العقل الأيديولوجي العربي المعتقل وشبه المغلق

img

بعض من السمات التكوينية للعقل السياسي الحزبي اليساري المصري، وبعض العربي، هي هيمنة بعض من النزعة النقلية مع النصوص المؤسسة ـ الفلسفية والإيديولوجية ـ لبيان الحزب وبرنامجه، وروافده الفلسفية، التي غالباً ما تتواشج مع بعض من الهيبة والنصوصية الصارمة. ويبدو النص المؤسس المرجع والحكم لدى بعض منظري الحزب، ثم يتحول بعضه من أصوله ومرجعياته وروافده الفلسفية والإيديولوجية إلى سرديات شارحة، ثم يُبنى بعضها ويُتخذ مصدراً للإعلان السياسي للحزب وبرنامجه، وأحد مصادر التنشئة والتكوين الحزبي لأعضائه، ويتناسل منه أحد معايير المساءلة للأعضاء حال الخروج على بعض القواعد التنظيمية، أو طرح آراء مغايرة أو نقيضة للبرنامج.

ثمة حالة من غواية وسحر النص المؤسس، من ماركس وإنجلز ولينين وستالين وتروتسكي، ثم إلى سردياته الشارحة. ومن الملاحظ أن قلة من النخبة القيادية للأحزاب الماركسية ـ من اليهود والمتمصرين والمصريين ـ هم من اطلعوا في المرحلة شبه الليبرالية على الأصول الفلسفية الماركسية، والاتجاهات الأخرى من مفسريها ومطوري نظرياتها ومفاهيمها من الفلاسفة والسياسيين الأوروبيين قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، باللغات الفرنسية والإنجليزية والألمانية والإيطالية والروسية.

معظم الكوادر والأعضاء، وخاصة من العمال وموظفي أجهزة الدولة، على قلتهم، لم يطلعوا إلا على بعض الكتب والأوراق الشارحة، مثل كتاب جورج بوليتزر عن الفلسفة الماركسية، الذي أعدَّه خصيصاً لعمال شركة رينو الفرنسية لتبسيط المادية التاريخية والمادية الجدلية، والذي اعتمده الحزب الشيوعي الفرنسي. واعتمدت بعض الأحزاب العربية كتابات وكتيبات لينين وستالين، وبعض الأوراق الشارحة.

ساهم الحصار والمطاردات الأمنية والاعتقالات للشيوعيين عربياً ومصرياً في بعض من الجمود الفكري والإيديولوجي والنزعة النقلية، نظراً لوضعية حجب الشرعية القانونية والسياسية لهذه الأحزاب المحاصرة، ومن ثم أثرت على عمليات التجديد الفكري والفلسفي.

بعض من التجدد المحدود والجزئي حدث بعد ترجمات الفلاسفة الماركسيين الأوروبيين منذ الثمانينيات من القرن الماضي وما بعدها، لكن لدى بعض القلة من اليساريين العرب، وبعضهم من غير المنظمين.

مع نهاية الحرب الباردة، وانهيار الكتلة السوفييتية، ضعفت الأحزاب الشيوعية العربية، وفقدت بريقها الإيديولوجي، وتفكك بعضها، وانخرط بعضهم وآخرون من الأجيال الجديدة في المنظمات الحقوقية النسوية والبيئية والتعليمية وحقوق الطفل والأقليات الدينية والعرقية، وتحت متابعات الأجهزة الأمنية حول التمويل، واعتماداً على قوائم أعمال الجهات الممولة من المنظمات الغربية.

النزعة النقلية والجمود والانفصال عن الواقع الموضوعي ومحمولاته ظلَّت سمة بعض العقل الحزبي والحقوقي السائد.

بعض الملاحظات، حول العقل الأيديولوجي شبه النقلي هي نتاج قراءات بعض من كتاباتها وبياناتها المعلنة وبعض المقابلات، وبعض الكتابات النقدية والتقويمية التي اتسمت بالجدية، والموضوعية، والتفاعل مع الواقع الموضوعي دولياً وعربياً وبعضها الآخر، حول واقع كل مجتمع عربي علي قلة هذه الكتابات وطابعها التعميمي وسيولتها، وبعضها الثالث جزء من الحروب الأيديولوجية البينية بين الأحزاب. انطلاقاً من هذه الملاحظة، يمكن طرح بعض الملاحظات حول العقل الأيديولوجي الحزبي على النحو التالي:

1- التمركز الإيديولوجي حول أطروحات الحزب، وبرنامجه وبياناته، ولا بأس في ذلك، إلا أن هذا التمركز ومرجعياته وتأويلاته وتناصاته مع الأصول الماركسية اتسم بعضه بالنقلية والجمود النسبي، وليس بالتأويل الخلاق ـ إلا قليلاً ـ في التطبيق على الواقع التاريخي والموضوعي، من البونابرتية إلى نمط الإنتاج الآسيوي، وعدم المتابعة التحليلية النقدية لما كان يجري في تجارب الاتحاد السوفييتي، والصين، والدول الشيوعية الأخرى، وعلاقة الإيديولوجيا بالواقع الموضوعي وخصوصياته في كل مجتمع وثقافة، ومن ثم مواطن الخلل والفجوات بين الإيديولوجيا ـ كوعي زائف، أو كإنتاج للمعنى لدى ألتوسير، أو كهيمنة لدى غرامشي، أو كضرورة رمزية للتماسك المجتمعي لدى بول ريكور ـ وبين خصوصيات كل بلد شيوعي، وظهور أوليغاركيات حزبية داخل أحزاب الطبقة العاملة، التي تحولت إلى كتل غفيرة، دونما مشاركة فعالة داخل الأحزاب الشيوعية في الإمبراطورية الماركسية السوفييتية السابقة.

لا شك أن الروابط الأممية بين الأحزاب الشيوعية العربية، وبين الحزب الشيوعي السوفييتي وغيره من الأحزاب في دول شرق أوروبا، أثرت على مواقف الأحزاب الشيوعية وعدم نقد رفاقهم السوفييت وغيرهم، إلا قليلاً، أو النظرات النقدية لتطبيقاتهم للماركسية في سياساتهم المختلفة، أو ممارسة نقدية خلاقة للمتن الإيديولوجي لماركس وإنجلز ولينين وستالين وماو، وما بعدهم من قادة الحزب الشيوعي السوفييتي والصيني، وخاصة سياسات دنغ شياو بينغ وما بعدها. وأيضاً لاعتبارات تتصل بالحرب الإيديولوجية التي استعرت مع الحرب الباردة، والنزعة الأممية، وتحالف الرفاق في ظل أولوية الصراع مع الكتلة الرأسمالية الليبرالية الإمبريالية، وسياساتها تجاه حركة التحرر الوطني العربية والعالم ثالثية.

2- غياب ممارسات نظرية وإيديولوجية خلاقة تعتمد على تحليل الواقع الموضوعي في ذاته، واكتشاف سماته المتعددة، في ظل مجتمعات انقسامية، لم تتبلور من خلالها أنماط الإنتاج وعلاقاته طبقياً، وينضج فيها وعي اجتماعي مصاحب لها، وإنما ظلت مسيطرة على الوعي والإدراك البنى والمكونات الطائفية والقبلية والعشائرية والعرقية والدينية والمذهبية والمناطقية، وأنماط التدين الشعبي. ومن ثم كانت البرامج والبيانات السياسية تنطلق من المرجع الإيديولوجي الماركسي من أعلى على الواقع الانقسامي في هذه البلدان والمجتمعات، ومن ثم أدى ذلك إلى مركزية الإيديولوجيا ومقولاتها الأساسية، التي يعاد توظيفها وإعادة إنتاجها خارج الواقع الموضوعي الذي تتنزل عليه، وباتت غالب برامجها وبياناتها ممارسة نقلية تتجاوز وضعيات الواقع الديني والاجتماعي والثقافي والسياسي الاستبدادي والشعبوي والسلطوي العربي بعد الاستقلال.

3- النزعة التبشيرية بالماركسية كإيديولوجيا وسط بعض العمال والمثقفين والطلاب، لا سيما وسط الحركات الطلابية، وتوظيف دوافع غضب ورفض بعض الطلاب المتمردين على النظم الاستبدادية والسلطوية العربية، كالحركة الطلابية المصرية وخلافاتها الجوهرية مع نظام السادات.

4- الانضباط التنظيمي في العمل والأنشطة الحزبية، وهو أمر مطلوب وصارم نظراً للطبيعة السرية للعمل الحزبي بسبب المنع القانوني والمطاردات الأمنية، إلا أن بعض هذه الأحزاب وقادتها جعلوا من الانضباط التنظيمي معياراً للولاء للقيادات العليا. بعض الحساسية الأمنية داخل بعض هذه الأحزاب أدت إلى بعض الشكوك في بعض الكوادر التي تبدي آراء ومواقف نقدية للمستويات القيادية العليا، واتهامهم من بعض الكوادر بأنهم يعملون مع الأجهزة الأمنية. مثل هذه الاتهامات تحولت إلى وصم سياسي ـ مباحث الوصم الذائع في السبعينيات والثمانينيات لبعض من الكوادر المثيرة للتساؤلات، وأدت إلى خروجها من هذه الأحزاب أو طردها، ووصمها مع بعض «الأمنجية»!

5- الأحزاب اليسارية والماركسية، بل والجماعات الإسلامية السياسية، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، كانت أحد أبرز اهتمامات وتركيز أجهزة الدولة الأمنية، لا سيما في مصر شبه الليبرالية وطيلة مراحل نظام يوليو 1952، ونجاحها في اختراق بعض هذه الأحزاب والجماعات، وذلك على الرغم من قدرات هذه الأحزاب التنظيمية ومعاييرها الأمنية الصارمة، وقدرتها على التصفية المعنوية والرمزية لمن يُشك في علاقاتهم بالأجهزة الأمنية، أو لمن يخرج عن الصراط الإيديولوجي والتنظيمي للحزب، ووصمه بأنه «مباحث» أو «أمنجي» في بعض البلدان العربية.

وهذا الوصم الرمزي، أياً كان مدى صحته أو دقته، كان مؤثراً في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، ويؤدي إلى حالة من «الموت الرمزي» للموصوم بهذا النعت الاتهامي أو ذاك. في مصر ظلت اعترافات بعض المتهمين على رفاق لهم في قضايا اعتقالات الشيوعيين المصريين عام 1959 وما بعده سيفاً مسلطاً عليهم طيلة حياتهم، وحتى بعد رحيل بعضهم إلى الحياة الأخرى.

6- الحياة السرية للأحزاب اليسارية، والقيود الشديدة على نشاطاتها ومراقبتها، أدت إلى انفصالها عن بعض القواعد الاجتماعية العمالية، ومن الفئات الوسطى الصغيرة، والفلاحين، والبروليتاريا الرثة، ومن ثم إلى محدودية الدراسات عن الواقع الاجتماعي والديني والثقافي السائد وسط هذه الفئات الاجتماعية، ومن ثم إحداث تطوير أو تطبيع نظري للماركسية على واقع مختلف، بقطع النظر عن بعض توظيفات ماركس في نمط الإنتاج الآسيوي، وسعي بعض المفكرين لتطبيقه على الواقع المصري، مثل صادق سعد، وكتابات سمير أمين، وأنور عبد الملك، وأبو سيف يوسف، وإسماعيل صبري عبد الله، وفوزي منصور، وسعد زهران، ولطفي الخولي، وإبراهيم فتحي. الأجيال السبعينية والثمانينية تخصص بعضها في العلوم السياسية والاجتماع السياسي والديني خارج الأحزاب.

7- المسألة الدينية في العالم العربي، لا سيما التدين الشعبي في كل بلد وأنماطه وسماته وخصائصه، لم تحظَ بالعناية الواجبة في الفكر الماركسي والحزبي، لا سيما المصري، ومن ثم ظل الدين الشعبي الإسلامي والقبطي الأرثوذكسي عائقاً بنيوياً إزاء تمدد الفكر الماركسي واليساري العربي، أيا كانت مصادره المرجعية، في وسط بعض الفئات الاجتماعية التي ادعى تمثيلها، ومعها مصالحها الاقتصادية والاجتماعية.

8- على الرغم من هامشية وتراجع أحزاب المعارضة اليسارية مصرياً وسورياً، رغم مشاركة الحزب الشيوعي السوري في تركيبة الجبهة القومية الهامشية في نظام الأسد الأب والابن، وتفككها في العراق، وفي السودان ولبنان، إلا أن الملاحظ أنها لعبت أدواراً مهمة جداً في المجال الثقافي العربي، لأنها ساهمت في إنتاج جماعات المثقفين، والأدباء، والمسرحيين، والتشكيليين، والموسيقيين، وبعض السينمائيين، والنقاد، الذين ساهموا، خارج انتماءاتهم الحزبية، في المجال العام الثقافي في كل بلد عربي.

