العقل الأيديولوجي التبشيري: ملاحظات
لماذا تقدموا؟، ولماذا تخلفنا؟ سؤال شكيب أرسلان التاريخي، لا يزال راهناً، ومصاحباً لبعض من العقل العربي في كافة توجهاته السياسية والفكرية، ودالاً على أزماته البنيوية، وتشكلاته، أيّاً كان حداثياً أو شبه حداثي، وفقهياً نقلياً، أو لاهوتياً، وبعض من هذه العقول العربية، لا يزال بعضها يعيد إنتاج إجاباته العامة والنمطية والسائلة والغائمة.
مع كل صدمات الهزائم الكبرى، لا يزال السؤال الأساس، على بساطته، قائماً ومعه إجاباته، وبعض من السرود الانطباعية المرسلة، ومعها بعض من المواقف التي تنطوي على تحيزات مسبقة، على نحو ما حدث، ولا يزال، حول انهيار المرحلة شبه الليبرالية، وهزيمة الخامس من يونيو 1967، أو انهيار مشروع التنمية في أعقاب حرب أكتوبر 1973، أو هشاشة بناء دولة ما بعد الاستقلال في غالب دول العالم العربي، مع الاستثناء المصري والمغربي!
صدمات التطورات العلمية والتكنولوجية مع الثورة الصناعية الثالثة والرابعة، كاشفة عن حالة من التكيف الدولتي والسلطوي العربي مع التخلف التاريخي المتراكم، وكبح أية محاولات للعقل النقدي الحر من أن يتناول بالبحث والتفكيك والتحليل لماذا نتكيف مع التخلف، وعوامله، وأسبابه منذ صدمة الحداثة مع مدافع نابليون، وحتى الآن؟
ثمة عديد من الأسباب يمكن طرح بعضها فيما يلي:
1- هيمنة العقل الديني النقلي الوضعي، الذي يتمركز حول السرديات الوضعية التاريخية حول النصوص المؤسسة للديانات والمذاهب المختلفة في المنطقة العربية، وتحول العقل الديني الوضعي الاتباعي إلى استعادة هذه السرديات، ومدارسها ومذاهبها، والشروح على الشروح، وإعادة إنتاجها، دونما درس وتحليل سوسيو – تاريخي لها، في مراكز إنتاجها، وطبيعة تطوراتها، وانتقالاتها من منطقة وجماعات لأخرى، ومشكلاتها، والتداخل ما بين السياسي والديني، والتشكيل المذهبي لها.
2- دور العقل السياسي الاستبدادي، في مطاردة الاتجاهات العقلانية والتجديدية في الفكر الديني الإسلامي، وقمع محاولات الإصلاح، وأيضاً توظيف الحكام للدين سياسياً في إنتاج ثقافة الخضوع والاستكانة والعبودية للطغيان، واستخدام رجال الدين التابعين في تبرير الاستبداد تاريخياً، وحتى دولة ما بعد الاستقلال عن الاستعمار الغربي.
3- الانفصال بين غالب الفكر الديني وتحولات الواقع الموضوعي ومشكلاته وتعقيداته، وبين الفكر الديني والفقهي واللاهوتي والفلسفي – الكلامي – وتطورات الفلسفات الحداثية وما بعدها.
4- الفصل بين التطورات التكنولوجية وثوراتها المتعاقبة، وبين ما وراءها علمياً وفلسفياً وثقافياً وقيمياً، وبين الأسئلة حول الشرط الإنساني والوجودي والمعنى. هيمنة النظرة الأداتية إلى التكنولوجيا شكلت وعي وإدراك النخب السياسية الاستبدادية العائلية، والسلطوية ما قبل وما بعد الاستقلال عربياً، وحتى الآن، ونظرتهم للحداثة والتقدم، نظرة تتمركز حول استيراد بعض التكنولوجيا، التي تختصر في أنظمة تقنية للاستهلاك والاستيراد من الخارج، وليس إنتاجها، وذلك بعد تجاوزها في مهادها مع تطوراتها المتلاحقة في بلادها، واعتبارها شكلاً ورمزاً على التقدم، وليس ما وراءها من علوم وفلسفات وأسئلة ومراكز بحث وحريات سياسية وعلمية وأكاديمية.
5- العقل السياسي الانقسامي العربي وخلفياته القبائلية والعشائرية والعائلية ومذهبياته الدينية، قامع للحريات العامة، لأنها تشكل في إدراكه خطراً على استقراره واستمراريته في السلطة، ومعه تركيبة الحكم، ومصادرها وسندها الاجتماعي في مكوناته الانقسامية، وفي مواجهة المكونات والأقليات الأخرى.
6- بعض العقل العربي شبه الحداثي، تبشيري ودعوي في أطروحاته، وشروحه للفلسفات والنظريات والمفاهيم المستعارة من المتون المرجعية الغربية. الطابع التبشيري والدعوي هو أحد عناصر الثقافة الدينية السائدة في المجتمعات العربية، بل وفي دوائر الحكام، ورجال الدين التابعين لهم.
الخطاب التبشيري العربي شبه الحداثي، والإيديولوجي – قبل وبعد الحرب العالمية الثانية- قدم الإيديولوجيا الماركسية والليبرالية الغربية، كتبشير سياسي وأيديولوجي لإمكانيات تطور المجتمعات العربية تحت الاحتلال الأوروبي، وأيضاً بعد الاستقلال. الخطاب التبشيري الليبرالي والماركسي أثناء الحرب الباردة، وفي إطار حركة عدم الانحياز، والطريق اللارأسمالي للتنمية، أو في ظل رأسمالية الدولة الوطنية، اتسم بعضه بالنزعة الشعاراتية العامة، واللغة الخشبية الأقرب إلى لغة الإيمان العقيدي، والصراطات المستقيمة، وثنائية الوطنية وأضدادها، ومن ثم لغة الحماسة التبشيرية، ولغة الوعود والأحلام في التقدم والمساواة والعدالة.
النزعة التبشيرية الحماسية، هي لغة تعبئة سياسية واجتماعية تساوق اللغة الدينية والعقيدية واللاهوتية، لاسيما سردياتها، وهي منفصلة عن الواقع الموضوعي، ومحمولاته وتعقيداته وموروثاته المتعددة، ومن ثم ظل بعض العقل الإيديولوجي وبعض شبه الحداثي والحداثي، يحاولون إسقاط مفاهيمهم على واقع غير مدروس في بعض أو غالب مكوناته وبنياته الاجتماعية والدينية والثقافية والاقتصادية والسياسية. بعض من هذا الانفصال مرجعه موت السياسة، والقيود على حريات البحث التاريخي والاجتماعي والسياسي، وأيضاً البحث الميداني لمعرفة الواقع المعيش، وقمع واعتقال العقل الحر والنقدي سلطوياً وأمنياً.
7- العقل السياسي السلطوي ما بعد الاستقلال، كان بعضه أقرب إلى عقل الحاكم المتغلب – في فقه الجمهور السني – واستند على بعض ميراث سياسة القمع الاستعماري، دون ثقافة الليبرالية الغربية، واتخذ من شعارات الاستقلال والتحرر الوطني ومواجهة الإمبريالية موضوعاً لخطابه التبشيري التعبوي، أداة لتوجيه سياسات التعليم – التعليم العام والديني – وأيضاً لبعض التعليم الجامعي عن الاشتراكية والقومية العربية، ومن ثم فرض، ولا يزال، قيوداً رمزية على سياسات التعليم وبعض مناهجه.
من ناحية أخرى، تم إعادة توجيه الدراسات التاريخية لكتابة تاريخ كل بلد عربي، لاسيما الحديث والمعاصر، من منظور كل سلطة سياسية حاكمة، وتتغير كتابة بعض مناهجه مع كل حاكم جديد، دعماً وسنداً لشرعيته المتغلبة، محكها هو، ودوره، وإنجازاته. من ثم أدى ذلك إلى تشوش الوعي التاريخي لدى الطلاب والمتعلمين وخريجي الجامعات، وهو ما بات واضحاً في غياب المعلومات الدقيقة والوثائق، ودراسات موضوعية لها، على نحو ما يظهر في تمجيد بعضهم للمرحلة شبه الليبرالية، دون مساوئها وأخطائها وطابعها الطبقي في مصر، وأيضاً في أسباب هزيمة الخامس من يونيو 1967، وفي مسارات التسوية السياسية ما بعد حرب 6 أكتوبر 1973… إلخ.
الكتابة التاريخية السلطوية، ساهمت في تشوش العقل شبه الجمعي، وفي إضعاف الجوامع القومية المشتركة، ومعها مفهوم القومية/الوطنية، وبروز الحروب الهوياتية على الهوية القومية الجامعة، نظراً للنزعة السلطوية الغاشمة، وغياب نظم تمثيلية ديمقراطية، تكرس الحريات العامة والفردية، وتؤسس للمشتركات العابرة للمكونات داخل كل مجتمع ودولة عربية هشة، وخاصة مع السياسات النيوليبرالية، وتفاقم واتساع الفجوات الاجتماعية، وهشاشة الفئات الوسطى – الوسطى والصغيرة – واللاأغلبيات المعسورة في عالم يسوده بعض من الاضطراب، واللايقين، والتحول إلى ما بعد الإنسانية.
المصدر: الأهرام