في الحاجة إلى مقاربة جديدة للاجئين السوريين في أوروبا

img

الثورة السورية – 20 حزيران 2026

إنّ التدبير العقلاني لمسألة اللاجئين السوريين في أوروبا يتطلب تبنّي مقاربة جديدة، بعد أن تبينت الإفرازات السلبية لعدم الاندماج (شعور بعضهم بالدونية إزاء القيم الأوروبية، والعيش على هامش هذه المجتمعات، وممارسة العنف بمختلف أشكاله من قبل بعض اللاجئين)، مما يعكس المأزق الذي وصلت إليه المقاربات والسياسات التي عولجت بها قضاياهم، وتكشف أيضاً أنّ الأسئلة الحقيقية ظلت مغيبة.

فعوضاً أن يشكل اللاجئون في مجمل الدول الأوروبية جسراً للحوار والتلاقح والتعايش بين مختلف الثقافات، ورابطة إنسانية وثقافية فعلية تستفيد منها جميع الأطراف والشعوب، تعرضت في معظمها لتهميش متبادل.

لقد كشفت دراسة حول العنصرية داخل المؤسسات الحكومية الألمانية، في 8 حزيران/يونيو الجاري، أنجزها غيرت بيكل أستاذ علم الاجتماع في جامعة لايبزيغ، عن تعرض فئات عدة من الأجانب واللاجئين لممارسات تمييزية وسوء معاملة في بعض الدوائر الرسمية. كما رصدت الدراسة تفاوتاً واضحاً في معاملة اللاجئين السوريين مقارنة باللاجئين الأوكرانيين، إذ أشار التقرير النهائي إلى أن الأوكرانيين يحظون، في كثير من الحالات، بمعاملة أفضل بكثير من غيرهم داخل مكاتب العمل.

وقد رفض متحدث باسم وزارة الداخلية الألمانية هذا التوصيف، مؤكداً أن نتائج الدراسة أُتيحت للجمهور على الموقع الإلكتروني للوزارة. وأوضح أن الوزارة ترى في نتائج الدراسة تأكيداً لاعتقادها بأن حالات التمييز داخل مؤسساتها تمثل استثناءً مطلقاً، مشيراً إلى أنها تدعم منذ سنوات عديدة إجراءات متنوعة تهدف إلى منع التمييز.

وفي المقابل على اللاجئين أن يعوا بأنهم يشكلون لبنة أساسية في بناء المجتمعات الأوروبية، إن هم أحسنوا استغلال المناخ الديمقراطي وعززوا مشاركتهم في الحيّز العام وابتعدوا عن السلبية عموماً والحيادية في أحسن الأحوال. وللوصول إلى ذلك، من المهم جداً تحييد العامل الديني من دون أن يجري نفي تأثيره الثقافي والروحي على الأبعاد الشخصية للأفراد.

ولعلَّ أفضل مثال عن هذا التحوّل ما يقدمه كاتب ومفكر مسلم أوروبي، في كتابه ”دار الشهادة: الغرب فضاء للشهادة” الصادر سنة 2002، حيث يحدد شروطاً ثلاثة تتيح للمسلم في أوروبا مغادرة الاستقطاب الذي تأسس على الثنائية التقليدية وهي: القطع مع وضع الضحية والهامشي بالانضواء ضمن رابطة المسلمين الإيمانية الروحية، ورفض كل تديين للمشاكل التربوية والاقتصادية الاجتماعية بالبحث لها عن حلول سياسية وفاقية، والعمل على إنشاء مؤسسات للتكوين الديني للمسلمين لا تعتمد القراءة الحرفية الظاهرية للنصوص الدينية.

بهذه المنطلقات سيشهد اللاجئون السوريون في فضاء أوروبا الغربية أنهم ضيوف مندمجون في مجتمعهم الجديد، دون تنكّر لجذورهم من جهة، ودون انصياع إلى التقاليد الثقافية الموروثة من جهة ثانية، الذي يدفع بهم إلى مواقع ردود الأفعال وما يتولد عنها من عدوانية ومواجهة. على أنّ المواطنة تعني حق الجماعات الفرعية والأقليات في الاحتفاظ بهويتها الثقافية الخاصة حتى لا يتم احتواؤها ودمجها تماماً في الثقافة العامة الرسمية السائدة في المجتمع، بشرط ألا يترتب على ذلك عدم المشاركة بشكل إيجابي وفعّال في مختلف أنشطة الحياة والالتزام التام بالقوانين والقواعد الأساسية المنظمة للحياة العامة في الدولة.

وهذا يعني ضمناً تقبل الدولة الأوروبية لوجود هذه الجماعات المتمايزة ثقافياً والاعتراف بحقها في الاحتفاظ بمقوّمات ثقافتها الخاصة، وتفهمها للمبادئ التي تقوم عليها تلك الثقافة والقيم التي تكمن وراء مظاهرها الخارجية من سلوكيات وعلاقات قد تختلف اختلافاً جوهرياً عما درج عليه الأهالي الأصليون الذين يؤلفون غالبية السكان.

ويذهب الأستاذ ريناتو روزالدو أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة ستانفورد الأميركية، وهو الذي صاغ في الأصل تعبير ”المواطنة الثقافية“، إلى أنّ جماعات الأقليات التي تعيش في أي مجتمع وتعتبر أعضاءها مواطنين في ذلك المجتمع يمكنها الحصول لأعضائها على حقوقهم العامة كمواطنين كاملي المواطنة وعلى اعتراف الدولة والشعب بوجودهم ككيان متمايز داخل الدولة، وذلك عن طريق العمل الجاد من أفراد هذه الأقليات على نشر ملامح وخصائص ومقوّمات ثقافاتهم الخاصة والحرص على التعبير عنها بقوة ومثابرة وبكل الطرق والوسائل، إلى أن يتم تثبيتها في ذاكرة المجتمع وبذلك يفرضون ذاتيتهم وهويتهم الخاصة على المجتمع الكبير، بحيث يضطر في آخر الأمر إلى تعديل مواقفه المعارضة ونظرته الرافضة.

والمهم هنا فيما يتعلق بـ ”المواطنة الثقافية” هو أنّ الاعتراف بهذا التميّز الثقافي وقبوله واحترامه قد يكون عاملاً مؤثراً في إثراء الثقافة الأوروبية، كما قد يحل كثيراً من المشكلات الاجتماعية التي تعانيها مجتمعات الغرب في الوقت الحالي من الأعداد المتزايدة التي تفد إليها من الخارج والتي تنتمي إلى ثقافات مختلفة تريد الاحتفاظ بها إلى جانب تمتعها بحقوق والتزامات المواطنة السياسية.


الكاتب الدكتور عبد الله تركماني

الدكتور عبد الله تركماني

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة