كرة القدم الساحرة: الوطنية والعولمة، والصراعات الهوياتية

img

اللعبة الساحرة، منذ نشأتها وتطوراتها في التدريب والتخطيط ونوعية اللاعبين، ومواهبهم ومهاراتهم وإنمائها، كانت ولا تزال محمولة على الشغف، والافتتان والانبهار، والتحيزات للفرق، واللاعبين المهرة، والتنافس الضاري بين الفرق، واللاعبين الكبار في المسابقات الوطنية والمحلية، والإقليمية، والقارية، والدولية.

تبدو كرة القدم، وكأنها الحياة مكثفة في منافساتها، وفي مسارات النجاح والفشل الفردي والجماعي، والصعود والهبوط للفرق واللاعبين في مسابقاتها. من ثم شكلت، ولا تزال، أحد طقوس الحياة الصاخبة، وتخطف الأبصار والعيون والانتباه والتركيز في عصر السرعة الفائقة، والنظرات، والصور الومضاتية، والفيديوهات الطلقة، وأكبر من المؤثرين وصانعي المحتوى، وذلك لدى مليارات البشر، ولا سيما الأجيال الشابة من (Y)، و(Z)، وآلفا، إلا أن طقس كرة القدم لا يزال يخطف العيون الشاخصة، والتركيز للملايين، والمليارات من البشر في عالمنا كله، في الملاعب، والتلفازات، والأجهزة الرقمية.

ثقافة كرة القدم تكاد تمثل الثقافة الأكثر شيوعاً كونياً، والتي تتجاوز ثقافات عالمنا المتعددة، فهي ذات سمت كوني، أياً كانت التفاصيل فيما وراءها، لأنها لم تعد تقتصر على تفاصيل اللعبة، ومراكز اللاعبين، وكبارهم، والمدربين، والمديرين الفنيين ذائعي الصيت عالمياً. هي ثقافة من حيث التحيزات للفرق، واللاعبين في كل دولة وداخلها مناطقياً، وأيضاً تشمل طقوس المشاهدة داخل الملاعب، وأمام التلفازات، وعلى الفضاءات الرقمية، والمشاهدات في المقاهي، والمنازل، والطرق، وأيضاً في المنتزهات العامة، والقطارات، والمترو، في المباريات الهامة، والمسابقات الإقليمية والقارية والدولية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والمنطقة العربية. تمتد ثقافة كرة القدم لتشمل معرفة بعض خطط الفرق، وأنماط التشجيع، وتنظيمات الألتراس المستجدة في تنظيم التشجيع للفرق المحلية والوطنية. ومن مكونات ثقافة كرة القدم اللغة، والأغاني، والإيقاعات المرقصة، والموسيقات، واللغات القومية، وأعلام الفرق والدول داخل الملاعب وخارجها. وتمتد مكوناتها أيضاً إلى نظام الزي، من حيث الألوان والعلامات المائزة للفرق، وانتماءاتها القومية والمحلية، من زي اللاعبين والجمهور غالباً. وثقافة كرة القدم تمتد إلى نظام الأكل والشراب، حيث يسود غالباً نظام الأكل السريع (Fast food)، والمشروبات الغازية، والمياه المعلبة، والمشروبات الكحولية في أوروبا وأمريكا الشمالية واللاتينية وآسيا وأفريقيا جنوب الصحراء.

ثقافة كرة القدم حاملة للتعدديات الثقافية في عالمنا، وأيضاً للطابع الكوني/العولمي، حيث لم تعد الفرق الكبرى القومية أو المحلية في أوروبا وغالب عالمنا قاصرة على الطابع العرقي الأبيض، وإنما فرق متعددة الأعراق والجنسيات، بل والجنسية الواحدة بالميلاد أو التجنيس. من ثم فالفرق القومية متعددة الأصول العرقية، وتضم لاعبين من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. نحن إزاء ظاهرة استثنائية، حيث تجاوزت ثقافة كرة القدم الطابع العرقي للقوميات وفرقها إلى مركزية وأهمية اللعبة ومواهبها الكبرى من اللاعبين، والمدربين، والمديرين الفنيين، الذين يتم الاستعانة بهم في الفرق القومية الكبرى والمحلية. لم يعد مهماً الأصول العرقية أو الجنسية الأصلية للاعبين الموهوبين، وما إذا كانت جنسياتهم أصلية بالميلاد أو عبر التجنيس. تجاوزت ثقافة كرة القدم، وتشكيل فرقها المحلية والقومية، النزعة اليمينية العرقية والشعبوية القومية في أوروبا، ودول أخرى في عالمنا، وباتت ثقافة كرة القدم، وتعددية أعراق فرقها، دلالة على تجاوز هيمنة الثقافة الغربية وأصولها التاريخية في عديد من مجالات الحياة التكنولوجية، والعلمية، والثقافية، والذكاء التوليدي، والرقمنة، بل وتداخلت في بعض هذه المجالات من حيث تعدد الأصول العرقية والثقافية للعلماء والعاملين البارزين فيها.

من هنا كان شغف عديدين من الفلاسفة، والروائيين، والشعراء الكبار بكرة القدم، وفنونها، ومواهب لاعبيها الكبار. نظر هؤلاء إلى طقس المشاهدة، وموسيقى اللعب، وصناعة الأهداف، والتمريرات، والترقيص، وتمرير الكرة، واللعب، والاستعراضات، والمهارات الاستثنائية، وكأنهم أمام سرديات شعرية، وقصصية، وروائية حركية، يتناسل من بعض أعطافها بعض من صور الجمال الكروي المقتطع من تفاصيل ملل الحياة اليومية، الذي تكسر قوادمه وتفصيلاته بعضٌ من اللحظات المقتطفة من الحياة خلال تسعين دقيقة، أو أكثر في بعض المباريات. ومن الشيق ملاحظة أن مباريات كرة القدم تمثل لمتابعيها من الجمهور المتعدد الطبقات الاجتماعية والتعليمية لحظة فرح جماعي، وشغف، وغناء، ورقص، وهتافات، وهجاءات، وأيضاً عنفاً لفظياً، وأحياناً مشاجرات عنيفة، وتظاهرات، وجمهورها – للفرق المحلية والقومية – أكبر من أعضاء الأحزاب السياسية، ويمارس الجمهور إبداء آرائه بحرية، وأحياناً في السياسة، على نحو ما حدث في هتافات ضد الدولة الإبادية الإسرائيلية، وعنصريتها التوراتية الأسطورية، وأيضاً من خلال رفع الأعلام الفلسطينية اعتراضاً على خروجها على الشرعية الدولية.

كرة القدم، بوصفها اللعبة الأهم كونياً، وإقليمياً، وقومياً، ارتبط تطورها بالرأسمالية الغربية أساساً، من حيث الاستثمار فيها، وتسليعها للاعبين، والفرق، والإعلانات، وفي جذب أموال الاستثمار إليها، خاصة الأندية الأوروبية الكبرى. تحولت اللعبة الساحرة إلى سوق رياضي كوني ووطني وإقليمي، يخضع للعرض والطلب للمواهب والكفاءات، من اللاعبين إلى الأجهزة الفنية والمدربين، وللأندية ذاتها وملاكها والمستثمرين في أنشطتها، وإلى الأجهزة التقنية والتدريبية، وتطوير الكفاءات تقنياً، وطبياً. بات اللاعبون، والفنيون، والمدربون محض سلع تخضع لقانون العرض والطلب في أسواق كرة القدم، والأهم أن الأندية الكبرى، وما دونها، بات الاستثمار المالي فيها يعظم الربحية للمليارديرات، وبعض الشركات الرأسمالية النيوليبرالية العاملة في المجال الرياضي، واستثماراتها في أنظمة الزي، وكافة تفاصيل السوق الرياضي، واللعبة الساحرة. لعبة فاتنة، وغاوية، واستعراضية، وتعكس في تطوراتها النزعة الاستهلاكية، في تفاصيل طقس المشاهدة في الملاعب، وإنتاج الأزياء الرياضية، والاستهلاك في نظام الأكل السريع، والمشروبات الغازية والكحولية، وشراء تذاكر دخول المباريات، أو المتابعة التلفازية على المنصات التلفازية والرقمية… إلخ.

الأهم أنها اللعبة التي يجري وراءها القادة السياسيون في حضور نهائيات المسابقات الإقليمية، والقارية، والدولية، لتوظيف طقس المشاهدة لجذب اهتمام الجمهور، وبعض من الشعبية في بلادهم وخارجها.

بعض القادة السياسيين في جنوب العالم – أفريقيا والدول العربية – يوظفون لعبة كرة القدم والمنافسات بين فرقها، كجزء من سياسة موت السياسة، أو اللاسياسة، في إحداث الانقسامات بين الفئات الاجتماعية، على أسس وانتماءات كروية للفرق المتنافسة، وإشغال الرأي العام بها، وذلك يعد بديلاً عن الانتماء والتعدد السياسي والحزبي، ومن ثم الحيلولة دون التعبئة والتنظيم حول الأفكار والبرامج السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية.

من الشيق أيضاً ملاحظة أن كرة القدم باتت تمثل أحد الموحدات الرمزية الهوياتية، في عالم المابعديات والإناسة الروبوتية، الذي تتفكك من خلاله الهويات القومية إلى هويات متعددة، ومتصارعة عرقية، ودينية، ومذهبية، وقبلية، وعشائرية، ومناطقية! في طقوس مشاهدات اللعبة الساحرة تستتر الهويات التكوينية المجزأة في المجتمعات الانقسامية (Fragment societies) في أمريكا، وأفريقيا جنوب الصحراء، والعالم العربي المفتت داخلياً، وتبدو الهوية الدولتية/«الوطنية» سائدة وراء فريقها الوطني من جماهير الهويات المتنازعة، وتبدو الوطنية الرمزية والشكلية السلطوية هي السائدة في حدها الأدنى. ومن ثم يحدث اصطفاف شعبي، وتعبئة جماهيرية، من مختلف الفئات والجماعات والهويات المتنازعة، وراء فريقها الوطني تشجيعاً ودعماً له، وذلك لأن اللعبة الساحرة، واللاعبين، وفضاء اللعب، يتحول إلى مجال للتحرر من الضغوط السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والهوياتية، خلال وقت المباريات. من ثم تنفق دول اليسر النفطي والمالي العربي أموالاً ضخمة على فرقها الوطنية، بل وعلى الفرق المحلية من كبار الأثرياء، وشراء اللاعبين الأجانب، والمدربين، والمديرين الفنيين، وتجنيس بعضهم بأجور ومكافآت ضخمة لإكساب فرقهم الوطنية بعض القدرات في المسابقات الإقليمية، والقارية، والدولية. في المباريات القومية الإقليمية والدولية، تبرز الهوية الدولتية/الوطنية، وتبدو هي السائدة بين جمهور الهويات المتصارعة والانتماءات «الطبقية». في لحظة الطقس الكروي في المسابقات الدولية، والقارية، والإقليمية، وفي مسابقة كأس العالم، يبدو رئيس الاتحاد الدولي وكأنه إمبراطور كوني، ويُستقبل بوصفه في طقوس تشير إلى أهمية كرة القدم، وكذلك بعض رؤساء الاتحادات القارية.

أثارت بعض نفقات جياني إنفانتينو، رئيس الفيفا – الاتحاد الدولي لكرة القدم – الجدل حول تنقله بين الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك بطائرات خاصة إلى عدد كبير من الملاعب خلال فترة زمنية قصيرة، على الرغم من المساحات الشاسعة التي تفصل بين مناطق ومواقع البطولة. ومن ناحية أخرى، الإقامة في الفنادق الفاخرة، التي قدرتها بعض المصادر بمئات الآلاف من الدولارات، وأطقم الحراسات الخاصة المشددة التي تماثل كبار القادة السياسيين. في حين ارتفعت أسعار تذاكر المباريات، وتكاليف السفر والإقامة. ومن ناحية أخرى، استمرارية الشكاوى من صعوبة الحصول على تأشيرات الدخول لبعض المشجعين واللاعبين، والتي سبق أن تعهد بإيجاد معالجات لها، لكنها استمرت. وشمل الجدل أيضاً راتبه السنوي الذي يناهز **٢,٤٤ مليون يورو** سنوياً، بالإضافة إلى مكافآت مالية تصل بدخله السنوي إلى أكثر من أربعة ملايين يورو سنوياً. (France News.media على الفيسبوك في ٢٢ يونيو ٢٠٢٦).

مثل السياسة، ثمة تحيزات في سياسة الاتحادات القارية والدولية، وأيضاً فساد في الإدارة، وهدر للأموال… إلخ، مثلها مثل الدول والمنظمات الدولية والإقليمية، التي تسيطر عليها البيروقراطية، وضحالة الخيال السياسي والتنظيمي، وسوء الإدارة.

طقوس مباريات كأس العالم -2026- في ظل السيولة، وبعض الاضطراب، والحروب، واللايقين، والمآلات الغائمة، تبدو وكأنها الحياة الإنسانية، وهي تمسك بإرادتها، ووجودها الحي، في مواجهة عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي، الذي يتداخل في تفاصيل اللعبة الساحرة، في التدريب، والتخطيط، والدعاية، والاستثمار، إلا أن الفعل الإنساني، ومهاراته في اللعب، يبدو محاولة للحضور، والوجود، والمعنى، في عالمنا الذي يتجاوزنا إلى ما بعد الإنسانية.

المصدر: الأهرام


الكاتب نبيل عبد الفتاح

نبيل عبد الفتاح

باحث وكاتب صحفي مصري. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وشغل منصب رئيس مركز تاريخ الأهرام، كما عمل رئيساً لفريق تحرير "تقرير الحالة الدينية" في مصر. مختصّ في شؤون الجماعات الإسلامية الأصولية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة