حرب إيران والنظام العالمي

img

في نسخته الأخيرة يوصف النظام العالمي بكونه أحادي القطبية، بمعنى اعتماده على حامل واحد هو القطب الأمريكي.

حدث ذلك بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، وفي العام 1997 كان تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة قد أكمل صياغة مشروع “القرن الأمريكي الجديد” على يد كل من ويليام كريستول وروبرت كاغان، بهدف الترويج للقيادة العالمية الأمريكية، وزيادة الإنفاق العسكري، وتطبيق “سياسة ريغانية” تعتمد على القوة العسكرية و”الوضوح الأخلاقي” (فرض الديمقراطية)، لتأمين الهيمنة الأمريكية طوال القرن الحادي والعشرين.

في العام 2001 صعد تيار المحافظين الجدد إلى السلطة بعد فوز جورج بوش الابن بالرئاسة، عبر كل من ديك تشيني نائباً للرئيس، ودونالد رامسفيلد وزيراً للدفاع، وبول وولفويتز نائباً له، وبالتالي أصبح الطريق مفتوحاً لتطبيق مشروع القرن الأمريكي الجديد.

يمكن بسهولة الربط بين انهيار الاتحاد السوفييتي كقطب عالمي منافس ضمن النظام العالمي ثنائي القطبية الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية، وبين صعود تيار المحافظين الجدد، فقد حدث تقاطع واقعي بين النظام العالمي الجديد أحادي القطبية وبين مشروع القرن الأمريكي الجديد.

لكن المفارقة هنا أن النظام العالمي، بمفهومه الأصلي، نشأ من أجل منع أي قوة عالمية من فرض الهيمنة وحدها. هكذا كان الحال في مؤتمر باريس 1919 حين اتفق أكبر المنتصرين الأربعة في الحرب، بريطانيا وفرنسا وأمريكا وإيطاليا، على إنشاء عصبة الأمم كإطار قانوني عالمي لمنع الحرب وإحلال السلام في أوربة والعالم، ومنع ألمانيا من الهيمنة على أوربة مرة ثانية.

وتكرر الأمر في العام 1945 مع إنشاء الأمم المتحدة، سوى أن تلك الحرب شهدت صعوداً عسكرياً وسياسياً للاتحاد السوفييتي، بحيث لم يعد ممكناً إحلال السلام بدون وجوده كشريك في النظام العالمي.

يعني مشروع القرن الأمريكي الجديد الهيمنة الأمريكية العسكرية والسياسية والاقتصادية العالمية، ومنع صعود أية قوة عالمية منافسة، حتى لو تطلب الأمر ممارسة القوة العسكرية.

تتمحور الإستراتيجية المعلنة للمحافظين الجدد للوصول إلى الهيمنة الأمريكية العالمية، “وثيقة العام 2000″، حول خمسة مرتكزات:[1]

1- التفوق العسكري الحاسم.

2- الحروب الاستباقية.

3- الأحادية وتهميش المؤسسات الدولية.

4- نشر الديمقراطية بالقوة.

5- السيطرة على الفضاء الخارجي والفضاء الإلكتروني.

ما يهمنا بصورة خاصة هو البند الثالث، الذي يعبر بصراحة مطلقة عن ازدراء الأمم المتحدة وجميع المنظمات المتفرعة عنها، ويعني ذلك مباشرة ازدراء النظام العالمي، فالأمم المتحدة هي المؤسسة التنفيذية التي أوجدها النظام العالمي لتطبيق أهدافه الواردة في ميثاق الأمم المتحدة.

لنتأمل هنا هذا التناقض الفاقع بين الهيمنة الأمريكية العالمية التي صاغها مشروع المحافظين الجدد، وما زالت حتى الآن حاضرة في السياسة الأمريكية، بغض النظر عن مصير تيار المحافظين الجدد، وبين وظيفة القطب الأوحد كحامل للنظام العالمي.

هذا التناقض يعني وجود خلل كبير في النظام العالمي، وهذا يفسر كيف انحدرت فعالية الأمم المتحدة ودورها في فض النزاعات بالطرق السلمية، وكيف فقد مجلس الأمن وظيفته، وأصبح مجرد شاهد على الأحداث.

لكن لماذا بقي هذا التناقض فترة طويلة ولم ينفجر؟

السبب بسيط، ففي المرحلة السابقة، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لم تصعد قوة عالمية لتهدد الهيمنة الأمريكية العالمية.

اليوم تشعر الولايات المتحدة أن هيمنتها العالمية مهددة بصعود الصين كقوة عالمية اقتصادية وعسكرية.

ليس مستغرباً أن يفسر بعضهم ذهاب الولايات المتحدة المفاجئ إلى الحرب على إيران من جانب واحد بمحاولة محاصرة الصين والتحكم في إمدادها بالنفط، وحتى لو لم يكن ذلك سبباً مباشراً ووحيداً للحرب، فمن غير المستبعد أن يكون ضمن الأسباب غير المباشرة لانخراط إدارة ترامب في حرب لم تكن ضرورية، وفق رأي معظم الأوروبيين وحلفاء آخرين للولايات المتحدة.

قبل ذلك لعب فشل الحملة العسكرية على العراق وأفغانستان دوراً في تراجع نفوذ تيار المحافظين الجدد، وبدأت هناك مراجعة لعقيدة القرن الأمريكي الجديد، لكن تلك المراجعة توقفت عند حدود الحفاظ على نفوذ الولايات المتحدة الضروري لحماية مصالحها الحيوية القائمة فعلاً، وتقليص الانخراط في حروب لا فائدة منها.

أما منع صعود الصين كمنافس للهيمنة الأمريكية، فلا شك أنه ما زال قائماً، مع البحث عن شتى الوسائل غير العسكرية حتى الوقت الراهن.

أية مقارنة بين الخطوط الرئيسية للسياسة الأمريكية الخارجية وبين عقيدة المحافظين الجدد تظهر أن السياسة الأمريكية ما زالت متأثرة بفكر المحافظين الجدد، لكن بصورة مختلفة عما كانت عليه في مطلع القرن الحادي والعشرين.

فازدراء الأمم المتحدة ومنظماتها، والعمل خارج قوانين وميثاق الأمم المتحدة، وخارج مجلس الأمن، يمكن ملاحظته في عملية فنزويلا كما في حرب إيران.

فبأي معنى، والحالة هذه، يمكن الحديث عن نظام عالمي، “نظام الأحادية القطبية”، لا يحمل القطب الأوحد فيه أي احترام للأمم المتحدة وميثاقها ومؤسساتها؟

أظهرت النتائج السياسية لحرب إيران محدودية ما يمكن أن تنجزه القوة العسكرية الهائلة للولايات المتحدة على صعيد تعزيز مكانة الولايات المتحدة العالمية، بل إنها، وعلى النقيض، أظهرت فشلاً سياسياً سوف يدفع نحو تراجع تلك المكانة العالمية، ويزيد الشروخ بينها وبين حلفائها التقليديين.

كل ذلك يصب في تسليط الضوء على النظام العالمي باعتباره حجر الزاوية في منع انتشار الحروب والحفاظ على السلام الدولي.

لقد اضطر الجميع، أثناء إغلاق مضيق هرمز، للعودة إلى القانون الدولي للبحار، الذي اعتمد خلال مؤتمر عالمي نظمته الأمم المتحدة عام 1982، وتديره اليوم هيئات تابعة لها.

تدل تلك الواقعة وغيرها على أن العالم لا يمكن أن يستغني عن الأمم المتحدة كمرجعية للقانون الدولي، وكأداة لحل النزاعات بصورة سلمية، لكن الأمم المتحدة لا يمكن أن تقوم بوظيفتها من خلال نظام عالمي مختل بصورة كبيرة.

يعزز ما سبق فرصة الصين للمطالبة بتغيير النظام العالمي، التي عبر عنها الرئيس الصيني تشي جين بنغ بالتساؤل عما إذا كان بإمكان البلدين، أمريكا والصين، تجاوز فخ ثيوسيديدس وصياغة نموذج جديد للعلاقة بين القوى العالمية الكبرى، بدل عقلية الهيمنة الأحادية، وليس بطريق المصادفة أن تأتي دعوته تلك مع الحرب في إيران.

تشير دعوة الرئيس الصيني إلى الذروة التي بلغها تراجع النظام العالمي الأحادي القطبية، وكيف أن هذا النظام قد وصل إلى حافة الانهيار، الذي يمكن أن يحمل صداماً عنيفاً بين القوى الكبرى.

ما فعلته حرب إيران أنها كشفت أن الخلل البنيوي في النظام العالمي لم يعد في إمكان العالم تحمله بعد صعود الصين، وليست الصين وحدها في المطالبة بنظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، فخلفها روسيا، وربما تنضم إليهم دول أو اتحادات أخرى قريباً.


[1]– وثيقة العام 2000 للمحافظين الجدد أصدرها معهد أبحاث أمريكي يميني باسم “مشروع القرن الأمريكي الجديد”.


الكاتب معقل زهور عدي

معقل زهور عدي

كاتب وناشط سياسي مهندس مدني – دراسات عليا في الهيدرولوجيا في معهد الهيدروليك والبيئة – دلفت – هولندا المنسق العام لتيار العروبيين السوريين

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة