كيف تُنتج الشرعية؟

img

أولاً: أكبر سوء فهم في السياسة

أفكار عديدة تتكرر في الحياة السياسية تبدو وكأنها حقائق لا تحتاج إلى نقاش، مع أنها في الواقع ليست سوى تصورات اعتدنا ترديدها حتى فقدنا القدرة على مساءلتها. الشرعية واحدة من هذه الأفكار. فكثيراً ما يجري الحديث عنها كما لو أنها تُكتسب في لحظة واحدة؛ بانتخابات تُجرى، أو ثورة تنتصر، أو دستور يُقر، أو اعتراف دولي يُمنح، فإذا بالسلطة تصبح شرعية، وتنتهي المسألة. لكن هل يحدث ذلك فعلاً؟

لو كانت الشرعية تُولد في لحظة واحدة، لما رأينا سلطات وصلت إلى الحكم عبر انتخابات حرة ثم فقدت شرعيتها بعد سنوات قليلة، ولما احتاجت الدول المستقرة إلى انتخابات متكررة، وإصلاحات متواصلة، ومساءلة دائمة، وتجديد مستمر لعلاقتها بمجتمعاتها. ولو كانت الشرعية صفة تلتصق بالسلطة بمجرد نشأتها، لما أمكن لها أن تتراجع، أو تتآكل، أو تنهار.

صحيح أن الانتخابات، والثورات، والدساتير، والاعتراف الدولي، قد تمثل لحظات تأسيس بالغة الأهمية، لكنها لا تنتج الشرعية بذاتها، بل قد تفتح الباب أمام عملية إنتاجها. والفرق بين الأمرين جوهري. فافتتاح مصنع لا يعني أن الإنتاج قد تحقق، بل يعني أن شروطه الأولية أصبحت متوافرة، وأن القيمة التي سيولدها المصنع لن تتحدد بلحظة افتتاحه، وإنما بما سينتجه بعد ذلك، وبقدرته على الاستمرار في الإنتاج عاماً بعد عام. والأمر نفسه ينطبق على السلطة؛ فالوصول إلى الحكم قد يكون بداية الطريق، لكنه ليس نهاية السؤال.

ومن هنا يبدأ هذا المقال بسؤال يختلف عن السؤال الذي اعتادت الأدبيات السياسية طرحه. فبدلاً من أن نسأل: من أين تستمد السلطة شرعيتها؟ أو متى تصبح السلطة شرعية؟ سنطرح سؤالاً آخر يبدو أكثر بساطة، لكنه في الحقيقة أكثر عمقاً: كيف تُنتج الشرعية؟

إن أهمية هذا السؤال لا تكمن في استبدال سؤال بآخر، بل في نقل زاوية النظر كلها. فبدل التركيز على لحظة نشوء الشرعية أو مصادرها، يصبح الاهتمام منصباً على العملية التي تتكون من خلالها، والآليات التي تجعلها تستمر، أو تضعف، أو تتآكل، أو تنقلب إلى نقيضها. فموضوع هذا المقال ليس الشرعية بوصفها حالة قائمة، بل الشرعية بوصفها عملية اجتماعية وسياسية مستمرة، لها مرتكزاتها، وفاعلوها، وآلياتها، ومخرجاتها.

ثانياً: ماذا نعني بإنتاج الشرعية؟

ليس مفهوم الشرعية جديداً في الفكر السياسي، فقد احتل مكانة مركزية في الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع السياسي منذ زمن طويل، وحاول عدد كبير من الباحثين الإجابة عن سؤال ظل حاضراً في قلب التفكير السياسي: ما الذي يجعل سلطةً ما شرعية؟ ويُعد عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، في كتابه “الاقتصاد والمجتمع”، من أبرز من وضع الأسس الكلاسيكية لتحليل الشرعية من خلال تصنيفه لأنماطها المختلفة، ثم جاء الباحث البريطاني ديفيد بيثام، في كتابه “شرعية السلطة”، ليقدم أحد أهم النماذج المعاصرة، فاعتبر أن شرعية أي سلطة تقوم على ثلاثة شروط مترابطة: أن تمارس السلطة وفق قواعد قانونية، وأن تكون هذه القواعد قابلة للتبرير في ضوء القيم المشتركة للمجتمع، وأن توجد دلائل عملية على قبول المحكومين بها.

وقد أسهمت هذه الأعمال، وغيرها، في بناء فهم أكثر دقة للشرعية، وأصبحت تمثل اليوم جزءاً أساسياً من الأدبيات السياسية الحديثة. غير أن معظم هذه الأدبيات، بدرجات متفاوتة، ركزت على تحديد الشروط التي تجعل السلطة شرعية، ومصادر هذه الشرعية، وأنواعها، وآليات استمرارها، أكثر من تركيزها على تحليل العملية التي تتكون من خلالها، أو الكيفية التي تُنتج بها وتُعاد إنتاجها.

ولا يسعى هذا المقال إلى تقديم نظرية بديلة للشرعية، ولا إلى القطيعة مع هذه الأدبيات، بل إلى البناء عليها والانطلاق منها نحو سؤال مختلف: كيف تُنتج الشرعية؟ فالانتقال هنا ليس من نظرية إلى أخرى، وإنما من وصف الحالة إلى تحليل العملية، ومن التركيز على النتيجة إلى دراسة المسار الذي يقود إليها. فالأدبيات التي استندنا إليها تنظر إلى الشرعية، في الغالب، بوصفها وصفاً لحالة قائمة؛ فتسأل عن شروطها، ومصادرها، وأنواعها، وأسس تبريرها، وكيفية استمرارها. أما الإطار الذي يقترحه هذا المقال، فيتعامل معها بوصفها عملية اجتماعية وسياسية ديناميكية لها مرتكزات، وفاعلون، وآليات، وناتج، وإعادة إنتاج، واستنزاف. وبذلك لا يضيف هذا المقال فصلاً جديداً إلى الأدبيات القائمة بقدر ما يحاول تغيير زاوية النظر إلى الموضوع نفسه؛ إذ ينتقل من السؤال: ما الشرعية؟ إلى السؤال: كيف تُنتج الشرعية؟

ولأن هذا التحول يقتضي قدراً من الدقة المفاهيمية، فمن الضروري، قبل الانتقال إلى تحليل بنية إنتاج الشرعية، التمييز بين عدد من المفاهيم التي سيعتمدها هذا المقال. فكلمات مثل: الشرعية، والثقة، والامتثال، والاستقرار، تُستخدم كثيراً وكأنها مترادفات، مع أنها تشير إلى مستويات تحليلية مختلفة. ولهذا فإن الجدول الآتي لا يقدم تعريفات عامة أو نهائية، بل يمثل معجماً مفاهيمياً تشغيلياً خاصاً بالإطار التحليلي الذي تقوم عليه هذه السلسلة، وسيكون المرجع الذي تستند إليه جميع المصطلحات المستخدمة في الصفحات التالية.

المستوىالوظيفة في النموذجالتعريف
مرتكزات إنتاج الشرعيةالعناصر التي تبدأ منها عملية الإنتاجمنظومة من القيم المعيارية، والقواعد والمؤسسات، والقدرات الأدائية التي تجعل إنتاج الشرعية ممكناً.
عملية إنتاج الشرعيةتحويل المرتكزات إلى شرعيةالعملية المنظمة التي تتفاعل فيها المرتكزات، والفاعلون، والقواعد، والممارسات، واستجابات المجتمع، حتى يتكوَّن قبول عام بحق السلطة في ممارسة الحكم.
الشرعيةالناتج الرئيستكوُّن قبول عام، يتولد عبر تفاعل اجتماعي وسياسي مستقر، بحق السلطة في ممارسة الحكم وفق قواعد يراها المجتمع مشروعة ومقبولة.
النتائجالآثار المترتبة على تحقق الشرعيةالثقة، والامتثال الطوعي حتى في غياب الإكراه، والتعاون، والاستقرار، وانخفاض الحاجة إلى استخدام القوة.
إعادة إنتاج الشرعيةالمحافظة على استمرارية الإنتاجاستمرار تجديد أسباب القبول العام عبر تصحيح الأخطاء، والتعلم المؤسسي، والتكيف مع التحولات، وتطوير المؤسسات والقواعد، والمحافظة على فاعلية عملية الإنتاج.
إنتاج اللاشرعيةالمسار المقابلعملية اجتماعية وسياسية تؤدي إلى تراجع أو فقدان القبول العام بحق السلطة في ممارسة الحكم، نتيجة تعطل إنتاج الشرعية أو انقلاب آلياتها إلى إنتاج نقيضها.
المؤشرات التحليليةقياس دينامية الشرعيةتشمل رصيد الشرعية، ومعدل إنتاجها، ومعدل استنزافها بوصفها أدوات لتحليل تطور الشرعية عبر الزمن.

وبعد تحديد المفاهيم التي سيستخدمها هذا المقال، يمكن الآن الانتقال إلى بناء النموذج التحليلي نفسه، بدءاً من السؤال الآتي: كيف تعمل عملية إنتاج الشرعية؟

ثالثاً: بنية إنتاج الشرعية

إذا اتفقنا على أن الشرعية ليست نقطة بداية، بل ناتج عملية إنتاج، فإن السؤال التالي يفرض نفسه تلقائياً: كيف تعمل هذه العملية؟

قد يبدو استخدام كلمة “إنتاج” غريباً في البداية، لأننا اعتدنا ربطها بالاقتصاد أو الصناعة، لكن الأمر في حقيقته أوسع من ذلك بكثير. فنحن نتحدث، في حياتنا اليومية، عن إنتاج الثروة، وإنتاج المعرفة، وإنتاج الثقافة، وإنتاج الرأي العام، ولا نقصد بذلك خلق شيء من العدم، بل عملية تنتظم فيها مجموعة من العناصر وفق قواعد محددة، فتنتج في النهاية قيمة جديدة لم تكن موجودة قبل انتظام هذه العناصر في علاقة واحدة.

والشرعية لا تشذ عن هذا المنطق. فهي لا تتكون بقرار واحد، ولا بمؤسسة واحدة، ولا بحدث سياسي واحد. فالانتخابات وحدها لا تنتج الشرعية، كما أن الدستور وحده لا ينتجها، ولا القضاء، ولا الإدارة، ولا الكفاءة الاقتصادية، ولا حتى التأييد الشعبي، كل عنصر من هذه العناصر قد يكون ضرورياً، لكنه لا يكفي وحده. فالشرعية لا تتولد من وجود الأجزاء متجاورة، وإنما من الطريقة التي تعمل بها هذه الأجزاء داخل منظومة واحدة.

وهنا تبرز الفكرة المركزية التي يقوم عليها هذا المقال. فالأنظمة السياسية ليست مجرد أجهزة لإدارة المجتمع أو ممارسة السلطة، بل هي منظومات إنتاج اجتماعي وسياسي. إنها تنتج، بصورة مستمرة، القوانين والقرارات، لكنها تنتج أيضاً أنماطاً من العلاقات بين الدولة والمجتمع، وأنماطاً من السلوك والتوقعات، وطرائق في إدارة الاختلاف، وأساليب في ممارسة السلطة والخضوع لها. ومن خلال هذا كله يتحدد، في النهاية، مقدار ما تستطيع هذه المنظومة أن تنتجه من شرعية، أو مقدار ما تنتجه من لاشرعية.

ولهذا لا يعود السؤال الحقيقي: هل ينتج النظام السياسي شيئاً؟ فكل نظام سياسي ينتج نتائج، سواء أراد ذلك أم لم يرده. وإنما يصبح السؤال الأهم: ماذا ينتج؟ هل ينتج قبولاً عاماً بحق السلطة في ممارسة الحكم؟ أم ينتج أسباباً تدفع المجتمع إلى التشكيك بهذا الحق أو رفضه؟

ومن هنا ينتقل النقاش من وصف الشرعية بوصفها حالة قائمة إلى تحليلها بوصفها ناتجاً لعملية اجتماعية وسياسية مستمرة. فالشرعية ليست العملية نفسها، بل هي النتيجة التي تصل إليها هذه العملية عندما تعمل مرتكزاتها، وفاعلوها، وآلياتها، على نحو يسمح بتكوُّن قبول عام بحق السلطة في ممارسة الحكم وفق قواعد يراها المجتمع مشروعة ومقبولة.

وبهذا المعنى، فإن السؤال عن الشرعية لا يبدأ بالسؤال: هل السلطة شرعية؟ وإنما يبدأ بالسؤال الأسبق: كيف تعمل المنظومة التي يُفترض بها أن تنتج هذا القبول العام؟ وما المرتكزات التي تقوم عليها؟ وكيف تتفاعل فيما بينها؟ وما الذي يجعلها تنجح أحياناً، وتفشل أحياناً أخرى؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد أولاً من التعرف إلى المرتكزات التي تقوم عليها عملية إنتاج الشرعية، لأنها تمثل الأساس الذي يبدأ منه كل ما سيأتي بعد ذلك.

رابعاً: مرتكزات إنتاج الشرعية

إذا كانت الشرعية هي الناتج الذي تصل إليه عملية إنتاج معقدة، فإن السؤال الأول الذي ينبغي طرحه يتعلق بالمرتكزات التي تقوم عليها هذه العملية. فلا توجد عملية إنتاج تبدأ من الفراغ، ولا يمكن أن تتكون الشرعية بمجرد الرغبة في وجودها، بل لا بد من عناصر أساسية تجعل إنتاجها ممكناً.

ومن المهم التنبيه منذ البداية إلى أن هذه المرتكزات لا تنتج الشرعية كلٌّ على حدة، كما أن مواد البناء لا تنتج منزلاً بمجرد اجتماعها في مكان واحد. فالإسمنت، والحديد، والخشب، والزجاج، كلها ضرورية، لكن أياً منها لا يتحول إلى بناء إلا عندما ينتظم مع غيره داخل عملية واحدة. والأمر نفسه ينطبق على الشرعية؛ فقيم العدالة، وسيادة القانون، وكفاءة الإدارة، وفاعلية المؤسسات، كلها عناصر ضرورية، لكنها لا تصبح شرعية إلا عندما تعمل معاً ضمن منظومة متماسكة.

ولأغراض التحليل، يمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من المرتكزات.

أولها القيم المعيارية، وهي القيم التي تمنح ممارسة السلطة أساسها الأخلاقي والسياسي، وتجعلها قابلة للقبول من حيث المبدأ. وفي مقدمة هذه القيم العدالة، والمساواة أمام القانون، وسيادة القانون. ولا تكمن أهمية هذه القيم في كونها شعارات أخلاقية مجردة، بل في أنها تمثل المعيار الذي يقيس المجتمع من خلاله مدى استحقاق السلطة للقبول. فكلما ازداد شعور المواطنين بأن القانون يطبق على الجميع، وأن الحقوق والواجبات لا تختلف باختلاف الأشخاص أو الجماعات، أصبح تكوُّن القبول العام أكثر احتمالاً.

وثانيها القواعد والمؤسسات، لأن القيم، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع أن تتحول إلى واقع بمجرد إعلانها. فالعدالة لا تتحقق لأنها كُتبت في الدستور، وسيادة القانون لا تقوم لأنها وردت في نص قانوني، وإنما لأن هناك مؤسسات وقواعد قادرة على تجسيد هذه المبادئ في الحياة العامة. ولهذا فإن قيمة القضاء، أو البرلمان، أو الإدارة العامة، أو الأجهزة الرقابية، لا تكمن في وجودها الشكلي، بل في قدرتها على تحويل المبادئ العامة إلى ممارسات مستقرة يمكن للمجتمع أن يختبرها في حياته اليومية.

أما النوع الثالث فهو القدرات الأدائية، أي قدرة الدولة على القيام بوظائفها الأساسية بكفاءة واستمرار. فالسلطة التي تعلن احترام القانون لكنها تعجز عن تطبيقه، أو تتحدث عن العدالة لكنها تفشل في حماية الحقوق، أو ترفع شعارات المصلحة العامة بينما تعجز عن توفير الحد الأدنى من الأمن والخدمات، ستجد أن قدرتها على إنتاج الشرعية تظل محدودة، مهما كانت نصوصها القانونية متقدمة. ولهذا تدخل الكفاءة الإدارية، وحسن إدارة الموارد، والقدرة على تنفيذ القانون، وتقديم الخدمات العامة، ضمن المرتكزات التي لا تستقيم عملية الإنتاج من دونها.

ومن الضروري التأكيد أن هذه الأنواع الثلاثة لا تعمل بوصفها بدائل عن بعضها، ولا يستطيع أحدها أن يعوض غياب الآخر. فقد تمتلك دولة مؤسسات متطورة لكنها تفتقر إلى العدالة، أو تحقق كفاءة إدارية عالية داخل منظومة تقوم على التمييز، أو ترفع شعارات المساواة بينما تعجز عن إدارة الشأن العام. وفي جميع هذه الحالات تبقى عملية إنتاج الشرعية ناقصة، لأن أحد مرتكزاتها الأساسية مفقود.

وهنا تجدر الإشارة إلى تمييز منهجي مهم، لأن كثيراً من الكتابات تخلط بين مرتكزات إنتاج الشرعية وبين النتائج التي تترتب على تحققها. فالثقة، مثلاً، ليست مرتكزاً من مرتكزات إنتاج الشرعية، بل هي من أهم نتائجها. وكذلك الامتثال الطوعي، والتعاون، والاستقرار؛ فهذه لا تدخل العملية بوصفها أسباباً، وإنما تظهر بوصفها آثاراً مترتبة على نجاحها. أما المرتكزات فهي ما يسبق الشرعية، ويجعل تكوُّنها ممكناً.

غير أن وجود هذه المرتكزات، مهما بلغت جودتها، لا يكفي وحده لإنتاج الشرعية. فلا القيم تتحرك من تلقاء نفسها، ولا المؤسسات تعمل بمعزل عن البشر، ولا القدرات تتحول إلى نتائج بمجرد توافرها. وهنا يبرز السؤال التالي، وهو سؤال لا يقل أهمية عن سابقه: من هم الفاعلون الذين يقومون بعملية إنتاج الشرعية، وما الدور الذي يؤديه كل منهم في هذه العملية؟

خامساً: من ينتج الشرعية؟

إذا كانت مرتكزات إنتاج الشرعية لا تتحول إلى شرعية من تلقاء نفسها، فإن السؤال التالي يفرض نفسه: من الذي يقوم بعملية الإنتاج؟

وقد يبدو الجواب، للوهلة الأولى، بسيطاً؛ الدولة. لكن هذا الجواب، على بساطته، لا يصمد أمام التحليل. فالشرعية ليست شيئاً تستطيع جهة واحدة إنتاجه منفردة، مهما بلغت سلطتها أو اتسعت صلاحياتها. فلا الحكومة وحدها تنتجها، ولا البرلمان، ولا القضاء، ولا المجتمع، ولا المواطن. إنها ناتج عملية تشارك فيها أطراف متعددة، يؤدي كل منها وظيفة مختلفة، ولا يكتمل الإنتاج إلا من خلال تفاعلها جميعاً.

وتأتي مؤسسات الدولة في مقدمة هذه الأطراف، لأنها تمثل الإطار الذي تمارس السلطة من خلاله وظائفها اليومية. فالقضاء، والإدارة العامة، والسلطة التشريعية، والأجهزة الرقابية، والجيش المهني، وأجهزة إنفاذ القانون، ليست مجرد أدوات لتنفيذ السياسات أو تطبيق القوانين، بل هي الوسيط الذي يختبر المجتمع من خلاله حقيقة الدولة. فالقاضي لا يفصل في نزاع بين خصمين فحسب، بل يقدم للناس دليلاً عملياً على معنى العدالة. والموظف العام لا ينجز معاملة إدارية فقط، بل يجسد، في نظر المواطن، احترام الدولة للقانون أو استخفافها به. ورجل الشرطة لا يحافظ على النظام وحده، بل يقدم صورة يومية عن طبيعة العلاقة بين السلطة والقانون. ولهذا فإن مؤسسات الدولة لا تنتج الشرعية بصورة مباشرة، وإنما تنتج الممارسات التي تجعل تكوُّن القبول العام بحق السلطة أكثر احتمالاً، أو أقل احتمالاً.

غير أن الدولة ليست الطرف الوحيد في هذه العملية. فالشرعية لا تتكون داخل مؤسسات الحكم وحدها، وإنما تتشكل أيضاً في المجال العام، حيث تتفاعل السلطة مع المجتمع. فالأحزاب السياسية، ووسائل الإعلام، والجامعات، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، والنخب الفكرية والثقافية، جميعها تشارك، بدرجات متفاوتة، في تكوين البيئة التي يُنظر من خلالها إلى السلطة ويُحكم على أدائها. وهي لا تمنح الشرعية، لكنها تؤثر في الطريقة التي تتكون بها، من خلال ما تنتجه من نقاش عام، وما تتيحه من مساءلة، وما تبنيه من وعي سياسي، وما تخلقه من قنوات للتعبير عن المصالح والاعتراضات.

ولا ينبغي، في هذا السياق، إغفال أثر البيئة الاقتصادية. فتكافؤ الفرص، وعدالة المنافسة، وإمكان الوصول إلى العمل والإنتاج، لا تقتصر آثارها على الاقتصاد وحده، بل تمتد إلى تكوين القبول العام، لأنها تشكل جزءاً من الخبرة اليومية التي يقيس المواطن من خلالها مدى عدالة الدولة وقدرتها على إدارة الشأن العام.

ويبقى المواطن الحلقة التي يُساء فهم دورها أكثر من غيرها. فكثيراً ما يُنظر إليه بوصفه متلقياً للقرارات أو خاضعاً للسلطة، بينما هو في الحقيقة أحد الفاعلين في عملية إنتاج الشرعية. فاحترامه للقانون، ومشاركته في الحياة العامة، وممارسته حقه في الرقابة والمساءلة، وأداؤه لواجباته العامة، وإسهامه في حماية المصلحة العامة، كلها ممارسات تدخل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تكوين القبول العام بحق السلطة في ممارسة الحكم. ولا يعني ذلك أن المواطن ينتج الشرعية وحده، بل إنه يشارك، مع بقية الفاعلين، في إنتاج البيئة التي تسمح بتشكلها أو تعوقها.

ومن هنا يتضح أن الشرعية ليست ما تنتجه الدولة للمجتمع، ولا ما يمنحه المجتمع للدولة، بل هي الناتج الذي يتكون من العلاقة المستمرة بينهما، حين تعمل القيم، والمؤسسات، والفاعلون، وفق قواعد واحدة، وفي اتجاه واحد.

ومع ذلك، فإن اجتماع المرتكزات، ووجود الفاعلين، لا يكفيان وحدهما لإنتاج الشرعية. فقد تمتلك دولة مؤسسات راسخة، ومجتمعاً نشطاً، ومواطنين مشاركين، ومع ذلك تعجز عن تكوين القبول العام بحق السلطة. وهنا يصبح السؤال التالي هو الأهم في هذا النموذج: ما الآليات التي تحول هذه المرتكزات، من خلال عمل هؤلاء الفاعلين، إلى شرعية؟

سادساً: كيف تتحول مرتكزات إنتاج الشرعية إلى شرعية؟

إذا كانت مرتكزات إنتاج الشرعية متوافرة، وإذا كان الفاعلون الذين يحملونها إلى الواقع حاضرين، فإن ذلك لا يعني، بالضرورة، أن الشرعية ستتكون تلقائياً. فالانتقال من المرتكزات إلى الشرعية ليس عملية آلية، بل هو جوهر ما نعنيه أصلاً بإنتاج الشرعية.

ولعل أقرب مثال إلى ذلك هو البناء. فوجود مواد البناء، والمهندسين، والعمال، لا ينتج منزلاً لمجرد اجتماعهم في مكان واحد. وإنما يتحول كل ذلك إلى بناء عندما تنتظم العلاقة بينهم وفق تصميم واضح، وقواعد تنفيذ مستقرة، وآليات تضمن أن يؤدي كل عنصر وظيفته في الوقت المناسب وبالصورة الصحيحة. وكذلك الأمر في السياسة؛ فالقيم، والمؤسسات، والفاعلون، لا تتحول إلى شرعية إلا عندما تعمل داخل منظومة منضبطة، تحكمها قواعد واضحة، وتربط بين أجزائها علاقة متماسكة.

ولهذا قد تمتلك دولة دستوراً متقدماً، وقضاءً مستقلاً، وبرلماناً منتخباً، وإدارة كفوءة، وانتخابات دورية، لكنها تعجز، مع ذلك، عن إنتاج الشرعية، لأن هذه العناصر لا تعمل بوصفها منظومة واحدة، بل بوصفها أجزاء متجاورة، أو متعارضة، أو معطلة بعضها لبعض. والعكس صحيح أيضاً؛ فقد تكون الإمكانات محدودة، لكن انتظام العلاقة بين المؤسسات والقواعد والممارسات يسمح بتكوُّن قدر مرتفع من القبول العام.

وهنا تظهر أهمية الآليات التي تنتظم من خلالها عملية الإنتاج. فالقضية ليست في وجود المؤسسات، بل في طريقة عملها، وليست في وجود القواعد، بل في احترامها، وليست في إعلان الحقوق، بل في ضمان ممارستها، وليست في إجراء الانتخابات، بل في نزاهتها، وشفافيتها، وخضوع جميع الأطراف للقواعد نفسها قبل إعلان نتائجها وبعده. فالفرق الحقيقي بين الدولة التي تنجح في إنتاج الشرعية والدولة التي تفشل في ذلك لا يكمن في عدد المؤسسات التي تمتلكها، بل في الكيفية التي تتفاعل بها هذه المؤسسات، وفي قدرتها على تحويل المبادئ المعلنة إلى ممارسة يومية مستقرة.

ومن هنا يمكن القول إن عملية إنتاج الشرعية تقوم على تفاعل ثلاثة محاور كبرى. يتمثل أولها في أداء السلطة، أي قدرتها على إدارة الشأن العام بكفاءة، وتطبيق القانون بعدالة، وممارسة صلاحياتها في إطار المصلحة العامة. ويتمثل ثانيها في استجابة المجتمع، لأن القبول العام لا يُفرض بقرار، وإنما يتكون من الطريقة التي يستجيب بها الناس لأداء السلطة، ومن تقييمهم المستمر لعدالة قواعدها وفاعلية مؤسساتها. أما المحور الثالث فهو القواعد المنظمة للعلاقة بين السلطة والمجتمع، لأنها تمنع هذه العلاقة من أن تتحول إلى علاقة شخصية أو اعتباطية، وتجعلها قائمة على قواعد عامة ومستقرة يمكن للجميع توقعها والاحتكام إليها.

وعند هذه النقطة يمكن صياغة التعريف الإجرائي الذي يقوم عليه هذا المقال. فإنتاج الشرعية هو العملية المنظمة التي تتفاعل فيها المرتكزات، والفاعلون، والقواعد، حتى يتكوَّن قبول عام، يتولد عبر تفاعل اجتماعي وسياسي مستقر، بحق السلطة في ممارسة الحكم وفق قواعد يراها المجتمع مشروعة ومقبولة.

ويكشف هذا التعريف عن تمييز منهجي أساسي. فالشرعية ليست العملية نفسها، بل ناتجها. أما العملية فهي سلسلة التفاعلات التي تجعل هذا الناتج ممكناً. ولهذا لا تُقاس الشرعية بالنوايا، ولا بالشعارات، ولا حتى بالنصوص القانونية وحدها، وإنما بمدى نجاح هذه العملية في الوصول إلى غايتها، أي في تكوين قبول عام بحق السلطة في ممارسة الحكم.

غير أن هذا القبول لا يتكون في الفراغ، ولا يتشكل داخل القاعات الدستورية أو أروقة المؤسسات العليا وحدها، بل يتكون، في جانب كبير منه، في الحياة اليومية، حيث يلتقي المواطن بالدولة وجهاً لوجه، ويختبر، من خلال هذا اللقاء المتكرر، حقيقة ما تعلنه السلطة عن نفسها. وهنا نصل إلى السؤال التالي:

أين تُنتج الشرعية؟

سابعاً: أين تُنتج الشرعية؟

قد يبدو، بعد كل ما سبق، أن إنتاج الشرعية عملية تدور في المستويات العليا للدولة؛ في الدساتير، والبرلمانات، والمحاكم، وقصور الحكم. لكن الواقع يكشف صورة مختلفة تماماً. فالناس لا يلتقون بالدولة بوصفها فكرة مجردة، ولا يعيشون النصوص الدستورية في حياتهم اليومية، وإنما يلتقون بها من خلال ممارساتها، في مئات الوقائع الصغيرة التي تتكرر كل يوم.

فالمواطن يرى الدولة في القاضي الذي ينظر في قضيته، وفي الشرطي الذي يوقفه في الطريق، وفي الموظف الذي يستقبل معاملته، وفي المدرسة التي يرسل إليها أبناءه، وفي المستشفى الذي يقصده عند المرض، وفي البلدية، ودائرة الجوازات، ومصلحة الضرائب، وفي كل مؤسسة تمثل الدولة أمامه. ولهذا فإن صورة الدولة في وعي المواطنين لا تتشكل من النصوص التي يقرؤونها، بل من الخبرات التي يعيشونها، ومن التجارب اليومية التي يخوضونها مع مؤسساتها.

وهنا، تحديداً، تُختبر عملية إنتاج الشرعية اختبارها الحقيقي. فالقبول العام بحق السلطة في ممارسة الحكم لا يتكون لأن الدستور نص عليه، ولا لأن الحكومة أعلنته، وإنما لأنه يتشكل تدريجياً من التجربة اليومية التي يعيشها المواطن مع الدولة. وكل تجربة جديدة تضيف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عنصراً جديداً إلى هذا التكوين، أو تنتزع منه جزءاً.

ولهذا قد تعجز عشرات الخطب السياسية عن بناء ما تستطيع معاملة عادلة داخل محكمة أن تبنيه، وقد يؤدي موقف واحد من الرشوة، أو التمييز، أو الإذلال الإداري، إلى تقويض ما راكمته الدولة خلال سنوات من الجهد. فالمواطن لا يحكم على شرعية السلطة من خلال ما تقوله عن نفسها، بل من خلال ما يختبره بنفسه في علاقته بها. ولهذا فإن الشرعية لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالممارسات، ولا تتكون في المناسبات الكبرى وحدها، بل عبر تراكم آلاف الوقائع الصغيرة التي تصنع، مع مرور الزمن، الصورة العامة للدولة في وعي المجتمع.

ومن هنا لا يعود الموظف العام مجرد منفذ للإجراءات، بل يصبح أحد المشاركين في عملية إنتاج الشرعية. فحين يحترم القانون، ويعامل المواطنين على قدم المساواة، ويؤدي عمله بكفاءة، فإنه لا ينجز مهمة إدارية فحسب، بل يسهم في تكوين القبول العام بحق السلطة في ممارسة الحكم. أما إذا تصرف على النقيض من ذلك، فإنه لا يرتكب خطأً وظيفياً فقط، بل يضعف العملية التي يُفترض بها أن تنتج هذا القبول.

وهذا ما يفسر لماذا قد تمتلك بعض الدول دساتير متقدمة، وقوانين جيدة، ومؤسسات كبيرة، لكنها تعجز، مع ذلك، عن إنتاج الشرعية. فالمشكلة لا تكون دائماً في النصوص، بل في الخبرة اليومية التي يعيشها المواطن، والتي قد تنقض، في كل يوم، ما تعلنه تلك النصوص من مبادئ.

غير أن هذه العملية لا تتوقف عند لحظة تكوُّن الشرعية. فالقبول العام ليس حالة جامدة تُكتسب مرة واحدة ثم تستقر إلى الأبد، بل هو حالة تتجدد أو تتراجع تبعاً لما تنتجه الممارسة اليومية للدولة من أسباب جديدة للقبول أو للرفض. ومن هنا لا يكفي أن تنجح السلطة في إنتاج الشرعية مرة واحدة، بل عليها أن تحافظ على قدرتها على تجديد أسبابها بصورة مستمرة.

وهذا يقودنا إلى المرحلة التالية من النموذج، وهي إعادة إنتاج الشرعية.

سابعاً: أين تُنتج الشرعية؟

قد يبدو، بعد كل ما سبق، أن إنتاج الشرعية عملية تدور في المستويات العليا للدولة؛ في الدساتير، والبرلمانات، والمحاكم، وقصور الحكم. لكن الواقع يكشف صورة مختلفة تماماً. فالناس لا يلتقون بالدولة بوصفها فكرة مجردة، ولا يعيشون النصوص الدستورية في حياتهم اليومية، وإنما يلتقون بها من خلال ممارساتها، في مئات الوقائع الصغيرة التي تتكرر كل يوم.

فالمواطن يرى الدولة في القاضي الذي ينظر في قضيته، وفي الشرطي الذي يوقفه في الطريق، وفي الموظف الذي يستقبل معاملته، وفي المدرسة التي يرسل إليها أبناءه، وفي المستشفى الذي يقصده عند المرض، وفي البلدية، ودائرة الجوازات، ومصلحة الضرائب، وفي كل مؤسسة تمثل الدولة أمامه. ولهذا فإن صورة الدولة في وعي المواطنين لا تتشكل من النصوص التي يقرؤونها، بل من الخبرات التي يعيشونها، ومن التجارب اليومية التي يخوضونها مع مؤسساتها.

وهنا، تحديداً، تُختبر عملية إنتاج الشرعية اختبارها الحقيقي. فالقبول العام بحق السلطة في ممارسة الحكم لا يتكون لأن الدستور نص عليه، ولا لأن الحكومة أعلنته، وإنما لأنه يتشكل تدريجياً من التجربة اليومية التي يعيشها المواطن مع الدولة. وكل تجربة جديدة تضيف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عنصراً جديداً إلى هذا التكوين، أو تنتزع منه جزءاً.

ولهذا قد تعجز عشرات الخطب السياسية عن بناء ما تستطيع معاملة عادلة داخل محكمة أن تبنيه، وقد يؤدي موقف واحد من الرشوة، أو التمييز، أو الإذلال الإداري، إلى تقويض ما راكمته الدولة خلال سنوات من الجهد. فالمواطن لا يحكم على شرعية السلطة من خلال ما تقوله عن نفسها، بل من خلال ما يختبره بنفسه في علاقته بها. ولهذا فإن الشرعية لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالممارسات، ولا تتكون في المناسبات الكبرى وحدها، بل عبر تراكم آلاف الوقائع الصغيرة التي تصنع، مع مرور الزمن، الصورة العامة للدولة في وعي المجتمع.

ومن هنا لا يعود الموظف العام مجرد منفذ للإجراءات، بل يصبح أحد المشاركين في عملية إنتاج الشرعية. فحين يحترم القانون، ويعامل المواطنين على قدم المساواة، ويؤدي عمله بكفاءة، فإنه لا ينجز مهمة إدارية فحسب، بل يسهم في تكوين القبول العام بحق السلطة في ممارسة الحكم. أما إذا تصرف على النقيض من ذلك، فإنه لا يرتكب خطأً وظيفياً فقط، بل يضعف العملية التي يُفترض بها أن تنتج هذا القبول.

وهذا ما يفسر لماذا قد تمتلك بعض الدول دساتير متقدمة، وقوانين جيدة، ومؤسسات كبيرة، لكنها تعجز، مع ذلك، عن إنتاج الشرعية. فالمشكلة لا تكون دائماً في النصوص، بل في الخبرة اليومية التي يعيشها المواطن، والتي قد تنقض، في كل يوم، ما تعلنه تلك النصوص من مبادئ.

غير أن هذه العملية لا تتوقف عند لحظة تكوُّن الشرعية. فالقبول العام ليس حالة جامدة تُكتسب مرة واحدة ثم تستقر إلى الأبد، بل هو حالة تتجدد أو تتراجع تبعاً لما تنتجه الممارسة اليومية للدولة من أسباب جديدة للقبول أو للرفض. ومن هنا لا يكفي أن تنجح السلطة في إنتاج الشرعية مرة واحدة، بل عليها أن تحافظ على قدرتها على تجديد أسبابها بصورة مستمرة.

وهذا يقودنا إلى المرحلة التالية من النموذج، وهي إعادة إنتاج الشرعية.

ثامناً: إعادة إنتاج الشرعية

من أكثر الأخطاء شيوعاً في التفكير السياسي الاعتقاد أن الشرعية، متى تكوَّنت، أصبحت ملكاً دائماً للسلطة، وكأنها شهادة تُمنح مرة واحدة ثم تبقى صالحة إلى الأبد، بصرف النظر عما تفعله السلطة بعد ذلك. لكن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس. فالقبول العام بحق السلطة في ممارسة الحكم ليس حالة جامدة، بل حالة متحركة، تتعزز أحياناً، وتتراجع أحياناً أخرى، تبعاً لما تنتجه الممارسة اليومية للدولة من أسباب جديدة للقبول أو للرفض.

ولهذا لا يكفي أن تنجح السلطة في إنتاج الشرعية مرة واحدة، بل لا بد أن تحافظ على قدرة منظومتها السياسية والمؤسسية على تجديد أسباب هذا القبول بصورة مستمرة. وهذا هو المقصود بإعادة إنتاج الشرعية. فإعادة الإنتاج لا تعني تكرار لحظة التأسيس، ولا إعادة إجراء الانتخابات، ولا إعادة إصدار الدستور، وإنما تعني استمرار العملية التي تجعل تكوُّن القبول العام ممكناً، مع تطويرها كلما تغيرت الظروف أو ظهرت اختلالات جديدة.

وتتحقق إعادة إنتاج الشرعية عندما تستطيع الدولة أن تصحح أخطاءها، وتطور مؤسساتها، وتحسن قواعد عملها، وتتعلم من إخفاقاتها، وتتكيف مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يشهدها المجتمع، بحيث تبقى الأسباب التي أنتجت القبول العام قادرة على أداء وظيفتها في الحاضر، لا أن تتحول إلى بقايا نجاحات تنتمي إلى الماضي.

ولهذا فإن كل قانون يُطبق بعدالة، وكل مؤسسة تطور أداءها، وكل مسؤول يخضع للمساءلة، وكل خطأ يُعترف به ويُصحح، لا يعزز القبول العام فحسب، بل يحافظ أيضاً على قدرة النظام السياسي على إنتاجه من جديد كلما تعرض للاهتزاز. وفي المقابل، فإن تجاهل الأخطاء، أو تعطيل المحاسبة، أو حماية الفساد، أو تحويل الاستثناءات إلى قواعد، لا يؤدي فقط إلى إضعاف الشرعية القائمة، بل يضعف قدرة النظام نفسه على إعادة إنتاجها في المستقبل.

وهنا يظهر الفارق الحقيقي بين الأنظمة السياسية. فجميعها تخطئ، ولا توجد دولة معصومة من الفشل أو التقصير، لكن الاختلاف لا يكمن في وقوع الخطأ، وإنما في قدرة المؤسسات على اكتشافه، والاعتراف به، وتصحيحه، واستخلاص الدروس منه، ثم تطوير قواعدها بحيث تقل احتمالات تكراره. ولهذا فإن إعادة إنتاج الشرعية ليست عملية دفاع عن الوضع القائم، بل عملية مراجعة وتجديد مستمرين، لأن النظام الذي يتوقف عن التعلم يبدأ، من حيث لا يشعر، في استهلاك الرصيد الذي سبق أن راكمه.

ومن هنا يصبح الزمن عنصراً أساسياً في فهم الشرعية. فليست القضية في الكيفية التي حصلت بها السلطة على شرعيتها في الماضي، وإنما في قدرتها على المحافظة على الأسباب التي تجعل هذا القبول العام قائماً في الحاضر. ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية الذي ينبغي طرحه على أي نظام سياسي ليس: كيف حصل على شرعيته؟ بل: كيف يحافظ اليوم على قدرته على إعادة إنتاجها؟

غير أن هذه العملية لا تستمر دائماً في الاتجاه نفسه. فقد تتعطل آليات التصحيح، وتضعف المؤسسات، وتتكرر الأخطاء، حتى تنقلب عملية إعادة الإنتاج إلى مسار معاكس، لا يجدد أسباب القبول، بل ينتج أسباب الرفض. وعند هذه النقطة تبدأ العملية المقابلة، وهي إنتاج اللاشرعية.

تاسعاً: إنتاج اللاشرعية

وكما أن الشرعية ليست حدثاً يقع مرة واحدة، فإن اللاشرعية ليست انهياراً مفاجئاً، بل هي أيضاً عملية تراكمية تتكون تدريجياً عندما تتعطل آليات إنتاج الشرعية، أو تنقلب إلى إنتاج نقيضها.

ومن هنا فإن اللاشرعية ليست مجرد غياب للشرعية، ولا فراغاً ينشأ عندما يتراجع القبول العام، بل هي ناتج عملية اجتماعية وسياسية قائمة بذاتها. فإذا كانت الشرعية تتكون عندما تنجح المؤسسات والقواعد والممارسات في إنتاج قبول عام بحق السلطة في ممارسة الحكم، فإن اللاشرعية تتكون عندما تعمل هذه المؤسسات والقواعد والممارسات نفسها في الاتجاه المعاكس، فتنتج، بصورة متراكمة، أسباب التشكيك بهذا الحق أو رفضه.

ولهذا لا تبدأ اللاشرعية مع أول خطأ، فالأخطاء جزء من كل تجربة إنسانية وسياسية، ولا يوجد نظام سياسي يخلو منها. وإنما تبدأ عندما تعجز المؤسسات عن تصحيح أخطائها، أو عندما تتحول الاستثناءات إلى قواعد، ويصبح انتهاك القانون ممارسة مألوفة، بينما يغدو احترامه استثناءً يحتاج إلى تفسير.

فالظلم، والفساد، والمحسوبية، والتمييز، والإفلات من العقاب، والكذب الرسمي، ليست مجرد انحرافات أخلاقية أو إدارية، بل تتحول، عندما تتكرر وتحظى بالحماية، إلى مرتكزات لعملية إنتاج معاكسة، تؤدي تدريجياً إلى تراجع القبول العام بحق السلطة في ممارسة الحكم. ولا يقتصر الأمر على الأفعال الإيجابية، بل يشمل الامتناع أيضاً؛ فترك الفساد بلا مساءلة، وتعطيل القضاء، والتغاضي عن انتهاك الحقوق، وحماية المتجاوزين، كلها ممارسات تسهم في إنتاج اللاشرعية، لأنها تعطل الآليات التي يفترض بها أن تجدد أسباب القبول العام.

وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل. فالمؤسسات التي تستطيع إنتاج الشرعية هي نفسها التي تستطيع إنتاج اللاشرعية. فالقضاء الذي يطبق القانون بعدالة يسهم في تكوين القبول العام، لكنه إذا تحول إلى أداة للتمييز أو للحماية الانتقائية، أدى الوظيفة المعاكسة. والإدارة التي تحترم المواطنين وتساوي بينهم تعزز الشرعية، لكنها إذا أصبحت أداة للإذلال أو الفساد أو المحاباة، شاركت في إنتاج اللاشرعية. وحتى القانون نفسه قد يكون مصدراً للشرعية عندما يطبق على الجميع، وقد يصبح أداة لإنتاج اللاشرعية عندما يستخدم لخدمة فئة دون أخرى أو يطبق بانتقائية.

ومن هنا لا يكمن الفرق بين الشرعية واللاشرعية في وجود المؤسسات أو غيابها، بل في الكيفية التي تعمل بها هذه المؤسسات، وفي النتائج التي تنتجها بصورة مستمرة. ولهذا فإن كل نظام سياسي يعيش، في الواقع، بين عمليتين متوازيتين؛ عملية تنتج أسباب القبول العام، وعملية تنتج أسباب تراجعه. والسؤال الذي ينبغي طرحه ليس: هل ينتج هذا النظام شرعية أم لاشرعية؟ وإنما: أي العمليتين أصبحت هي الغالبة على الأخرى؟

وعندما تصبح عملية إنتاج اللاشرعية أسرع من قدرة النظام على إعادة إنتاج الشرعية، يبدأ القبول العام بالتراجع، حتى وإن ظلت مؤسسات الدولة قائمة، واستمرت القوانين نافذة، وبدا النظام، في ظاهره، قوياً ومستقراً. وهنا نصل إلى مفهوم بالغ الأهمية، لأنه يفسر كيف تتراكم آثار هذه العملية عبر الزمن، وهو مفهوم رصيد الشرعية.

عاشراً: رصيد الشرعية

إذا كانت الشرعية تُنتج، وتُعاد إنتاجها، وإذا كانت اللاشرعية تُنتج هي الأخرى، فإن ذلك يقود إلى نتيجة منطقية لا تقل أهمية عما سبق: الشرعية ليست حالة ثابتة، بل رصيد يتراكم ويُستهلك في الوقت نفسه.

ولا ينبغي فهم هذا الرصيد بوصفه رقماً أو كمية جامدة، بل بوصفه مقدار القبول العام الذي راكمه النظام السياسي عبر الزمن نتيجة نجاحه في إنتاج الشرعية والمحافظة على أسبابها. فهذا القبول لا يتكون دفعة واحدة، ولا يختفي دفعة واحدة، وإنما ينمو تدريجياً، وقد يتآكل تدريجياً أيضاً، حتى قبل أن تظهر آثار ذلك إلى العلن.

ولعل أقرب تشبيه لذلك هو الرصيد المالي. فليس المهم فقط حجم الرصيد الموجود في الحساب، بل أيضاً معدل الإيداع ومعدل السحب. فقد يبدو الحساب مطمئناً اليوم، لكنه يكون في طريقه إلى النفاد إذا أصبح السحب أكبر من الإيداع، حتى لو لم تظهر آثار ذلك مباشرة. والشرعية تعمل بالمنطق نفسه.

فكل ممارسة عادلة، وكل قانون يُطبق على الجميع، وكل مؤسسة تطور أداءها، وكل مسؤول يخضع للمساءلة، وكل حق يُصان، يمثل إضافة جديدة إلى رصيد الشرعية، لأنه يعزز القبول العام بحق السلطة في ممارسة الحكم. وفي المقابل، فإن كل ظلم، وكل فساد، وكل انتهاك للقانون، وكل إفلات من العقاب، وكل تمييز بين المواطنين، يمثل استنزافاً لهذا الرصيد، حتى وإن لم يظهر أثره السياسي بصورة فورية.

ولهذا فإن السؤال الأكثر دقة ليس: هل تتمتع هذه السلطة بالشرعية؟ فهذا السؤال يوحي بأن الشرعية موجودة أو غير موجودة، وكأنها حالة ثابتة لا تتغير. أما السؤال الذي يكشف حقيقة ما يجري فهو: هل يزداد رصيد الشرعية أم يتراجع؟

وللإجابة عن هذا السؤال، لا يكفي النظر إلى الرصيد نفسه، بل ينبغي النظر أيضاً إلى الحركة المستمرة التي يتعرض لها. فمن الناحية التحليلية يمكن التمييز بين ثلاثة مؤشرات مترابطة: رصيد الشرعية، وهو مقدار القبول العام الذي راكمه النظام السياسي عبر الزمن؛ ومعدل إنتاج الشرعية، وهو قدرة النظام في الحاضر على إضافة أسباب جديدة تعزز هذا القبول؛ ومعدل استنزاف الشرعية، وهو مقدار ما يفقده النظام من هذا الرصيد نتيجة أخطائه، أو تعطل مؤسساته، أو إخفاقه في تصحيح مساره.

ومن العلاقة بين هذه المؤشرات يمكن تفسير أوضاع الدول المختلفة. فهناك دول يزيد فيها معدل إنتاج الشرعية على معدل استنزافها، فيتراكم رصيدها عاماً بعد عام. وهناك دول يتقارب فيها المعدلان، فيبقى الرصيد مستقراً نسبياً، وإن ظل معرضاً للاهتزاز عند الأزمات الكبرى. وهناك دول يصبح فيها الاستنزاف أسرع من الإنتاج، فيبدأ الرصيد بالتراجع بصورة متواصلة، حتى وإن بدت مؤسسات الدولة، في ظاهرها، قوية وفاعلة.

وهناك حالة رابعة أشد خطورة، وهي أن يفقد النظام السياسي قدرته على إنتاج الشرعية أصلاً، فيعيش على ما تبقى من رصيد راكمه في مراحل سابقة، أو ورثه من ظروف تاريخية استثنائية، أو حافظ عليه بقوة العادة أو الخوف. وفي هذه الحالة يبدو النظام مستقراً، بينما تكون عملية تآكل شرعيته قد بدأت منذ زمن، وإن لم تظهر نتائجها بعد.

وهنا يمكن تفسير واحدة من أكثر الظواهر السياسية إثارة للحيرة، وهي الانهيارات التي تبدو، في ظاهرها، مفاجئة. ففي الحقيقة، لا يحدث الانهيار فجأة، وإنما الذي يظهر فجأة هو لحظة انكشافه. أما العملية التي قادت إليه، فتكون قد بدأت قبل ذلك بسنوات، عندما أصبح معدل استنزاف الشرعية أعلى من معدل إنتاجها، واستمر هذا الاختلال يتراكم بصمت، حتى جاءت لحظة لم يعد فيها الرصيد المتبقي قادراً على تحمل صدمة جديدة.

ولهذا فإن استقرار الدول لا يقاس فقط بما تمتلكه من جيش، أو اقتصاد، أو أجهزة أمن، أو موارد، بل بقدرتها المستمرة على إنتاج الشرعية بمعدل يفوق استنزافها. فحين يختل هذا التوازن، يبدأ النظام السياسي، من حيث يدري أو لا يدري، في استهلاك مستقبله السياسي، حتى لو بدا، في ظاهره، أكثر قوة من أي وقت مضى.

الحادي عشر: الشرعية ليست لحظة… بل دورة حياة

بدأ هذا المقال بسؤال واحد: كيف تُنتج الشرعية؟ وقد بدا، في البداية، سؤالاً بسيطاً، لكنه قادنا، خطوة بعد أخرى، إلى إعادة النظر في الطريقة التي اعتدنا فهم هذا المفهوم من خلالها.

فالشرعية، كما رأينا، ليست حدثاً يقع في لحظة معينة، ولا صفة تلتصق بالسلطة بمجرد وصولها إلى الحكم، ولا نتيجة تلقائية لانتخابات، أو ثورة، أو دستور، أو اعتراف دولي. فهذه كلها قد تكون لحظات تأسيس مهمة، لكنها لا تكفي، بمفردها، لتكوين الشرعية أو ضمان استمرارها.

لقد انتهينا إلى تعريف الشرعية بوصفها تكوُّن قبول عام، يتولد عبر تفاعل اجتماعي وسياسي مستقر، بحق السلطة في ممارسة الحكم وفق قواعد يراها المجتمع مشروعة ومقبولة. وهذا القبول لا ينشأ من تلقاء نفسه، بل هو ناتج عملية اجتماعية وسياسية مستمرة، تبدأ بمرتكزات واضحة، وتشارك فيها مؤسسات وفاعلون متعددون، وتعمل من خلال آليات محددة، ثم تُختبر يومياً في العلاقة بين الدولة والمجتمع، قبل أن تُجدد أسبابها بصورة مستمرة، أو تتعرض للاستنزاف والتآكل.

ومن هنا يمكن استخلاص الفكرة المركزية التي حاول هذا المقال تأسيسها، وهي أن السلطة لا تمتلك الشرعية مرة واحدة، ولا تحتفظ بها تلقائياً، وإنما تظل مطالبة بإنتاج أسباب القبول العام وتجديدها ما دامت تمارس الحكم. فإذا نجحت في ذلك، تعزز رصيد شرعيتها، وإذا عجزت عنه، أو سمحت لآليات إنتاج اللاشرعية بأن تصبح هي الغالبة، بدأ هذا الرصيد بالتآكل، حتى وإن بقيت مؤسسات الدولة قائمة، واستمرت السلطة في ممارسة صلاحياتها.

وبذلك يصبح السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يوجه إلى أي نظام سياسي ليس: كيف وصل إلى السلطة؟ ولا: بأي أساس يبرر سلطته؟ وإنما: هل ما تزال منظومته السياسية قادرة على إنتاج القبول العام بحقها في ممارسة الحكم؟ فهذا السؤال هو الذي يكشف حيوية النظام السياسي، لأنه ينقل الاهتمام من شرعية التأسيس إلى شرعية الاستمرار، ومن لحظة الوصول إلى السلطة إلى الكيفية التي تُمارس بها هذه السلطة كل يوم.

غير أن هذا يقودنا إلى سؤال آخر، لا يقل أهمية عما سبقه. فإذا كانت الشرعية تُنتج وفق هذه الآليات، وإذا كانت قدرتها على الاستمرار مرتبطة بسلامة عملية إنتاجها، فلماذا تعجز بعض الدول عن إنتاجها أصلاً؟ ولماذا تتوقف هذه العملية في بعض المجتمعات، أو تنقلب تدريجياً إلى إنتاج اللاشرعية؟

ذلك هو السؤال الذي سينتقل إليه المقال القادم، حين نغادر الإطار النظري إلى الحالة السورية، لنحاول الإجابة عن سؤال يبدو اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى:

لماذا تفشل الشرعيات في سورية؟


الكاتب ماهر سليمان العيسى

ماهر سليمان العيسى

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة