إلى جماعة أخرى أو يمتلك نفوذاً أكبر.
ولا يقتصر أثر ذلك على القضاء، بل يمتد إلى صورة الدولة في وعي المجتمع. فعندما يترسخ الاعتقاد بأن القانون لا يُطبق على الجميع بالمعايير نفسها، يبدأ المواطن بالبحث عن وسائل حماية بديلة عبر النفوذ، أو العلاقات، أو الانتماءات الضيقة، بدل الاعتماد على القانون. وهكذا لا تتراجع الثقة بالقضاء وحده، بل تتراجع الثقة بفكرة الدولة القانونية نفسها.
وقد عرفت سورية، مثل كثير من الدول التي ضعفت فيها المؤسسات، مراحل تراجع فيها الشعور بأن القانون يقف على مسافة واحدة من الجميع. ولم يكن أثر ذلك قانونياً فقط، بل سياسياً واجتماعياً أيضاً، لأن المواطنين أخذوا ينظرون إلى العدالة بوصفها مرتبطة بميزان القوة أكثر من ارتباطها بميزان الحق. وعندما يحدث ذلك، لا تتآكل الثقة بالقضاء وحده، بل تتآكل إحدى أهم ركائز الشرعية.
وهنا تدخل الشرعية أحد أخطر مآزقها. فالسلطة تستطيع أن تفرض الامتثال، لكنها لا تستطيع أن تفرض الاقتناع بعدالتها. وبين الامتثال والاقتناع تتحدد المسافة التي تتكون فيها الشرعية أو تبدأ بالتآكل.
ومن هنا يصبح غياب المساءلة نتيجة طبيعية لاختلال العلاقة بين السلطة والقانون. فإذا كان القانون لم يعد قادراً على ضبط السلطة، فمن الذي يراقب السلطة نفسها؟ وهنا نصل إلى الحلقة التالية في سلسلة تآكل الشرعية: غياب المساءلة.
خامساً: غياب المساءلة… حين تفقد السلطة قدرتها على تصحيح نفسها
ليست المساءلة وسيلة لمعاقبة الحكام، وإنما هي الآلية التي تمنع تراكم الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات. فكل نظام سياسي يخطئ، وكل إدارة ترتكب قرارات غير موفقة، لكن الفرق بين الأنظمة المستقرة والأنظمة الهشة لا يكمن في وجود الخطأ أو غيابه، وإنما في قدرتها على اكتشافه وتصحيحه.
ولهذا لا تقوم الشرعية على افتراض عصمة السلطة، بل على وجود مؤسسات قادرة على مراجعة قراراتها، ومحاسبة مسؤوليها، وتصحيح مسارها عند الضرورة. فالمساءلة ليست نقيضاً للاستقرار، بل أحد أهم شروطه.
وعندما تغيب هذه الآلية، تبدأ السلطة بفقدان قدرتها على التعلم من أخطائها. فالقرار الذي لا يخضع للنقد يتكرر، والخطأ الذي لا يُحاسب عليه أحد يتحول إلى ممارسة اعتيادية، والمؤسسة التي لا تراجع أداءها تفقد، تدريجياً، كفاءتها وثقة المجتمع بها.
وقد عرفت سورية، على امتداد عقود، نمطاً كانت فيه مراجعة السياسات العامة أو محاسبة كبار المسؤولين تتم، في الغالب، داخل دوائر السلطة نفسها، أكثر مما تتم عبر مؤسسات رقابية مستقلة أو آليات دستورية معلنة. وكان من الممكن أن تتغير الحكومات أو يُعفى بعض المسؤولين، لكن ذلك لم يكن يعني بالضرورة وجود نظام مساءلة مؤسسي يتيح للمجتمع معرفة أسباب الإخفاق، ويضمن عدم تكراره.
وهنا يبدأ التآكل الحقيقي للشرعية. فالمواطن لا يفقد ثقته بالدولة بسبب خطأ واحد، وإنما عندما يقتنع بأن الخطأ لن يُصحح، وأن المسؤول لن يُحاسب، وأن الطريق إلى العدالة مغلق مهما كانت الأدلة واضحة. وعندئذ، لا يعود فقدان الثقة مرتبطاً بالحادثة نفسها، بل بالطريقة التي يعمل بها النظام السياسي بأكمله.
ولم تكن المشكلة في وقوع الأخطاء، فذلك أمر تعرفه جميع الدول، وإنما في غياب آليات مؤسسية تضمن مراجعتها وتصحيحها بصورة منتظمة وشفافة. فحين ترتبط المحاسبة بإرادة السلطة نفسها، لا بالقانون والمؤسسات، تتحول من حق للمجتمع إلى أداة من أدوات الإدارة السياسية. وهكذا تخسر الشرعية إحدى أهم وسائل تجديدها، لأن المجتمع لا يعود يرى أن النظام يمتلك القدرة على تصحيح نفسه من داخله.
وعندما تعجز السلطة عن تصحيح نفسها، يصبح التغيير أكثر صعوبة وأكثر كلفة. فبدل أن تُعالج الأزمات وهي محدودة عبر أدوات دستورية ومؤسسية، تستمر في التراكم حتى تتحول إلى أزمات عامة تمس المجتمع كله.
ومع استنفاد أدوات إنتاج الشرعية الواحدة تلو الأخرى، لا يبقى أمام السلطة سوى أداة تتسع على حساب سائر الأدوات: إنتاج الرهبة. وعندئذ لا يعود البطش وسيلة استثنائية لمواجهة خطر محدد، بل يصبح بل يصبح الوسيلة الرئيسة التي تُدار بها العلاقة بين السلطة والمجتمع. فلا يعود المقصود من استعراض القوة، أو التوسع في الاعتقال، أو تشديد العقوبات، معالجة مخالفة بعينها، بقدر ما يصبح ترسيخ شعور دائم بأن العقاب حاضر في كل لحظة، وأن قدرة السلطة على البطش لا تحدها حدود واضحة. وهكذا يتحول الخوف من استجابة مؤقتة لسياسة السلطة إلى حالة دائمة تحكم علاقة المجتمع بها، ويغدو مجرد استحضار قدرتها على البطش أكثر أثراً من ممارسته الفعلية في كثير من الأحيان. وقد يفرض هذا النمط قدراً من الطاعة، لكنه لا ينتج الشرعية، لأن الرهبة تستطيع أن تنتج الامتثال، لكنها تعجز عن إنتاج القبول الطوعي الذي تقوم عليه الشرعية المستدامة.
ومنذ تلك اللحظة، لا يعود بقاء السلطة قائماً على قدرتها على تجديد الشرعية، بل على قدرتها على الحفاظ على مواقعها. وعندها يغدو تداول السلطة سلمياً أكثر صعوبة، لأن انتقالها لم يعد يُنظر إليه بوصفه جزءاً طبيعياً من عمل النظام السياسي، بل بوصفه تهديداً للنظام نفسه.
سادساً: استحالة التداول السلمي للسلطة
لا يُختبر النظام السياسي عندما يفوز في الانتخابات، ولا عندما يحقق إنجازاً كبيراً، بل عندما يحين وقت انتقال السلطة. فهناك وحده يظهر الفرق بين دولة تحكمها المؤسسات، ودولة تحكمها موازين القوة.
في الأنظمة التي تتمتع بشرعية مستقرة، لا يمثل انتقال السلطة أزمة وطنية. فالخاسر في الانتخابات يخسر الحكومة، لكنه لا يخسر الدولة، والفائز يربح حق إدارة السلطة، لكنه لا يمتلكها. ذلك أن الجميع يدرك أن المؤسسات باقية، وأن القانون مستمر، وأن حقوق المواطنين لا تتغير بتغير الحكومات.
ولهذا لا يكون تداول السلطة مجرد إجراء دستوري، بل تأكيداً متجدداً على أن الشرعية تقوم على القواعد لا على الأشخاص، وأن الدولة أكبر من الحكومات.
أما عندما تضعف الشرعية، فإن معنى السلطة يتغير. فهي لا تعود وظيفة عامة مؤقتة، بل تتحول إلى الضامن الوحيد للمكانة السياسية، وللنفوذ، وأحياناً للأمن الشخصي. وعندئذ يصبح التمسك بها مسألة وجودية، لا مجرد خيار سياسي.
ولهذا لا يكون غياب التداول السلمي للسلطة سبباً مستقلاً في أزمة الشرعية، بل النتيجة المنطقية لمسار بدأ قبل ذلك بكثير. فحين يغيب التوافق الوطني، ويضعف العقد الاجتماعي، وتفقد المؤسسات استقلالها، ويتحول القانون إلى أداة في يد السلطة، وتختفي المساءلة، يصبح من الصعب أن يثق أي طرف بأن خروجه من السلطة لن يتحول إلى خروجه من الدولة نفسها.
ومنذ تلك اللحظة، يتغير معنى السياسة ذاته. فلا تعود منافسة على إدارة الشأن العام، بل تصبح صراعاً على البقاء. ولا تعود السلطة وسيلة لخدمة الدولة، بل تصبح شرطاً للبقاء داخلها.
وقد تجلت هذه المعضلة بأوضح صورها مع اندلاع الاحتجاجات عام 2011. فبصرف النظر عن المواقف المختلفة من أسبابها أو مسارها أو نتائجها، فقد كشفت الأحداث أن النظام السياسي لم يكن يمتلك آليات مؤسسية تسمح بإعادة إنتاج الشرعية أو إدارة الصراع على السلطة ضمن قواعد يتفق عليها الجميع. وسرعان ما انتقل الصراع من خلاف سياسي إلى صراع على الدولة نفسها، لأن الأطراف المختلفة لم تكن تثق بوجود مؤسسات قادرة على حماية حقوقها إذا تغير ميزان القوة.
ولم تكن المشكلة في اندلاع الاحتجاجات في حد ذاته، فالتظاهرات والأزمات السياسية تعرفها دول كثيرة، وإنما في أن النظام السياسي لم يكن يملك قنوات دستورية ومؤسسية تستوعب الأزمة، وتجدد الشرعية، وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وعندما تغيب هذه القنوات، يصبح كل تغير في موازين القوة مشروعاً لتغيير الدولة نفسها، لا مجرد تغيير في السلطة التي تديرها.
وهذا هو الثمن الحقيقي لغياب التداول السلمي للسلطة. فهو لا يحرم المجتمع من تغيير الحكومات فحسب، بل يحرمه أيضاً من الوسيلة الطبيعية لتجديد الشرعية، وتصحيح الأخطاء، وإعادة بناء الثقة، دون أن تدخل الدولة في أزمة وجودية مع كل تحول سياسي.
وقد عرف التاريخ السوري هذا النمط في أكثر من مرحلة، وإن اختلفت ظروف كل مرحلة وأسبابها المباشرة. فكان تغيير السلطة، في كثير من الأحيان، يتم خارج الآليات السياسية الطبيعية، لأن تلك الآليات لم تكن قد ترسخت أصلاً، أو لأنها فقدت ثقة الفاعلين السياسيين. وهكذا أصبح انتقال السلطة حدثاً استثنائياً، مع أن الأصل في الدولة الحديثة أن يكون إجراءً اعتيادياً لا يهدد استقرار النظام ولا وحدة المجتمع.
وعندما تصل الدولة إلى هذه المرحلة، تكون الشرعية قد فقدت إحدى أهم وسائل تجديدها. فالسلطة التي لا يمكن تداولها لا تعود مضطرة إلى كسب ثقة المجتمع بصورة متكررة، والمجتمع الذي لا يمتلك وسائل سلمية لتغيير السلطة يفقد، تدريجياً، ثقته بأن النظام السياسي قادر على إصلاح نفسه من الداخل.
وعندئذ، لا يبقى أمام السلطة سوى الاعتماد على القوة للحفاظ على بقائها. غير أن القوة تستطيع أن تفرض الامتثال، لكنها لا تستطيع أن تنتج القبول؛ وتستطيع أن تؤخر الأزمة، لكنها لا تستطيع أن تنهيها.
الخاتمة
من السهل ردُّ أزمات الدول إلى أخطاء الحكام، أو فساد النخب، أو سوء الإدارة. ولا شك أن هذه العوامل تؤدي دوراً مهماً، لكنها لا تفسر وحدها لماذا تتكرر الأزمة نفسها مع تغير الأشخاص، واختلاف الشعارات، وتبدل مصادر الشرعية.
إن ما تكشفه التجربة السورية هو أن الشرعية لا تفشل لأن المجتمع يفتقر إلى مصادر تمنحها، بل لأنه يفتقر إلى الآليات التي تعيد إنتاجها بصورة مستمرة. فقد امتلكت الدولة في مراحل مختلفة مصادر متعددة للشرعية؛ من شرعية الاستقلال، إلى شرعية التغيير، إلى شرعية الإنجاز، وصولاً إلى شرعيات أخرى استندت إلى شعارات قومية أو وطنية أو ثورية. لكن أيّاً من هذه المصادر لم يستطع أن يتحول إلى نظام مؤسسي قادر على تجديد الشرعية مع مرور الزمن.
ولم يكن هذا الإخفاق نتيجة خلل واحد، بل ثمرة سلسلة مترابطة من الاختلالات؛ يبدأها غياب التوافق الوطني، ثم هشاشة العقد الاجتماعي، فضعف المؤسسات، فتسييس القانون، ثم غياب المساءلة، ثم انسداد التداول السلمي للسلطة، حتى تفقد الدولة قدرتها على تجديد شرعيتها بصورة طبيعية.
وهذه الاختلالات ليست أزمات منفصلة، بل حلقات في منظومة واحدة، يفضي كل منها إلى الآخر، حتى تدخل الدولة في مسار يتآكل فيه رصيد الشرعية تدريجياً، وتصبح عاجزة عن إعادة إنتاج الثقة التي تقوم عليها.
وعندما تصل الدولة إلى هذه المرحلة، تصبح القوة قادرة على فرض الطاعة، لكنها تعجز عن إنتاج الشرعية. فالإكراه قد يحقق الاستقرار مؤقتاً، لكنه لا ينتج الثقة. والخوف قد يمنع الاعتراض، لكنه لا يصنع القبول. أما الشرعية، فلا تنشأ إلا عندما يقتنع المواطن بأن الدولة تحمي حقوقه بوصفه مواطناً، لا بوصفه منتمياً إلى جماعة بعينها أو قريباً من السلطة.
والأخطر أن غياب الشرعية لا يبقى نتيجة لهذه الاختلالات، بل يتحول إلى عامل يعمقها. فكلما ضعفت الشرعية، ازدادت حاجة السلطة إلى وسائل استثنائية لتعويض ما فقدته من القبول الطوعي. وكلما توسع الاعتماد على هذه الوسائل، ازدادت صعوبة استعادة الثقة. وهكذا تدخل الدولة في حلقة مفرغة، تستهلك فيها ما تبقى لديها من رصيد الشرعية بدل أن تعيد إنتاجه.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل السوريين اليوم ليس: من يحكم؟ وإنما: كيف نبني نظاماً سياسياً قادراً على إنتاج الشرعية بصورة مستمرة، بحيث لا تبقى الدولة رهينة الأشخاص، ولا تتوقف شرعيتها على انتصار هذا الطرف أو هزيمة ذاك؟
وهنا نصل إلى النتيجة التي يقود إليها هذا المقال. فإذا كانت أزمة الشرعية في سورية تعود، في جذورها، إلى غياب توافق وطني جامع حول الدولة وقواعد إدارتها، فإن أي محاولة لإنتاج شرعية جديدة ستظل معرضة للفشل ما لم تبدأ من هذه الحلقة الأولى. فلا يمكن بناء مؤسسات مستقلة قبل الاتفاق على الدولة، ولا يمكن ترسيخ سيادة القانون قبل الاتفاق على قواعد العيش المشترك، ولا يمكن أن تصبح المواطنة أساساً للشرعية إذا بقي الانقسام حول الدولة نفسها قائماً.
ولهذا فإن الطريق إلى الشرعية لا يبدأ بصناديق الاقتراع وحدها، ولا بالدساتير وحدها، ولا بتغيير الحكومات وحده، بل يبدأ، قبل ذلك كله، بالتوافق على الدولة التي يريد السوريون أن يعيشوا فيها معاً، وبالقواعد التي تجعل اختلافهم مصدر قوة، لا سبباً دائماً لتآكل الشرعية. ومن دون هذا التوافق، ستظل كل شرعية جديدة معرضة لأن تعيد إنتاج أزمات الماضي، مهما اختلفت الشعارات أو تبدلت النخب.
ومن هنا يبدأ المقال التالي في هذه السلسلة. فإذا كان غياب التوافق الوطني هو الحلقة الأولى في تعثر الشرعية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن بناء توافق وطني لا يقوم على إلغاء الاختلاف، بل على تنظيمه داخل دولة واحدة يتساوى فيها جميع المواطنين؟