من ناحية أخرى، ساهمت بعض الأحزاب الماركسية المصرية في تكوين بعض الكوادر الحزبية المثقفة، مثل حزب العمال الشيوعي، والحزب الشيوعي المصري، وحركة حدتو، والتروتسكيين، والاشتراكيين الثوريين، وبعض أحزاب ما بعد انتفاضة يناير 2011 الهشة والصغيرة وغير الفاعلة والمنسية وغير المعروفة شعبياً.

من الشيق ملاحظة أن هذا الدور استمر، على الرغم من السلطة الثقافية الرسمية ومعاييرها، وعلى الرغم من سياسة «الحظيرة» في عصر مبارك، وسياسة وزير الثقافة فاروق حسني آنذاك.

9- بعض التحولات ما بعد الحداثية، ونهاية السرديات الكبرى، والتغيرات الجيلية منذ الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، أثرت على أدوار الأحزاب الشيوعية واليسارية وإيديولوجياتها، وخاصة في ظل المتابعات القليلة لتطورات الفكر ما بعد الحداثي، وتطورات الليبرالية الغربية، والنيو-رأسمالية الكونية، والأهم حالة التشظيات الفردية والجماعية، وتفكك الروابط الأسرية والتقليدية، وجمود النظام السياسي السلطوي، وبروز ظواهر اللامبالاة بالسياسة بين بعض الأجيال الجديدة لصالح سعيهم وراء الفرص والرزق، أو الهجرة إلى بلدان النفط، أو إلى الولايات المتحدة وكندا وأوروبا الغربية لمن استطاع إلى ذلك سبيلاً، والسعي للخلاص الفردي، وتسارع ميلاد الفردانية والفرد، التي كانت معاقة اجتماعياً، وتفكك البطريركية العائلية والذكورية والسلطوية، وظهور الحركات الحقوقية، ورحيل بعض من الماركسيين والناصريين إليها وإلى تشكيلها. والأهم سيادة سلطة المنصات والشبكات والخوارزميات، وسيطرة الشركات الرقمية النيوليبرالية الكونية.

10- تراجع أدوار وفعالية المثقفين عموماً واليساريين ـ وكوادرهم البارزة ـ وسط بعض جيلي Y وZ، وخاصة مع الثورة الرقمية، وأيضاً في أحداث الربيع العربي وما بعده.

نهاية المثقف حالة فرنسية وأوروبية بدأت منذ نهاية عقود القرن الماضي في فرنسا، وظهرت مصرياً وعربياً بقوة مع الربيع العربي وما بعده، وخاصة مع الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي. ومن ثم فقدت أيديولوجيا اليسار وأدواره أدوار المثقف السياسية والاجتماعية والثقافية التي كانت تقوم بها كوادره.

ومن ثم أدى ذلك إلى تذرّي وتفكك الأحزاب السياسية المعارضة، وسيادة وضع اللاسياسة، أو موت السياسة في أعقاب الربيع العربي، وفشل الأحزاب السياسية المعارضة، ومنها الأحزاب الجديدة، ومن ثم إلى هيمنة السلطوية الشعبوية في بعض دول الربيع العربي مثل تونس؛ في ظل عالم عربي مفكك، وهيمنة بعض دول الجوار الجغرافي العربي على بعض الجغرافيا السياسية في المنطقة، وتفاقم الخلافات بين دول اليسر وبعض دول العسر، وبين بعضهم بعضاً، وبين السلطات الحاكمة، والأخطر بين فئات وشرائح اجتماعية، بين القلة من السراة وبين الفئات الوسطى وتهميشها عربياً وتفككها، والإقصاءات الاجتماعية للعمال والفلاحين والبدو، وبعض من الخلافات الاجتماعية والسياسية الواسعة التي تجلت تجاه ما يحدث في الحرب على إيران، وأيضاً حرب الإبادة على قطاع غزة.

المصدر: الأهرام


الكاتب د. نبيل عبد الفتاح

د. نبيل عبد الفتاح

باحث وكاتب صحفي مصري. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وشغل منصب رئيس مركز تاريخ الأهرام، كما عمل رئيساً لفريق تحرير "تقرير الحالة الدينية" في مصر. مختصّ في شؤون الجماعات الإسلامية الأصولية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة