قراءة نقدية للحديث عن الشراكة السورية – الأوروبية
تلفزيون سوريا: 10/5/2026
بمناسبة الذكرى الثلاثين لإعلان الشراكة الأورو – متوسطية اجتمع وزراء خارجية الدول الأعضاء في برشلونة يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، لتجديد التزامهم بالتعاطي المجدي مع التحديات المشتركة وتعميق التعاون بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط. وفي هذا السياق تعود سوريا، ذات الموقع الجغرافي الهام على الشاطئ الشرقي للمتوسط، إضافة إلى ربطها بين العالم العربي وقارتي آسيا وأوروبا، للتموضع في قلب الجغرافيا السياسية لهذه الشراكة، وبالتالي التحوّل إلى مركز إقليمي للتجارة الدولية. أي أنّ السلطة السورية الانتقالية أمام مفترق طرق، فهل يمكنها أن توفر المحددات المطلوبة لهذا التموضع؟
فبعد 14 عاماً من تعليق عضوية سوريا في الشراكة الأورو – متوسطية على خلفية العقوبات الأوروبية ضد النظام البائد، شارك ممثل للسلطة الجديدة في المنتدى الإقليمي العاشر في برشلونة، بعد سنوات من العزلة السياسية. كما ستستضيف بروكسل، في 11 من هذا الشهر، وزير الخارجية أسعد الشيباني، للاتفاق على إطار سياسي للشراكة السورية – الأوروبية، بدلاً من اتفاقية التعاون الموقعة عام 1978، للوصول إلى تفاهمات مشتركة بين الطرفين، تنطوي على تقييم مدى الاستقرار وعملية الانتقال السياسي، على طريق التطبيع التدريجي للعلاقات.
وكانت المفوضية الأوروبية، منذ 24 نيسان/أبريل الماضي، قد أكدت على إعادة تفعيل الاتفاقية، على طريق فتح صفحة جديدة للتعاون الاقتصادي والأمني، بما يعني سعي الاتحاد إلى دعم استقرار سوريا وإعادة إعمارها على المدى الطويل. وفي هذا السياق، تقرر تنفيذ حزمة مالية بقيمة 620 مليون يورو خلال عامي 2026 و2027.
وفي سياق تجديد الشراكة السورية – الأوروبية حضر الرئيس المؤقت أحمد الشرع قمة نيقوسيا، لتعزيز التنسيق الأورو – متوسطي للتعاطي المجدي مع التحديات الاقتصادية الناتجة عن الحرب الأميركية – الإسرائيلية – الإيرانية، وخاصة ما ترتب على إغلاق مضيق هرمز. وقد أكد الرئيس السوري على ما يلي:
– أنّ أمن أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط “يمثل توازناً جيو- سياسياً لا يقبل التجزئة ويفرض علينا العمل بروح الشراكة”.
– أوروبا تحتاج إلى سورية “بقدر ما تحتاج سورية إلى أوروبا”.
– الشراكة الأور – متوسطية “غدت المسار الحتمي والملاذ الآمن لاستدامة تدفقات الطاقة وضمان أمن الإمدادات العالمي”.
– سوريا “التي كانت ساحة لصراعات الآخرين ” تختار اليوم أن تكون “جسراً للأمان وركيزة أساسية للحل”، من خلال مبادرة “البحار الأربعة لتكون الشريان البديل والآمن الذي يربط آسيا الوسطى والخليج بقلب القارة الأوروبية”.
– “ننظر إلى حلف المتوسط كمجال حيوي لبناء شراكات عميقة في مجالات الطاقة، والأمن البحري، والتجارة، وسلاسل التوريد، والتنمية المستدامة. كما نؤمن أنّ هذا الإطار يتيح فرصاً حقيقية لتقريب الفجوات التنموية، وتعزيز الترابط بين الشعوب، وتحقيق مصالح مشتركة قائمة على الاحترام المتبادل”.
– “تواصل سوريا التزامها الراسخ بمسار العدالة الانتقالية بوصفه ركيزة أساسية لبناء السلام المستدام. إننا نعمل على إرساء منظومة متكاملة تقوم على كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان حقوق الضحايا، وجبر الضرر، وتعزيز المصالحة الوطنية”.
– “نمد أيدينا إلى شركائنا الأوروبيين، وندعوهم إلى العمل معنا في مجالات إعادة الإعمار، والاستثمار، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات. ونؤمن أن هذه الشراكة يمكن أن تكون نموذجاً ناجحاً للتعاون بين المناطق، ومصدراً للاستقرار والازدهار”.
ومن المعروف أنّ الشراكة الأورو – متوسطية قامت على أبعاد ثلاثة متداخلة، يجدر بالقيادة السورية إدراكها، هي: البعد السياسي والأمني، والبعد الاقتصادي والمالي، والبعد الاجتماعي والثقافي والإنساني
ولا شكَّ أنّ رهان الرئيس الشرع على الموقع الجغرافي لسوريا في مكانه، ولكنه مشروط بمدى توظيف الموارد البشرية والاقتصادية ضمن إطار حوكمة رشيدة، على قاعدة التنمية التشاركية وليس الاعتماد على أهل الولاء من “أخوة المنهج السلفي”، حيث يعتبر أكثرهم سوريا “غنيمة حرب”.
ويبدو أنّ القيادة السورية غافلة عن أنّ أوروبا سوف تكسبها “شرعية عملية”، مضمونها “اعتراف وظيفي”، يسهّل الحوار والتنسيق معها. خاصة على ضوء التنافس المحتدم، إقليمياً ودولياً، على غاز شرق البحر الأبيض المتوسط، التي تقدر احتياطاته بـ 300 تريليون قدم مكعب، وسط نزاع على ترسيم الحدود البحرية. وعلى هذه الخلفية، كانت قد تشكلت تحالفات أكثر تركيزاً، أبرزها المحور الثلاثي بين إسرائيل واليونان وقبرص، القائم على مصالح مشتركة في مجالات الطاقة والأمن والاقتصاد. كما أنّ الاتفاقيات الإقليمية لتصدير الغاز وربط البنى التحتية مع أوروبا تشير إلى أنّ الأمر لم يعد مجرد فكرة، بل مسار عملي آخذ في التبلور.
وفي هذا السياق تمتلك سوريا موقعاً هاماً لا يكفي لاستعادة الدور الإقليمي، الذي لا يرتبط فقط بالموقع الجغرافي بل بالقدرة على توفير الأمن والاستقرار وإصلاحات اقتصادية وقانونية، بما فيها قانون يشجع الاستثمار الوطني والأجنبي. حيث أنّ أوروبا، من خلال نهجها التدرجي المشروط، بما يعني أنّ كل خطوة من طرفها يجب أن تقابلها خطوة إصلاحية، في المسارات السياسية والاقتصادية والقضائية، بما يمهد للعودة الآمنة للاجئين السوريين في بلدانها، وبما يضمن مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات.
ومن المعروف أنّ الشراكة الأورو – متوسطية قامت على أبعاد ثلاثة متداخلة، يجدر بالقيادة السورية إدراكها، هي: البعد السياسي والأمني، والبعد الاقتصادي والمالي، والبعد الاجتماعي والثقافي والإنساني. وكان ذلك في “إعلان برشلونة” التأسيسي في العام 1995، وقد ورد في الإعلان التزام الدول الموقعة بـ “تطوير دولة القانون والديمقراطية في نظامها السياسي، واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية وضمان الممارسة الحقيقية والشرعية لهذه الحقوق والحريات، بما فيها حرية التعبير والجمعيات لأهداف سلمية وحرية التفكير والعبادة الفردية والجماعية من دون أي تمييز بسبب عرق أو جنسية أو دين”.
وهكذا، فإنّ مستجدات الشراكة السورية – الأوروبية تمثل بداية مرحلة اختبار أوروبي للسلطة الانتقالية، على أصعدة الأمن والاستقرار والتشاركية السياسية والقضاء العادل، بما يلبي الأبعاد الثلاثة للشراكة بتدرج، خاصة أنّ ثمة مؤشرات عديدة على عدم تحصين الأوضاع الداخلية في سوريا، من خلال الحوكمة الرشيدة وإصلاح المؤسسات، بما يساعدها على الاستفادة من الشراكة لإعادة بناء دولة الحق والقانون.
ويبقى السؤال الجوهري: هل يمكن أن تكون القيادة السورية المؤقتة عند مستوى التزاماتها مع الاتحاد الأوروبي، أم أنها ستبقي تسيّب الأوضاع الداخلية على حالها؟