مجتمع المعرفة ودور الكتاب في التنمية الثقافية العربية (2-4)

img

(الكتاب يصنع المعنى والمعنى يصنع الحياة) «رولان بارت»

1-3: الأسس الرئيسية لظاهرة ما بعد الحداثة

إنّ حركة ما بعد الحداثة تشكل أحد مظاهر ثقافة مجتمع المعرفة فما هي أسسها الرئيسية، التي لها آثار عميقة في مناهج البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية[3]:

(1)- تسعى حركة ما بعد الحداثة لتحطيم السلطة الفكرية للأنساق الفكرية الكبرى المغلقة، التي عادة ما تأخذ شكل الأيديولوجيات، على أساس أنها في زعمها تقدم تفسيراً كليا للظواهر، وأنها ألغت حقيقة التنوع الإنساني، وانطلقت من حتمية وهمية لا أساس لها.

(2)- هناك في مشروع الحداثة تقابل بارز بين فئتين: الذات والموضوع. وتعود حركة ما بعد الحداثة، في جانبها التشكيكي، إلى إلغاء الذات الحديثة، إذ يرى المفكرون ما بعد الحداثيين أنّ الذات من اختراع المجتمع الحديث، وهي ربيبة عصر التنوير والعقلانية. والمفاهيم الحديثة، سواء أكانت علمية أم كانت سياسية، كلها تفترض ذاتاً مستقلة، وإذا ألغيت الذات فمعنى ذلك إلغاء تلقائي لكل المفاهيم الحديثة المرتبطة بها.

(3)- لحركة ما بعد الحداثة أفكار محددة وجديدة حول التاريخ والجغرافيا. ففيما يتعلق بالتاريخ كعلم مستقل، أو كمدخل لكثير من العلوم الاجتماعية، تريد الحركة أن تنزله من موقعه وتقلل من أهميته ومن كثرة الاعتماد عليه. فالتاريخ، في رأي هؤلاء المفكرين، اختراع للأمم الغربية الحديثة، قام بدوره في قمع شعوب عالم الجنوب والمنتمين إلى حضارات أخرى غير غربية. والتقليل من أهمية التاريخ يُرَدُّ إلى فكرة أساسية مفادها أنّ الحاضر الذي نعيشه، باعتباره نصاً، ينبغي أن يكون هو محور اهتمامنا. وليس التاريخ مهماً إلا بقدر ما يلقي الضوء على الأحوال المعاصرة.

ومن ناحية أخرى، فإنّ حركة ما بعد الحداثة لها مفهومها عن الزمن، إذ يرفض أصحاب الحركة أي فهم تعاقبي أو خطي للزمن. فهذا الفهم للزمن يعده هؤلاء المفكرون قمعياً، لأنه يقيس ويضبط كل أنشطة الإنسان، وهم يقدمون مفهوماً آخر للزمن يتسم بعدم الاتصال وبالفوضوية. ويستخدم الباحثون من أنصار ما بعد الحداثة هذه المفاهيم عن الزمن لكي يلغوا الفرق بين السياسات الداخلية والسياسات الدولية، فهم يضعون العلاقات الدولية ما بعد الحداثية في موضع يطلقون عليه «اللامكان».

(4)- هناك لحركة ما بعد الحداثة أفكار عن دور النظرية، وعن نفي ما يطلقون عليـــه «إرهاب الحقيقة». وهم يعدّون السعي إلى الحقيقة، كهدف أو كمثال، أحد سمات الحداثة التي يرفضونها. والفكرة الجوهرية هنا أنّ الحقيقة يكاد يكون من المستحيل الوصول إليها، فهي إما أن تكون لا معنى لها أو أن تكون تعسفية. والنتيجة واحدة، فليس هناك فرق بين الحقيقة وأكثر الصياغات البلاغية أو الدعائية تشويها للحقيقة. ومن هنا ترفض الحركة أي زعم باحتكار ما يسمى «الحقيقة»، لأنّ في ذلك إرهاباً فكرياً غير مقبول.

ومن ناحية أخرى ترفض حركة ما بعد الحداثة النظرية الحديثة، في زعمها إمكان سيطرة نظرية واحدة على علم بكامله أو على تخصص بأسره. وتريد تقليص دور النظرية واستبدالها بحركة الحياة اليومية، والتركيز على ديناميات التفاعل في المجتمعات المحلية، تلافياً لعملية التعميمات الجارفة التي تلجأ إليها النظريات، الأمر الذي يؤدي- عملياً – إلى تغييب الفروق النوعية، وإلغاء كل صور التعددية الثقافية والاجتماعية والسياسية.

(5)- ترفض كل عمليات التمثيل، سواء أخذت شكل الإنابة البرلمانية أو زعم الفنان التشكيلي أنه يحاكي في لوحته ما يراه في الواقع.

(6)- لحركة ما بعد الحداثة أفكار محدّدة في مجال الأبستمولوجيا ومناهج البحث، وتشمل هذه الأفكار كثيراً من المقولات عن الحقيقة والسببية والتنبؤ والنسبية والموضوعية ودور القيم في البحث العلمي، وعن منهجية التفكيك ودور التأويل الحدثي، وعن مستويات الحكم ومعايير التقويم.

وهكذا، تتقدم حركة ما بعد الحداثة نافية الحداثة ومعلنة رفضها لكل أسسها وأصولها، فالحداثة كانت «إمبريالية وذات نزعة ذكورية متمركزة» في حين أنّ ما بعد الحداثة «ترفع راية التحرر».

إنّ المجتمع ما بعد الحداثي يبدو أشبه بمجتمع الخدمة الذاتية، والإغراء فيه بمثابة مسار شامل، ينزع إلى تنظيم الاستهلاك والمنظمات والإعلام والتربية والأخلاق، وهكذا جاءت علاقات الإغراء بديلاً عن علاقات الإنتاج. إنه يتجه نحو الحد من العلاقات السلطوية والزيادة في الخيارات الخاصة وفي منح الأولوية إلى التعددية، والازدراء بالقيم الكبرى وبالغايات التي تنظم العلاقات في الأسرة والعمل والجيش وغيرها، ويعمم السلبية بوصفها القيمة الوحيدة التي يسعى الجميع لتحقيقها مما ينتهي بالمجتمع إلى حالة من التشتت والقلق والتشاؤم.

ومهما كان أمر الحركات الفكرية المختلفة، بما فيها حركة ما بعد الحداثة التي قد لا تعنينا كثيراً في العالم العربي على اعتبار أننا لم ننخرط في عمق الحداثة أصلاً، فمن المؤكد أنّ تنمية منظومة تكنولوجيا المعلومات ودمجها العضوي في مؤسساتنا التعليمية ومجتمعاتنا تشكل حاجة ملحة في عصر مجتمع المعرفة. مع العلم أنّ هذه المنظومة تحمل في طياتها قيما معرفية وثقافية هامة، إنها القيم المتصلة بالحاضر والمستقبل، إنها الروح الوثابة والمنهج النقدي الذي يستفز ركوننا إلى المسلمات الموجودة، ويحثنا على مراجعتها وإعادة النظر فيها.

1-4: ثقافة الصورة وما بعد المكتوب

إنّ ثقافة القرن الواحد والعشرين ستتميّز بالانتقال من الفطري إلى المكتسب، ومن البسيط إلى المعقد، ومن التقليد إلى التجديد. وفي إطار كل ذلك سوف تترسخ ثقافة الفكر النقدي، الذي لا يسلّم بقضية إلا إذا اقتنع بعقلانيتها. ولكنّ ذلك سيتم في ظل تراجع الثقافة المكتوبة إلى حد بعيد، لأنها ليست من الأدوات الوظيفية لثقافة مجتمع المعرفة. إذ إنّ ثقافة العولمة هي ثقافة ما بعد المكتوب، الثقافة التي يؤرخ ميلادها لاحتضار الثقافة المكتوبة، وليست ثقافة ما بعد المكتوب تلك سوى ثقافة الصورة. أي أنّ الصورة هي المفتاح السحري للنظام الثقافي الجديد، وهذا في أساس شعبيتها وتداولها الجماهيري الواسع، بل هذا في أساس خطورتها في الوقت نفسه.

ومن جهة أخرى، فإنّ التغيير سيطال أسس العمل نفسها، ذلك أنّ العمل في أي حقل كان سيتوقف على إدارة المعلومات والتصرف بها عبر الأدمغة الاصطناعية ووسائل الإعلامية. ولذا سنشهد ولادة فاعل بشري جديد هو الإنسان العددي الذي ينتمي إلى عمال المعرفة (ذوي الياقات البيضاء) الذين يردمون الهوة بين العمل الذهني والعمل اليدوي، إذ لا فاعلية في العمل من غير معرفة قوامها الاختصاص والقدرة على قراءة رموز الشاشات، مما سيطرح فهماً جديداً هو «العمالة المعرفية».

1-5: الهوية والخصوصيات الثقافية وضرورة تجسيد التنوّع البشري

يكاد سؤال الهوية يكون الهاجس الوحيد الثابت في أية مقاربة لسيرورة مجتمع المعرفة، خاصة أنها أدخلت العالم في تفاعلات ومواجهات لم يعرفها من قبل، بسبب إسقاطها المستمر لحدود الزمان والمكان. لذلك أصبحت الشعوب والدول والثقافات أكثر حاجة للبحث عن شروط ومواصفات تؤكد اختلافها وتمايزها، بقصد تكوين علاقة واضحة بين الأنا والآخر.

إنّ أشدَّ ما يقلق البعض في القضايا التي يثيرها مجتمع المعرفة هو ما لها من آثار على الهوية والخصوصيات الثقافية، وهو قلق له ما يبرره في ظل ما نراه من محاولات قوى الهيمنة الاقتصادية تنميط سلوكيات البشر وثقافتهم في المجتمعات كافة وإخضاعها لنظام قيم وأنماط سلوك سائدة في مجتمعات استهلاكية، إذ يحمل فيض الأفكار والمعلومات والصور والقيم القادمة إلى كثير من المجتمعات إمكانية تفجّر أزمة الهوية، التي أصبحت من المسائل الرئيسية التي تواجه التفكير الإنساني على المستوى العالمي. وفي سياق هذه الأزمة تنبعث العصبيات القبلية والطائفية والمذهبية والقومية الضيقة، وتزداد الرغبة في البحث عن الجذور وحماية الخصوصية.

ويبدو أنّ هاجس الخصوصية الثقافية هو نفسه هاجس الأصالة والمعاصرة معاً، إذ يخطئ من يعتقد أنّ حماية الذات الثقافية تكمن في عزلها عن العالم الخارجي وحمايتها من مؤثرات الثقافة الكونية. فغني عن التوكيد أنّ الذات الثقافية المطلوب حمايتها من الاغتراب هي ثقافة الإبداع وليس الاستهلاك، ثقافة التغيير الشامل وليس ثقافة الجمود والاحتماء بالسلف الصـالح، ثقافة الوحدة الوطنية بأفقها الإنساني الحضاري لا ثقافة الأجزاء المفككة للوطن.

على أنّ بعض الدراسات تحاول التركيز على تاريخية ونسبية الهوية وعدم الإقرار بثباتها، مما يجعلها مرنة قد تتعايش أو تقتبس من ثقافات أخرى، بل قد تساعدها عوامل التقارب وسقوط الحواجز على تفاعل إيجابي وخلاق مع مجتمع المعرفة. لذلك، قد يكون السؤال ليس كيف نقاوم ثقافة مجتمع المعرفة ونحمي أنفسنا منها، ولكن كيف نعيش عالمنا الراهن بواقعية ودون تناقضات وتأزم وبلا إحساس بعقدة نقص أو خوف؟ كما أنّ بعض المقاربات ترى أنّ هذه الثقافة لا تهدد الهوية بالفناء أو التذويب، بل تعيد تشكيلها أو حتى تطويرها لتتكيّف مع الحاضر، فالإنسان يتجه نحو إمكانية أن يعيش بهويات متعددة، دون أن يفقد أصالته الوطنية.

إنّ الثقافات الإنسانية، مهما أغرقت في تفرّدها وأصالتها، هي ثقافات مولَّدة، وهي حصيلة تلاقح وتفاعل مع الآخر أكثر مما هي ناجمة عن عبقرية خالصة صافية. ومعنى هذا أنّ أحداً لا يستطيع أن يزعم اليوم أنّ ثقافة ما، مهما كانت منزلتها في نظر أصحابها، تستطيع أن تدّعي لنفسها مكانة متميّزة تستأثر بها دون سائر الثقافات، أو أن تنظر إلى نفسها نظرة السيد السامي وتنظر إلى غيرها نظرة العبد.

علينا أن ندعو إلى شراكة معرفية بين منتجي المعرفة والعلم في الشرق والغرب معاً، في الجنوب والشمال معاً، وفي كل أرجاء العالم، وأن ندعو بالمقدار نفسه إلى توظيف حصيلة هذه الشراكة وما تنتجه من معرفة وعلم في خدمة الإنسان، بصرف النظر عن جنسه ولونه ولغته ودينه، وأن نرفض مبدأ احتكار المعرفة تحت أية مظلة يحتمي.

ولا يفارق الوعي بهذه النزعة منطق المساءلة الذي يضع لوازم ثقافة مجتمع المعرفة موضع البحث، كاشفاً عن إمكاناتها واحتمالاتها المتعارضة، لا من المنظور الذي يرى بعداً واحداً من الظاهرة، وإنما من المنظور الذي يلمح التناقض داخل الظاهرة نفسها، ومن ثم يكشف عن إمكانات أن تنقلب بعض الوسائل على غاياتها الأولية، فتؤدي وظائف مغايرة ومناقضة في حالات دالة. فلا شك في أنّ ثورة المعلومات وتقدم تقنيات الاتصال، الملازمة لمجتمع المعرفة، يمكن أن تؤدي إلى نقيض الهيمنة لو تمَّ توظيفها بعيداً عن الاستغلال، ومن ثم إدراكها وإخضاعها لشروط مغايرة من علاقات الاعتماد المتبادل للتنوع البشري الخلاق.

إنّ الثقافة المواكبة لمجتمع المعرفة هي تلك التي تجعل من نفسها صدى للثورة المعرفية والتكنولوجية واستجابة لمتطلباتها، مما يفتح لها أفقا لتركب مركبة التاريخ ولا تتقهقر أو تُهمّش، ولتستوعب قيم التجديد الحضاري، ولتبلور حداثة حقيقية.

الهوامش:


[3]– السيد يسين: الثورة الكونية ومجتمع المعلومات/نحو ما بعد الحداثة – عن مجلة «شؤون الأوسط»، العدد (12)، بيروت – أكتوبر/تشرين الأول 1992، ص 44 و45.


الكاتب الدكتور عبد الله تركماني

الدكتور عبد الله تركماني

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة