إيران ما بعد الحرب

img

لنترك جانباً ادعاءات النصر والهزيمة، ولنحاول التفكير في مصير إيران ومنطقة الخليج العربي في ضوء نتائج حرب إيران بعيدة المدى، فالولايات المتحدة ستخرج من الحرب بالدرس الذي خرجت به سابقاً من حرب العراق، وهو أن الانخراط في الحرب في هذه المنطقة لا يفضي إلى نتائج حسنة على صعيد مكانة الولايات المتحدة الدولية، فضلاً عن تأثيراته السلبية على الداخل الأمريكي والاقتصاد العالمي.

مثل ذلك الدرس يعني الانسحاب خطوةً نحو الوراء، وترك المنطقة للقوى الإقليمية لتتفق أو تختلف فيما بينها، وتنشئ باتفاقها أو اختلافها في النهاية نظاماً إقليمياً يعبر عن توازنات القوى ضمن الإقليم. وأن دور الولايات المتحدة سوف يتحدد بدفع القوى الإقليمية بعيداً عن الحروب من جهة، وقريباً من المصالح الأمريكية من الجهة الأخرى.

فالنزاعات الإقليمية حين تشتد تستدعي بالضرورة القطب الأعظم، أي الولايات المتحدة، لتجد نفسها متورطة مرة أخرى في الحرب، وهكذا تتحول الحروب الإقليمية إلى حروب عالمية مصغرة لا تسهم في تعزيز مكانة الولايات المتحدة العالمية بقدر ما تستنزفها، وتكشف حدود إمكانات استخدامها لقواتها العسكرية الكبيرة.

فحرب إيران مثلاً كشفت محدودية فاعلية القوة العسكرية الأمريكية في الحصول على نتائج سياسية تتناسب مع استخدام القوة العسكرية، وذلك بسبب تعقيدات الأوضاع السياسية والاقتصادية العالمية. فإغلاق مضيق هرمز، الذي لم تتمكن الولايات المتحدة من إعادة فتحه سوى عبر اتفاق سلام مع إيران، تسبب في أزمة اقتصادية عالمية كان يمكن أن تتحول إلى كارثة اقتصادية عالمية تطال الولايات المتحدة وأوربة وحتى الصين، بسبب شح إمدادات الطاقة، ما لم يكن موضع حساب وتقدير سوى بالنسبة إلى بعض مراكز الأبحاث السياسية والاقتصادية المتخصصة.

وبالعودة إلى إيران، فسوف تجد نفسها في مواجهة استحقاقات ما بعد الحرب ضمن بيئة إقليمية ودولية مختلفة تماماً عما سبق.

وبسبب الحرب وافتقاد القيادات الروحية والسياسية والعسكرية في الصف الأول والثاني، فهناك فرصة لخروج قيادات من الصف الثالث تعيد تشكيل السياسة الإيرانية الداخلية والخارجية.

صحيح أن النظام الإيراني سيخرج من الحرب بادعاءات النصر السياسي والمعنوي، المعزز بمكاسب مثل رفع الحظر عن تصدير النفط الإيراني، وعن العقوبات الأخرى المطبقة على إيران، وكذلك رفع الحجز عن الأموال الإيرانية المجمدة، وربما يحصل على بعض التعويضات التي وردت في اتفاق التفاهم المعلن، لكن ذلك كله لن يكون كافياً لاستمرار الخط المتشدد في السياسة الإيرانية.

فإيران ما بعد الحرب ستكون أسيرة طريقين للمستقبل، إما تغيير يأتي من فوق، على طريقة غورباتشوف، يعيد هيكلة السياستين الداخلية والخارجية مع الإبقاء على النظام عن طريق إعادة إنتاجه، وهي مهمة صعبة بلا شك، وأثبتت في دول ديكتاتورية أخرى أنها تكون مرحلة انتقالية قصيرة فحسب. فروسيا التي نعرفها الآن لم تظهر سوى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي التام، وغورباتشوف في حركته الشهيرة “البيروسترويكا” لم يكن سوى لحظة انتقالية قصيرة ضمن تحولات جذرية لم تترك حجراً على حجر في الدولة السوفييتية.

أو أن يصعد المتشددون إلى قمة النظام محمولين على هيمنة الحرس الثوري خلال فترة الحرب، وذلك يعني وضع النظام بمواجهة أسباب اجتماعية عميقة وقوية للتغيير أنضجتها الحرب في المجتمع الإيراني، وسوف يفضي ذلك إلى مواجهات عنيفة قد تسفر عن انهيار تام للنظام.

لا يمكن لإيران، على ما أعتقد، تجنب هذين الطريقين للمستقبل، ومن الواضح أن الولايات المتحدة والغرب عموماً سيقفان إلى جانب إسقاط النظام، وليس إصلاحه، لكنهما سوف يتحفظان لجهة الخوف من تفكك الدولة الإيرانية وانتشار الفوضى، ما لا يريد أحد رؤيته في إيران.

ومنذ الآن وحتى تتضح خيارات إيران المصيرية، سوف يسعى الغرب والدول العربية إلى احتواء إيران ومحاولة إيجاد نظام إقليمي مستقر على نحو من الأنحاء، لكن لا يمكن لمثل ذلك النظام في الحقيقة أن يكون مستقراً قبل أن تستقر إيران ذاتها.


الكاتب معقل زهور عدي

معقل زهور عدي

كاتب وناشط سياسي مهندس مدني – دراسات عليا في الهيدرولوجيا في معهد الهيدروليك والبيئة – دلفت – هولندا المنسق العام لتيار العروبيين السوريين

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة