التحديات الراهنة ومسارات الخروج
تعيش سوريا اليوم مرحلة دقيقة من تاريخها الحديث بعد سنوات طوبلة من الصراع المسلح والانهيار المؤسسي والتراجع الاقتصادي والتفكك الاجتماعي، ورغم التحولات السياسية التي شهدتها البلاد، فإن التحديات الأساسية التي تواجه السوريين ما تزال كبيرة وتتطلب معالجة شاملة، تتجاوز الحلول الأمنية أو السياسية الضيقة، نحو مشروع وطني جامع يؤسس لدولة المواطنة والقانون.
إن الاستقرار المستدام لا يمكن أن يتحقق بمجرد انتهاء المواجهات العسكرية أو تغيير موازين القوى، بل يحتاج إلى بناء شرعية سياسية قائمة على المشاركة الواسعة والعدالة والمساواة بين المواطنين، من خلال سيادة القانون والتعددية السياسية واحترام حقوق الإنسان والحريات العامة، وضرورة بناء دولة مدنية، ديمقراطية، تقوم على الفصل بين السلطات واستقلال القضاء وتداول السلطة عبر انتخابات حرة، تضمن تشكيل الأحزاب السياسية، والنقابات المهنية، وتنظيمات المجتمع المدني، بوصفها أدوات أساسية لمشاركة المواطنين في الحياة العامة. بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو المذهبية أو القومية أو المناطقية أو السياسية.
فسوريا اليوم تعيش عدة مآزق أو أزمات، سنأتي عليها تباعاً:
أولاً: المأزق الأمني
لا تزال الحالة الأمنية تشكل أحد أبرز التحديات أمام الدولة والمجتمع ويتجلى ذلك في انتشار السلاح خارج الأطر النظامية في بعض المناطق، وضعف الثقة بين المواطنين والأجهزة الأمنية نتيجة تراكمات سنوات الصراع، ووجود جماعات مسلحة متعددة الولاءات والمرجعيات، واستمرار بعض أشكال العنف المحلي والثأر والنزاعات المجتمعية، أضافة إلى هشاشة السيطرة الإدارية والأمنية في بعض المناطق.
وقد أدى ذلك إلى شعور واسع بانعدام الأمان لدى قطاعات من المواطنين، سواء على المستوى الشخصي أو الاقتصادي حيث يتردد المستثمرون وأصحاب رؤوس الأموال بضخ استثمارات جديدة في بيئة غير مستقرة.
وقد لوحظ مؤخراً عودة شرط الموافقة الأمنية على عمليات البيع والشراء والتأجير للعقارات التي تمس قطاعاً واسعاً من المواطنين وربما يخضع بعضهم لابتزاز مالي للحصول على الموافقة الأمنية إحياءً لمناخات الفساد السابقة، أو وهذا الأخطر في أن يكون ذلك إرهاصاً لإعادة إنتاج الدولة الأمنية البغيضة.
ثانياً: الأزمة الاقتصادية
تعد الأزمة الاقتصادية اليوم التحدي الأكثر إلحاحاً بالنسبة لغالبية السوريين ويتجلى هذا الأمر من خلال، تدهور القدرة الشرائية، وارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية مع انخفاض قيمة الدخل للأسر السورية، واتساع الفجوة بين الرواتب وتكاليف المعيشة وتفاقم ذلك بعد القرارات الأخيرة التي تباينت فيها الرواتب بين موظف وآخر من نفس المؤهل، بسبب تبعيته الوزارية، أو ما يطلق عليه الأثر المعياري لمكان الوظيفة، ناهيك بالتهميش الذي لحق بالمؤهل العلمي، إذ ساوت الزيادات الأخيرة بين متقاعدي الفئة الأولى مع متقاعدي الفئة الخامسة، بإعطائهم جميعاً زيادة الحد الأدنى للأجور، فيما يمكن تسميته، “نزعة التساوي في التحت”.
إذ تعاني شريحة واسعة من العاملين في القطاعين العام والخاص من عدم كفاية الأجور لتغطية الاحتياجات الاساسية، ما أدى إلى:
– تراجع مستوى المعيشة.
– زيادة الاعتماد على التحويلات الخارجية.
– انتشار العمل الاضافي غير المنظم.
– هجرة الكفاءات والكوادر المهنية.
ونتج عن ذلك وتفاعل معه، ضعف الإنتاج وتراجع القطاع الصناعي مع تضرر البنية التحتية، وصعوبات التحويل والاستثمار، التي أنتجت حالة من البطالة، بين الشباب والخرجين الجدد خصوصاً، الأمر الذي يخلق بيئة خصبة للإحباط الاجتماعي والهجرة والانكفاء عن المشاركة العامة.
ثالثاً: الأزمة الاجتماعية
يمكننا تلمس مظاهر هذه الأزمة من خلال تداعيات سنوات الحرب إضافة إلى الأزمة الاقتصادية والتي تبدت على نحو واضح بالفقر والتفاوت الاجتماعي والهجرة والنزوح، فأصبحت شرائح واسعة من السكان تعيش تحت خط الفقر أو بالقرب منه، مع تراجع القدرة على تأمين الاحتياجات الضرورية، وظهرت فجوات متزايدة بين الفئات القادرة على الوصول إلى الموارد والفرص وبين الفئات المهمشة، وهذا ما دفع بالكثير إلى الهجرة الواسعة التي أدت بدورها إلى استنزاف الموارد البشرية وتفكك الأسر واختلالات ديموغرافية ومجتمعية، وضعف الثقة المجتمعية التي تراكمت خلال سنوات الصراع وألهبت مشاعر الريبة والانقسام بين المكونات المختلفة، ما يتطلب جهوداً مضنية وعملاً طويلاً، لإعادة بناء الثقة الوطنية.
رابعاً: الأزمة الثقافية والهوية الوطنية
تعرض المجال الثقافي السوري خلال السنوات الماضية الى ضغوط كبيرة انعكست على:
تراجع دور المؤسسات الثقافية، وضعف الإنتاج الفكري والمعرفي، مع تصاعد الخطابات الاقصائية والهويات الفرعية، وتراجع مساحة الحوار والتعددية، كما برزت مخاوف لدى بعض الفئات من هيمنة رؤية سياسية أو أيديولوجية أو اجتماعية واحدة على المجال العام، وما قد يترتب على ذلك من شعور بالتهميش أو الإبعاد عن الحياة العامة.
خامساً: أزمة المشاركة السياسية
من بين التحديات الجوهرية التي تواجه سوريا اليوم، شعور قطاعات من المجتمع بأنها غير ممثلة بشكل كاف في مراكز القرار السياسي والإداري، ويتجلى ذلك من خلال:
– محدودية المشاركة السياسية لبعض القوى والفئات.
– ضعف التمثيل المتوازن للمكونات المجتمعية.
– الخشية من احتكار السلطة او النفوذ من قبل شبكات ضيقة.
– ضعف قنوات المساءلة والرقابة العامة.
إن أي تصور لبناء دولة مستقرة يحتاج إلى ضمان مشاركة جميع المواطنين على أساس الكفاءة والمواطنة وليس على أساس الانتماء الديني أو المذهبي أو العرقي أو السياسي، وربما يأتي قرار حل الهيئة السياسية حسب المعلومات المتداولة، والتي كانت تهيأ لتحل محل الحزب المنحل، في المكان والدور، إقراراً بالإخفاق، ما يبعث على الأمل والتفاؤل النسبي، لخيارات أفضل.
مسارات الخروج والتعافي
رغم حجم التحديات، تمتلك سوريا مقومات مهمة للنهوض الاقتصادي والتعافي السياسي، ومن عوامل القوة لديها، الموقع الجغرافي الاستراتيجي، والموارد البشرية المؤهلة، والقطاع الزراعي الواعد، والخبرات الصناعية والتجارية المتراكمة إضافة إلى وجود جاليات سورية واسعة في الخارج تمتلك الخبرات ورؤوس الأموال.
ومن أجل تجاوز الأزمات والتحديات، لابد من الانتقال من منطق الغلبة والاستبعاد إلى منطق الشراكة الوطنية، وبناء اقتصاد وطني منتج يحقق العدالة الاجتماعية ويكافح الفقر والبطالة والاحتكار.
والسعي لتحقيق المصالحة والعدالة من خلال كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون، وليس عبر الانتقام أو تصفية الحسابات، لأن بناء دولة القانون والديمقراطية يتطلب الاعتراف بالمعاناة التي تعرض لها ملايين السوريين خلال سنوات الاستبداد، فنجاح العدالة الانتقالية سيسهم في تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع وطي صفحة الماضي بطريقة قانونية وأخلاقية، تحفظ كرامة الضحايا وتؤسس لمستقبل قائم على المواطنة والمساواة وسيادة القانون عبر عقد اجتماعي جديد يتأسس على المبادئ التالية:
1- المواطنة المتساوية واعتبار جميع السوريين متساوين في الحقوق والواجبات، دون تمييز بسبب الدين، المذهب، القومية، الجنس، المنطقة، الرأي السياسي.
2- سيادة القانون، بخضوع الجميع للقانون، واستقلال القضاء، ومنع الإفلات من العقاب، وحماية الحقوق والحريات الاساسية.
3- التعددية السياسية، بضمان حرية التنظيم السياسي، وتداول السلطة سلمياً، وتمكين المعارضة السلمية وحماية حرية التعبير.
4- اللامركزية الإدارية، بما يسمح بتوسيع المشاركة المحلية وتحسين الخدمات وتعزيز التنمية المتوازنة.
5- العدالة الاجتماعية، بتبني سياسات مكافحة الفقر، وضمان الحد الأدنى من الدخل وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وتحقيق تكافؤ الفرص.
6- المصالحة الوطنية، عبر مسار وطني شامل، يركز على الاعتراف بالمعاناة المتبادلة، جبر الضرر، ومنع تكرار الانتهاكات.
خاتمة
تقف بلدنا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، فإما أن يستمر منطق الإقصاء والانقسام وتغليب المصالح الفئوية الضيقة، بما يهدد بإعادة إنتاج الأزمات بأشكال جديدة، وإما أن تنجح القوى السياسية والاجتماعية في بناء العقد الاجتماعي الجديد الذي يؤسس لدولة المواطنة المتساوية والقانون والمؤسسات، لأن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على هيمنة فئة أو جماعة أو لون سياسي واحد بل على شعور جميع المواطنين بأنهم شركاء متساوون في الوطن، يتمتعون بالحقوق نفسها ويخضعون للقواعد نفسها، ويملكون فرصاً متكافئة للمشاركة في صناعة مستقبل بلدهم.
وإننا كناشطين ومهتمين بالشأن العام ننظر بإيجابيه إلى كل خطوة تسهم في استقرار البلد واستعادة مؤسساتها، كما نؤكد مرة أخرى ودائماً أن نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب توسيع المشاركة الوطنية ونعزيز الشفافية والالتزام بسيادة القانون، مشيرين إلى أن بعض التعيينات والممارسات غير المسؤولة تثير أسئلة مشروعة حول معايير الإدارة العامة وآليات اتخاذ القرار، ونرى أن معالجة هذه الهواجس، بالحوار والانفتاح والإصلاح المؤسسي، هو الطريق الأمثل لبناء دولة تستفيد من تضحيات السوريين وتمنع عودة الاستبداد بأي صورة كان.
لقد وقفنا ضد الاستبداد بالأمس وسنقف اليوم وغداً مع الديمقراطية والعدالة والدولة الجامعة، دون خصومة مسبقة مع أحد ودون تفريط بالمبادئ التي ناضلنا من أجلها.
نسعى كما كنا دوما إلى الاستقلال دون عداء، والنقد دون قطيعة، والثبات على المبادئ دون الوقوع في الاستقطاب، وتاريخنا في مواجهة الاستبداد ليس امتيازاً سياسياً يمنحنا العصمة، لكنه يلزمنا سياسياً وأخلاقياً بالاستمرار في الدفاع عن الديمقراطية والعدالة للجميع، دون أن نقع في الانتهازية أو التردد، بل لنؤكد دورنا في العملية الوطنية ونسعى إلى ترسيخ قواعد حكم رشيدة بمعزل عمن يتولى السلطة اليوم.