الشرعية.. المصنع الذي ينتج القيمة
ليست النقود مجرد واحدة من أعظم اختراعات البشر، بل لعلها أعظم شاهد على قدرتهم على صناعة القيمة. فكل صباح، يخرج مليارات الناس إلى أعمالهم، ويبدلون سنوات من أعمارهم بأوراق لا تكاد تساوي قيمة مادتها، أو بأرقام لا وجود مادياً لها أصلاً. ومع ذلك، تُشترى بها البيوت، وتُدار بها الاقتصادات، وتُقام بها الشركات، وتُقاس بها ثروات الأمم.
ليس في الورقة، ولا في الحبر، ولا في الأرقام ما يفسر هذه القوة المدهشة. فلو وقعت هذه الأوراق في يد إنسان قبل ألف عام، أو في يد مجتمع لا يعترف بها اليوم، لما رأى فيها أكثر من ورق مزخرف لا يصلح إلا للكتابة أو لإشعال النار. فما الذي يجعلها تختزن كل هذه القيمة؟ وكيف استطاع شيء يكاد لا يساوي قيمة مادته أن يصبح مقياساً لقيمة كل شيء آخر؟
قد يبدو الجواب لأول وهلة بسيطاً: لأنها نقود. لكن هذا ليس جواباً، بل إعادة للسؤال بصيغة أخرى. فالنقود ليست قيمة لأنها نقود، وإنما أصبحت نقوداً لأنها اكتسبت قيمة. والسؤال الحقيقي هو: من أين جاءت هذه القيمة؟
إنها لم تأتِ من الورق، ولا من الحبر، ولا من الأرقام المطبوعة، ولا من مجرد إصدارها عن بنك مركزي. لقد جاءت من شيء لا يمكن لمسه أو رؤيته، لكنه أقوى من الذهب والحديد معاً. ” جاءت من الشرعية “. فالورقة النقدية لا تصبح مالاً لأنها مطبوعة بإتقان، بل لأنها صادرة عن جهة يعترف المجتمع بحقها في إصدارها، ويثق الناس بأن الآخرين سيقبلونها اليوم كما سيقبلونها غداً. ولو انهارت هذه الثقة لتحولت في لحظة واحدة إلى مجرد ورق، دون أن يتغير فيها شيء واحد. لم تفقد مادتها، بل فقدت شرعيتها، ومع فقدان الشرعية اختفت القيمة.
لعلنا نكتشف عند التأمل أن الأمر لا يقتصر على النقود. فالشهادة الجامعية ليست مجرد ورقة مختومة، وإنما تصبح ذات قيمة لأن المجتمع يعترف بشرعية الجهة التي أصدرتها. ولو أصدرت الجهة نفسها الورقة ذاتها من دون هذا الاعتراف، لما تجاوزت قيمتها قيمة الحبر الذي كُتبت به. والأمر نفسه ينطبق على الملكية؛ فما يجعل هذا المنزل ملكاً لصاحبه ليس الجدران ولا وجوده داخله، بل اعتراف المجتمع والقانون بشرعية هذا الحق. وهكذا يتبين أن القيمة نفسها ليست خاصية كامنة في الأشياء، بل علاقة اجتماعية تنتجها الشرعية.
وهنا تبدأ الفكرة التي تستحق التأمل. فالشرعية ليست مفهوماً سياسياً يخص الحكومات والانتخابات والدساتير فحسب، كما اعتدنا أن نتعامل معها. إنها أوسع من ذلك بكثير. إنها الآلية التي ينتج بها المجتمع القيمة نفسها. إنها المصنع الخفي الذي يحول الأشياء من مجرد أشياء إلى وقائع اجتماعية لها معنى وأثر. فالنقود لا تصبح نقوداً إلا بالشرعية، والملكية لا تصبح حقاً إلا بالشرعية، والشهادة الجامعية لا تصبح شهادة إلا بالشرعية، والحكم القضائي لا يصبح نافذاً إلا بالشرعية، والقانون لا يصبح قانوناً إلا بالشرعية، والسلطة لا تكتسب قوتها وفعاليتها المقبولة والمعترف بها إلا بالشرعية.
إن المجتمع الحديث ليس تجمعاً من المباني والقوانين والمؤسسات بقدر ما هو شبكة هائلة من الشرعيات المتداخلة. ولو نزعنا هذه الشرعيات من تحته لتداعى البناء كله، لا لأن الإسمنت سيتفتت، بل لأن المعاني نفسها ستنهار. فنحن لا نثق بالطبيب لأنه يحمل سماعة، بل لأن المجتمع اعترف بشرعية علمه. ولا نقبل حكم القاضي لأنه يرتدي روباً أسود، بل لأن المحكمة التي يمثلها تتمتع بشرعية إصدار الأحكام. ولا نطيع الشرطي لأنه يحمل السلاح، بل لأن المجتمع منحه شرعية استخدام القوة ضمن حدود القانون. بل حتى الملكية الخاصة ليست حقيقة مادية، وإنما حقيقة اجتماعية. فما الذي يجعل هذا المنزل منزلك؟ ليس أنك تقف داخله، ولا أنك تستطيع الدفاع عنه، بل لأن المجتمع يعترف بشرعية ملكيتك له ويحميها بالقانون.
ولذلك فإن الشرعية لا تضيف القيمة إلى الأشياء، بل تخلقها. إنها لا تزين الواقع، بل تصنعه. وما نسميه في حياتنا اليومية ثقة، ليس في الحقيقة سوى الوجه الآخر للشرعية. فنحن نتحدث كثيراً عن ضرورة بناء الثقة، وكأن الثقة قرار أخلاقي يمكن إعلانه بخطاب أو حملة إعلامية، بينما الثقة ليست نقطة البداية، بل هي النتيجة. إنها الثمرة التي تنمو عندما يشعر الناس بأن السلطة تمارس حقاً مشروعاً، وأن القانون يُطبق على الجميع، وأن المؤسسات لا تعمل وفق الأهواء الشخصية، بل وفق قواعد مستقرة يمكن التنبؤ بها. ولذلك فإن الناس لا يثقون بالعملة لأنهم يحبونها، بل لأنهم يثقون بشرعية النظام الذي أصدرها، ولا يثقون بالمحاكم لأنهم يعرفون القضاة شخصياً، بل لأنهم يثقون بشرعية المؤسسة القضائية، ولا يثقون بالدولة لأن حكامها معصومون من الخطأ، بل لأنهم يثقون بشرعية النظام الذي ينظم انتقال السلطة وممارستها ومحاسبتها.
ومن هنا يمكن ـ مع شيء من التبسيط ـ صياغة معادلة ربما تبدو بسيطة، لكنها تفسر جانباً كبيراً من قيام الدول وسقوطها، وبشكل خاص في المجتمعات التي تخرج من تحت الرماد: الشرعية تولد الثقة، والثقة تولد القيمة، والقيمة تولد الاستقرار. وحين تتآكل الشرعية يبدأ كل شيء آخر بالتآكل معها. تبدأ الثقة بالانحسار، ثم تتراجع قيمة المؤسسات، ثم يصبح القانون مجرد نص، وتتحول السلطة إلى جهاز إكراه، ويبدأ المجتمع كله بفقدان الإيمان بالقواعد التي كانت تنظم حياته.
ولعل هذا هو المعنى الحقيقي لتعريف ماكس فيبر للدولة حين قال إنها تحتكر الاستخدام المشروع للقوة. فكثيرون يقرأون هذه العبارة ويتوقفون عند كلمة “القوة”، مع أن الكلمة الحاسمة هي “المشروع”. والمقصود هنا ليس على الدولة أن تكون عادلة بالضرورة، بل أن المجتمع يعترف بحقها، دون غيرها، في ممارسة القوة ضمن إطار القانون. فالقوة تمتلكها العصابات أيضاً، وتمتلكها الميليشيات، وتمتلكها الجيوش الخاصة، والغزاة، لكن ما يميز الدولة عنها جميعاً ليس كمية السلاح، بل شرعية استخدامه. فالقوة وحدها تستطيع أن تفرض الطاعة، لكنها لا تستطيع أن تخلق الاعتقاد بحقها في فرض الطاعة. تستطيع أن تنتزع الصمت، لكنها لا تستطيع أن تنتزع الثقة. والخوف قد يصنع امتثالاً مؤقتاً، لكنه لا يصنع دولة.
ولهذا فإن السلطة تشبه النقود أكثر مما تشبه البندقية. فالعملة تعمل لأن الناس يثقون بها، والسلطة تستقر لأن الناس يثقون بشرعيتها. وإذا فقدت العملة شرعيتها أصبحت مجرد ورقة، وإذا فقدت السلطة شرعيتها أصبحت مجرد جهاز قادر على الإكراه. وفي الحالتين يبقى الشكل الخارجي كما هو، لكن القيمة تكون قد غادرت.
لكن الشرعية في الدول المعاصرة ليست صكاً يمنحه المجتمع مرة واحدة ثم يبقى صالحاً إلى الأبد. إنها علاقة متجددة بين السلطة والمجتمع، تقوم على الاعتراف المستمر بأن من يمارس السلطة يفعل ذلك وفق قواعد عامة، لا وفق امتياز شخصي. ولهذا لا تُختبر الشرعية في لحظة الوصول إلى الحكم، بل في الطريقة التي يُمارس بها الحكم بعد الوصول إليه.
غير أن الشرعية ليست شيئاً واحداً أيضاً، ولا تتمتع كل أنواعها بالقدرة نفسها على البقاء. فهناك شرعيات تُولد وهي تحمل في داخلها تاريخ انتهاء صلاحيتها، لأنها تستمد قوتها من حدث استثنائي لا يتكرر؛ كثورة، أو حرب تحرير، أو شرعية الضرورة، أو لحظة إجماع عاطفي. هذه الشرعيات قد تكون هائلة القوة في لحظة ميلادها، لكنها تعيش على استهلاك رصيد راكمته في الماضي، حتى تبدأ قيمته بالتآكل مع تغير الظروف والأسئلة. وقد تتحول إلى عبء على السلطة نفسها، بل إلى محرقة تلتهم ما تبقى من رصيدها، إذا عجزت عن إنجاز ما وُلدت من أجله أو ما علقه المجتمع عليها من آمال.
وفي المقابل، هناك شرعيات لا تعيش على الماضي، بل تنتج نفسها باستمرار. لا تعتمد على الذاكرة، بل على المؤسسات، ولا على الأشخاص، بل على القواعد، ولا على البطولة، بل على إجراءات يعرف الجميع كيف ومتى وإلى أي حد يمكن أن تعمل. إنها شرعيات تتجدد كلما جرت انتخابات نزيهة، أو صدر حكم قضائي مستقل، أو انتقلت السلطة سلمياً، أو خضعت للمساءلة. فهي لا تستهلك رصيدها، بل تعيد إنتاجه باستمرار.
وهنا يكمن الفرق الحقيقي بين الدولة التي تعيش على شرعية مؤقتة، والدولة التي تبني شرعية قادرة على الحياة. فالمشكلة ليست في أن تبدأ السلطة بشرعية ثورية، أو كاريزمية، أو شرعية ضرورة؛ فكثير من السلطات تبدأ في ظروف استثنائية. المشكلة أن تبقى أسيرة تلك اللحظة، فلا تنجح في تحويل الشرعية الاستثنائية إلى شرعية مؤسسية قادرة على تجديد نفسها بعد أن يخفت وهج البدايات.
وهذه ليست مشكلة سلطة بعينها، بل معضلة تتكرر كلما حاولت سلطةٌ وُلدت في ظرف استثنائي أن تحكم مجتمعاً دائماً بأدوات اللحظة الاستثنائية نفسها. فالاستثناء قد يكون طريقاً إلى السلطة، لكنه لا يستطيع أن يكون قاعدة دائمة لبناء الدولة.
وربما أخطأنا طويلاً حين تصورنا أن الدول تُبنى بالقوة. فالقوة تستطيع أن تفتح أبواب القصور، لكنها لا تستطيع أن تجعل الناس يرون فيمن يجلس داخلها سلطةً مشروعة. والقوة تستطيع أن تفرض النظام لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تنتج الثقة. والثقة لا تُفرض، ولا تُشترى، ولا تُخطب، بل تنشأ عندما يشعر المجتمع بأن السلطة تستمد حقها من شرعية قابلة للتجدد، وقابلة للمحاسبة، وقادرة على إعادة إنتاج نفسها.
وهكذا نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه، لكننا نكتشف أنه لم يكن يوماً سؤالاً عن النقود، ولا عن السلطة، بل عن الشرعية نفسها. فالورقة لا تصبح مالاً إلا بشرعية إصدارها، والقانون لا يصبح قانوناً إلا بشرعية الاحتكام إليه، ولا تستقر الدولة إلا بشرعية حكمها. وما يبني الدول في النهاية ليس الحديد، بل الشرعية القادرة على التوالد والاستمرار؛ لأنها المادة الوحيدة القادرة على تحويل الورق إلى مال، والقانون إلى عدالة، والسلطة إلى إدارة للدولة.
وإذا كانت الشرعية هي المصنع الذي ينتج القيمة، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس الفقر، ولا الانقسام، ولا حتى الهزيمة العسكرية، بل تعطل هذا المصنع. فعندما تتوقف الشرعية عن إنتاج الثقة، تتوقف الثقة عن إنتاج القيمة، ويتآكل الاستقرار معها، ولا يعود المجتمع يخسر أمواله فحسب، بل يخسر معنى مؤسساته، وهيبة قوانينه، وقدرة دولته على الاستمرار. ومن هنا لا يعود السؤال الحقيقي: من يحكم؟ ولا كيف يصل إلى الحكم؟ بل كيف تُنتج المجتمعات المعاصرة شرعيةً قادرةً على الحياة؟
لا يمكن الزعم أن مقالاً واحداً يستطيع الإجابة عن هذا السؤال، فهو أكبر من أن يختزل في فكرة أو نص، وأعمق من أن ينجزه شخص مهما كان شأنه. إلا أنه السؤال الذي ينبغي أن تبدأ منه أي محاولة جادة لبناء دولة حديثة. وربما يكون الانشغال به، والحوار حوله، والبحث الجماعي عن مفاتيح الإجابة، هو الخطوة الأولى في أي مشروع وطني يريد أن ينتقل من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة، ومن شرعيات اللحظة إلى شرعية المستقبل.