مخاطر ضعف الخبرة في إدارة الدولة

img

صحيفة الثورة السورية – 1 حزيران 2026

تواجه عملية التغيير المؤسسي في سورية تحديات جمة، أبرزها التهديدات من السلاح المنفلت، والفساد المنتشر في مؤسسات الدولة. إضافة إلى أنّ أغلب القرارات تعكس عدم وجود الخبراء المختصين المشرفين على إصدارها، والنتيجة أنها قد لا تعكس النيات الحسنة لدى صانع السياسات، مما يعطي مؤشرات على المخاطر التي تهدد حياة أغلب السوريين، الذين باتوا يتساءلون عن العقد الاجتماعي الذي يحكم علاقتهم بحكامهم.

إذ ثمة عشوائية في رسم السياسات وإصدار القوانين، بل عدم إدراك حدود صلاحيات السلطة الانتقالية، بما فيها ضعف الخبرة في الإدارة العقلانية ذات الجدوى للدولة، ويظهر ذلك واضحاً في انعدام الكفاءة في كثير من التعيّنات لشاغلي الوظائف العليا في الدولة، إذ إنّ بعضها غير متخصص في ميدان تعيينها، كما هو حال ديبلوماسيين في سفاراتنا، من المؤكد أنهم لن يتمكنوا من تقديم صورة حقيقية عن التحديات التي تواجهها سوريا الجديدة.

ويبدو أنّ تحوّل مشايخ السلفية إلى راسمي قرارات في إماراتهم يضيّع إمكانية المحاسبة على النتائج، إذ إنّ دخول المطلق الديني يؤدي إلى تصدّع الحاجز بين القداسة والمصالح العليا لمستقبل الشعب السوري، حين يصبح نقد القرارات مساوياً للتشكيك في العقيدة الدينية. وعليه، فإنّ الخلط بين الدين والدولة ينتج سلطة غير قابلة للمحاسبة ورضى المجتمع، وبالتالي تكفير المعارضة السياسية بدلاً من الاسترشاد ببرامجها لتحسين صناعة السياسات والقرارات.

إنّ تحرير الدين من السياسة، التي هي حقل للتعاطي المجدي مع التحديات وتحويل الضرورات إلى وقائع، وذلك ليس رفضاً للإيمان بل حفاظاً على الدين من التشويه، بحيث يبقى حاملاً لمقاصده القيمية بعيداً عن صراع الصلاحيات. بل يجب صياغة معايير للخطاب الديني، لتجريم التحريض على الكراهية بين مكوّنات الشعب السوري، والتأكيد على المواطنة المتساوية والتعددية المجتمعية والسياسية. بما يضمن التمييز بين المقاصد القيمية للإسلام وخطاب بعض مشايخ الدين القابل للنقد، استناداً إلى قاعدة حماية حرية المعتقد والفصل بين السلطات الدينية والسياسية.

كل ما ذكرناه يؤدي إلى ضرورة حيادية الدولة عن الأديان والأيديولوجيات والأحزاب، بحيث تبقى مشرفة على إدارة الاختلاف ومنع الفوضى، أي تقييد القوة بالقانون لا إطلاقها باسم الحق الإلهي. خاصة مع وجود السلاح المنفلت، باعتباره أحد مصادر قيام دولة القوة داخل دولة الحق والقانون، مما يعكس هشاشة أغلب قوانين وسياسات السلطة الانتقالية. بالرغم من أنّ شعوباً كثيرة أخرى خرجت من ظروف شبيهة بحالنا، من خلال إعادة بناء دولها الحديثة.

ولعلَّ تجربة رواندا مثالاً عن بلد خرج من حرب أهلية أودت بمقتل 800 ألف، ولكنه أضحى مثالاً متقدماً في أفريقيا، بعد أن خرجت من الصراعات القبلية، في حين أننا ندخل نفق الصراعات ما قبل الوطنية والاحتقان الداخلي. مما يشير إلى هشاشة أوضاعنا، وبالتالي ضرورة إعادة صياغة السياسات على أساس الشفافية والثقة بإمكانية كفاءات شعبنا وتوظيفها في مشاريع النهوض، وفق أسس جديدة تقوم على ضمان حقوق المواطنين الأساسية، خاصة في مجال وضع حدٍّ لمنطق الغنيمة والثأر الطائفي، وتفعيل عدالة انتقالية تنصف ضحايا الجرائم ضد الإنسانية، من خلال جبر الضرر وضمان السلم الأهلي.

إنّ الخطوة الأولى من أجل ضمان السلم الأهلي تكمن في عدم شرعية أي سلاح خارج سلطة دولة الحق والقانون، إذ إنّ حاملي السلاح المنفلت يستخدمونه كأداة تهديد للتعفيش والاختطاف وابتزاز السوريين، والأمر يستدعي من السلطة الانتقالية إعادة ثقة المواطنين بتفعيل عدالة حقيقية لا تستثني أحداً من منتهكي القانون.

وأخيراً، يجدر بنا التأكيد على أنّ توجهات إدارة السلطة الانتقالية نحو الاقتصاد الحر للتخلص من ” عبء الفقراء “، تحت شعار التحديث الذي يخفي الفساد المستشري لدى بعض رجالات السلطة، بفعل غياب الشفافية عن إعلان الصفقات والاستثمارات، بما يعيد إعادة هيكلة السلطة، على طريق زيادة التفاوت الاجتماعي. في حين أننا أحوج ما نكون إلى تنمية تشاركية، تعمل على توظيف كل الإمكانيات الاقتصادية والبشرية السورية في مشروع إعادة البناء، وكذلك توظيف الموقع الجغرا سياسي لسوريا من أجل مزيد من الاستثمارات الخارجية لإنجاز هذا المشروع.


الكاتب الدكتور عبد الله تركماني

الدكتور عبد الله تركماني

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة