مفهوم “النظام العالمي”

img

يمكن النظر لمفهوم النظام العالمي من زاوية تاريخية من خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، ويجد ذلك المفهوم إسقاطه السياسي في تشكيل عصبة الأمم وميثاقها عام 1920 بناءً على نتائج مؤتمر باريس للسلام، وبعد توقيع عدد من المعاهدات الدولية التي كانت الأساس والتمهيد لذلك التشكيل. وأبرز تلك المعاهدات معاهدة فرساي 1919 بين المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، وأهمهم فرنسا وبريطانيا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية من جهة، والمهزومين وهم ألمانيا والنمسا والدولة العثمانية وبلغاريا من جهة أخرى.

كان الهدف الرئيسي لإنشاء عصبة الأمم هو إضفاء إطار قانوني على النتائج العسكرية والسياسية التي أسفرت عنها الحرب وتثبيتها، ومنع نشوء حرب عالمية أخرى بتشكيل ما يشبه حكومة عالمية قادرة على اتخاذ قرارات ملزمة لأي دولة حين ترى أن أفعال تلك الدولة تهدد السلام العالمي، أي تهدد الإطار القانوني الذي توافقت عليه الدول المنتصرة. والهدف الآخر غير المعلن كان إعادة توزيع غنائم الحرب بين المنتصرين على حساب المهزومين بالنسبة للمستعمرات، وأيضاً للأراضي المقتطعة من الدول المهزومة.

لقد منحت عصبة الأمم ليس فقط الأداة التنفيذية لهيمنة المنتصرين العالمية ودوام تلك الهيمنة، ولكن أيضاً الفرصة لجعل تلك الهيمنة نظاماً عالمياً مقنناً ومعترفاً به باعتباره قانون الأمم المتحضرة الذي يجب أن تخضع له كل الشعوب.

أبرز بنود ميثاق عصبة الأمم

تضمن ميثاق العصبة 26 مادة رسمت ملامح العلاقات الدولية الجديدة حينها، وتركزت أبرز بنودها حول:

1. منع الحروب وفض النزاعات سلمياً

التعهد بعدم اللجوء إلى القوة لحل الخلافات إلا بعد استنفاد كافة الوسائل السلمية، مثل التحكيم الدولي أو الوساطة من قبل مجلس العصبة.

2. الأمن الجماعي (المادة 10)

تعتبر هذه المادة “قلب الميثاق”، حيث تنص على أن يتعهد أعضاء العصبة باحترام سلامة أراضي جميع الأعضاء واستقلالهم السياسي، ومقاومة أي عدوان خارجي يقع على أي دولة عضو. وهنا يبرز لأول مرة مفهوم الدولة الوطنية المقترن بمفهوم السيادة الوطنية “احترام حدود الدول”.

3. نزع السلاح (المادة 8)

الاعتراف بأن الحفاظ على السلام يتطلب تخفيض التسلح الوطني إلى أدنى حد يتفق مع السلامة الوطنية، والعمل على الحد من التصنيع الخاص للأسلحة.

4. فرض العقوبات (المادة 16)

في حال لجأت دولة عضو إلى الحرب في مخالفة للميثاق، تُعتبر قد ارتكبت عملاً عدوانياً ضد جميع الأعضاء الآخرين، مما يستوجب قطع العلاقات الاقتصادية والمالية معها (عقوبات اقتصادية).

5. نظام الانتداب (المادة 22)

وضع الأراضي التي انتُزعت من الدول المنهزمة في الحرب (مثل الدولة العثمانية وألمانيا) تحت إشراف دول متقدمة (باسم العصبة) لمساعدة هذه الشعوب على إدارة شؤونها حتى تصبح قادرة على الاستقلال. هذا البند تحول لغطاء قانوني دولي للاستعمار كما حدث بالنسبة لسورية، مع ذلك لم يتم احترامه بمفهومه كما جاء مفصّلاً في وثائق العصبة.

فوفقاً لمفهوم الانتداب ينبغي أخذ موافقة الشعب المنتدب عليه حول الدولة التي تنتدبها عصبة الأمم، مما لم يحدث قط بالنسبة لسورية.

ملاحظة تاريخية:

بغض النظر عن أهدافها، عانت العصبة من ضعف جوهري لعدة أسباب، أهمها عدم انضمام الولايات المتحدة إليها (رغم أنها صاحبة الفكرة)، وغياب القوة العسكرية الخاصة بها لتنفيذ قراراتها.

باختصار، فقد افتقر النظام العالمي في نشأته الأولى إلى القدرة على الإلزام وفرض الانصياع لقراراته، لذا بقي الباب مفتوحاً أمام ألمانيا لتعيد بناء قوتها العسكرية على مرأى ومسمع الدول الكبرى بصورة مخالفة لاتفاقية فرساي، بل لقد تلقت بعض المساعدات والقروض من بعض دول التحالف والشركات الرأسمالية في بناء اقتصادها الذي كان يتوجه بطريقة منسقة ومموهة ليصبح اقتصاد حرب بدعم الصناعات العسكرية.

كما أن ذلك النظام العالمي فشل تماماً في الحد من الشهية الاستعمارية للدول الكبرى وترشيد تلك الشهية التي شهد النصف الأول من القرن العشرين أوسع انتشار لها في إفريقيا وآسيا على وجه الخصوص.

ذلك هو مفهوم “النظام العالمي” في نشأته الأولى، وقد بقي ذلك المفهوم سائداً مع ما حمله من معاهدات حتى الحرب العالمية الثانية.

النظام العالمي خلال الفترة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية

ما بين نشوء عصبة الأمم ووضع ميثاقها الذي يمكن القول إنه يمثل إلى حد كبير إرادة المنتصرين في الحرب العالمية الأولى ورغبتهم في تعميم نظام دولي يؤمن بقاء هيمنتهم ومنع صعود منافسين جدد، والانسجام مع متطلبات المرحلة التاريخية الجديدة التي عبرت عنها الولايات المتحدة في مبادئ ويلسون الأربعة عشر “من أجل جعل العالم آمناً للديمقراطية”.

ذلك أنه بالرغم من سياسة الولايات المتحدة التي أظهرت عدم الحماسة للانخراط في النظام الدولي الجديد كأحد أقطابه وتركت إدارته لفرنسا وبريطانيا بالدرجة الأولى، لكن كان لتلك السياسة أثر هام في تعديل الاتجاهات الاستعمارية السابقة الخارجة عن كل الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية والتي كانت تعمل بدون ضوابط فعلياً، نحو سياسة استعمارية معدلة بإدخال بعض المبادئ الإنسانية فيها مثل حق تقرير المصير، وتبديل الاستعمار المباشر باستعمار مقنن تحت مسمى الانتداب.

بقيت عصبة الأمم والنظام العالمي المرتبط بها أداة طيعة بيد السياستين البريطانية والفرنسية، ولم تمتلك قط سوى هامش محدود من الاستقلال، وانحصرت إنجازاتها في العشرينات في تسوية نزاعات صغيرة في أوروبا وجهود إنسانية في مكافحة الأوبئة ودعم اللاجئين، بينما فشلت في فرض احترام رأي الشعب السوري كما نص على ذلك نظام الانتداب، ثم في ردع فرنسا عن مخالفة نظام الانتداب حين قام غورو بغزو دمشق قبل صدور صك الانتداب.

كما لم تمنع فرنسا من تحويل انتدابها الذي كان يفترض أن يكون محدود المدة إلى احتلال دائم، ولم تحترم صيانة حدود الدولة السورية ووحدتها حسب نظام الانتداب سواء بالاتفاق مع تركيا لمنحها لواء الإسكندرون أو بتقسيم الدولة السورية إلى دويلات بصورة قسرية.

الإخفاقات الكبرى أيضاً: 1931-1939

غزو اليابان لمنشوريا في الصين – 1931: عندما غزت اليابان إقليم منشوريا في الصين اكتفت العصبة بالإدانة دون عقوبات فعالة، فانسحبت اليابان منها.

غزو إيطاليا لإثيوبيا – 1935: عندما غزت إيطاليا بقيادة بينيتو موسوليني دولة إثيوبيا فُرضت عقوبات شكلية لم توقف العدوان.

صعود ألمانيا النازية: مع وصول أدولف هتلر إلى الحكم انسحبت ألمانيا من العصبة، وأعادت التسلح، وضمت أراضي بالقوة دون ردع حقيقي.

يمكن القول إن تغليب مصالح الدول الكبرى الاستعمارية (فرنسا وبريطانيا بالدرجة الأولى) على مبادئ عصبة الأمم في ميثاقها المعلن، وابتعاد الولايات المتحدة عن ممارسة أي دور فعال في السياسة الدولية، وافتقاد العصبة لمؤسسات مستقلة فعالة، أوصل تلك المنظمة لنهايتها التي ظهرت واضحة في فشلها في منع حرب عالمية ثانية.

النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية

أعادت الحرب العالمية الثانية تشكيل النظام العالمي على نحو مختلف تماماً عن المرحلة التي سبقت الحرب، وذلك بفعل العوامل العسكرية – السياسية الآتية:

أولاً: تراجع الدور العسكري لكل من فرنسا وبريطانيا، قطبي النظام العالمي القديم، لصالح الدور الأمريكي الصاعد. فقد لعبت الولايات المتحدة الأمريكية دور المنقذ لأوربة في مواجهة النازية بعد انهيار الجيش الفرنسي أمام الجيش الألماني وسيطرة الجيش الألماني على معظم أوربة بحلول العام 1942، وذلك بإعادة تسليح قوى الحلفاء والمشاركة بالمعارك الكبرى التي غيرت مجرى الحرب “إنزال النورماندي مثلاً”.

ثانياً: صعود دور الاتحاد السوفييتي الذي كسر شوكة الجيش النازي الألماني واستهلك الكثير من طاقته العسكرية، وشهدت على أرضه أضخم المعارك البرية في الحرب “معركة ستالينغراد وكورسك”، وأنزل بالجيش الألماني ما يقارب 80% من مجمل خسائره خلال الحرب العالمية الثانية.

من أجل ذلك كان من المنطقي أن يتشكل النظام العالمي بعد الحرب من القطبين الكبيرين “الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي”. وبسبب الأيديولوجيا الشيوعية للاتحاد السوفييتي وصعود الأفكار الاشتراكية عالمياً، فقد اتصف ذلك النظام العالمي بالتوتر الداخلي المحكوم بما سمي بالحرب الباردة.

فقد قادت الولايات المتحدة المعسكر الغربي وساهمت بقوة في إعادة نهوض الاقتصاد الأوربي الذي دمرته الحرب، في حين فرض الاتحاد السوفييتي النظام الاشتراكي على الدول التي حررها من السيطرة النازية بما في ذلك جزء من ألمانيا ذاتها. كما دعم حركات التحرر الوطني من الاستعمار التقليدي، في حين كانت الولايات المتحدة تسعى للحلول محل النظام الكولونيالي الآيل للسقوط.

تشكلت هيئة الأمم المتحدة كوريثة شرعية لعصبة الأمم بعد تطوير ميثاقها وإدخال الصفة الإلزامية التي غابت عن عصبة الأمم عبر مؤسسة مجلس الأمن الدولي ممثل القوى الكبرى المنتصرة في الحرب، إضافة للصين، كما كان الحال عليه في “المجلس” الذي شكل القيادة التنفيذية لعصبة الأمم والنظام العالمي سابقاً.

هكذا تم إدخال الفصل السابع على ميثاق الأمم المتحدة الذي منح مجلس الأمن سلطة استخدام القوة العسكرية والتدخل المسلح لفرض السلام، إضافة للعقوبات الاقتصادية.

وأصبحت قرارات الجمعية العامة تؤخذ بالأغلبية بدل الإجماع الذي كان يشل إمكانية اتخاذ القرارات في نظام الجمعية لدى عصبة الأمم. وتفرعت عن هيئة الأمم المتحدة منظمات اقتصادية واجتماعية وإنسانية مثل اليونسكو ومنظمة الصحة العالمية، وكذلك شبكة واسعة من المنظمات والوكالات المتخصصة التي تُعنى بحقوق الإنسان، والمرأة، والطفل، وهي تعمل كأذرع تنفيذية وتوعوية حول العالم.

رغم أن نواة النظام العالمي الجديد كانت ثنائية القطب “المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي”، بما حمله ذلك من توتر داخلي، لكنه تمتع بدرجة عالية من الاستقرار، في حين ضمن وجود القوة النووية المدمرة لدى الطرفين بقاء ذلك التوتر بعيداً عن الانفجار وفي حدود ما سمي بالحرب الباردة.

يمكن القول إن ذلك النظام قد سقط فعلياً مع انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفييتي، فلم يعد هناك قطبان بل قطب واحد هو المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.

في العام 1993 تشكل الاتحاد الأوربي كمنظمة سياسية – اقتصادية على أنقاض ما كان يدعى بالمجموعة الاقتصادية الأوربية، وهكذا بدأنا نشهد تميز الكتلة الأوربية سياسياً عن الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن ظلت تابعة لها خلال نظام القطبية الثنائية بعد الحرب العالمية الثانية، دون أن يعني ذلك انتهاء الروابط السياسية والعسكرية مع الولايات المتحدة بصورة نهائية.

وبعد فترة من تفكك الاتحاد السوفييتي الذي رافقه ما يشبه تفكك الدولة الروسية، أعادت روسيا بناء نفسها اقتصادياً وعسكرياً دون أن تصعد لمكانة القطب الثاني، بل سعت في البداية للتموضع ضمن العالم الغربي، لكنها سرعان ما اكتشفت أن موقف الغرب التاريخي منها، والذي كان ينظر لروسيا دائماً بعين الريبة ككيان غريب عنه وليس كجزء منه، لم يتغير رغم تخليها عن العقيدة الشيوعية وسعيها للاندماج بالنظام الرأسمالي العالمي.

شيئاً فشيئاً بدأت روسيا تشعر أن الغرب يقوم بالزحف لمحاصرتها عبر ضم الدول التي تعتبرها روسيا ضمن مجالها الحيوي إلى حلف الناتو مثل دول البلطيق “إستونيا ولاتفيا وليتوانيا”، ثم الأقرب منها مثل جورجيا ومولدوفا، وأخيراً أوكرانيا التي تنظر إليها روسيا باعتبارها الدولة الشقيقة ومهد القومية الروسية وبوابتها من جهة أوربة وخاصرتها الرخوة.

شكل وجود حكومة موالية للغرب تطمح للدخول بالاتحاد الأوربي وحلف الناتو جرس إنذار لروسيا واختراقاً للخطوط الحمر لأمنها القومي كما تفهمه روسيا. وبسبب ذلك تفجرت الحرب الروسية الأوكرانية التي ما زالت دائرة حتى الآن، وكان من نتائجها إعادة تموضع مركز روسيا الاستراتيجي بصورة بعيدة نسبياً عن الغرب وأقرب إلى الصين، القوة العالمية الكبرى الصاعدة.

ما نشهده اليوم هو اهتراء النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تغير من نظام ثنائي القطب إلى نظام أحادي القطب حين أصبحت الولايات المتحدة الدولة المهيمنة عالمياً، ثم إلى اتجاه غير متبلور لعالم متعدد الأقطاب.

النظام العالمي من الثنائية القطبية إلى القطب الواحد

في العام 1991 تفكك الاتحاد السوفييتي وانهار القطب الثاني فجأة بسبب أزمات اقتصادية طاحنة، وسباق تسلح استنزف موارده، وفشل الإصلاحات (البيروسترويكا).

تحول النظام العالمي ثنائي القطب لم يأت بسبب حرب كما كان الحال عليه بعد الحرب العالمية الثانية، بل جاء بسبب انهيار مفاجئ لأحد القطبين. هكذا وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها دون منافس، وانتقل محتوى النظام العالمي من الحفاظ على السلام بين معسكرين متضادين عبر حكومة عالمية ذات مرجعية مزدوجة “معسكر غربي بقيادة الولايات المتحدة ومعسكر شرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي”، إلى مرجعية تستند إلى حد كبير إلى إرادة دولة واحدة هي الولايات المتحدة الأمريكية.

في بداية ذلك العصر “عصر القطب الواحد” قدم مفكرون غربيون مثل فرنسيس فوكوياما، وتشارلز كوثامر، وصمويل هانتنغتون، وجون ميرشايمر رؤى متباينة لنظام القطب الواحد الذي فرض نفسه في الواقع قبل أن يقدم أي منهم تصوراً منهجياً عن ذلك النظام، بخلاف بعض التنبؤات التي سبقت ذلك النظام والتي اهتمت باحتمال سقوط النظام السوفييتي وليس بنتائج ذلك السقوط فيما يتعلق بالنظام العالمي.

هذا العجز الفكري عن استباق مصير النظام العالمي أوقع الولايات المتحدة، ومعها المعسكر الغربي الذي ازداد تماسكا مع انهيار المعسكر الاشتراكي، بحالة تخبط حين تحول النظام العالمي فجأة إلى نظام أحادي القطب.

قدم المفكر فوكوياما مساهمته ضمن فكرة أن انهيار التجربة الاشتراكية أمام القطبية الغربية يمثل نهاية التاريخ، مما يعني استقرار النظام العالمي الأحادي القطب لفترة غير محدودة، وأن مصير روسيا وغيرها هو التحول نحو الليبرالية والدخول في عباءة المعسكر الغربي، مما أطلق وهماً تسبب بنوع من العمى عن رؤية عيوب النظام العالمي أحادي القطب والعجز عن فهم خصوصية المجتمعات الأخرى. وما زلنا نرى نتائجه حتى اليوم في تلك الغطرسة الأمريكية في الحقل السياسي، والتي أدت في كثير من الأحيان إلى سوء تقدير ردود الأفعال للمجتمعات التي تعاملت معها الولايات المتحدة.

الأمر الآخر أنه نتج عن النظام العالمي الأحادي القطب والتنظيرات التي رافقته إهمال الجوانب الاجتماعية أو التقليل من أهميتها كرد فعل على فشل التجربة الاشتراكية السوفييتية، في حين قدم صمويل هنتنغتون صراعات أخرى مثل صراع الحضارات الذي ينظر للتباينات الثقافية والدينية كأساس للصراعات العالمية بدلاً من الصراعات الطبقية أو الأيديولوجية.

لقد وفرت نظرية هنتنغتون عن صراع الحضارات الإطار النظري لتيار المحافظين الجدد الذي صعد مباشرة بعد سقوط النظام ثنائي القطب، وحددت العدو البديل عن المعسكر الاشتراكي والفكرة الاشتراكية بالعدو الحضاري.

ومن تلك النقطة أصبحت الهيمنة الأمريكية العالمية الأحادية ضرورة وجودية ينبغي فرضها على العالم، وجرت شيطنة رفض تلك الهيمنة “اختراع تهمة الإرهاب”. لقد تم تقديم الحضارة الإسلامية والصينية كحضارات عدوة في صراع الحضارات، حضارات تقف عثرة أمام الهيمنة الأمريكية العالمية وريثة الحضارة الغربية.

تيار المحافظين الجدد

يمكن اعتبار تيار المحافظين الجدد التيار الفكري – السياسي الأكثر صلة بنظام القطب الواحد. ورغم أن ذلك التيار قد تلاشى سياسياً، لكن آثاره الفكرية ما زالت تحكم السياسة الأمريكية إلى حد بعيد، بل يمكن القول دون مبالغة إن ذلك التيار سيبقى ملازماً كمرجعية فكرية للسياسة الأمريكية إلى غاية تحول نظام القطب الواحد إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب.

ظهر تيار المحافظين الجدد في أواخر السبعينات وثمانينيات القرن العشرين، لكنه لم يكتسب النفوذ الواسع سوى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ومعه انهيار النظام العالمي ثنائي القطب. لقد تقاطع صعود ذلك التيار مع الحاجة لإضفاء شيء من الفلسفة والتنظير على الهيمنة الأمريكية العالمية من خلال النظام العالمي الجديد، وبلغ ذروة انتشاره وقوته مع العام 2001.

وأهم رموزه: بول وولفويتز، ريتشارد بيرل، روبرت كاغان.

وكان أهم ما تقدم به هؤلاء هو الأفكار الآتية التي تصوغ نظرية القطب الواحد المهيمن (مشروع القرن الأمريكي الجديد):

أولاً: منع ظهور قوة عالمية منافسة.

ثانياً: استخدام التفوق العسكري الأمريكي بشكل استباقي للمحافظة على الهيمنة الأمريكية.

ثالثاً: نشر الديمقراطية الليبرالية بالقوة حيثما يلزم الأمر.

تبنت السياسة الخارجية الأمريكية عقيدة الحرب الوقائية في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش، وبرز ذلك في غزو أفغانستان 2001، ثم في غزو العراق 2003، حين اعتُبرت الأحادية القطبية فرصة تاريخية لإعادة تشكيل العالم انطلاقاً من إعادة تشكيل الشرق الأوسط بهدم الأنظمة السياسية القائمة وإقامة أنظمة تتوافق مع متطلبات العولمة والمصالح الأمريكية العالمية والقيم الأمريكية.

العولمة ونظام القطب العالمي الواحد

استند نظام القطب الواحد، والذي يتطابق عملياً مع الهيمنة الأمريكية العالمية، إلى ركائز اقتصادية عالمية تمثلت بظاهرة العولمة ومضمونها الاقتصادي الذي كان يعني تحول الشركات الصناعية الكبرى ورأس المال من الحدود الوطنية للدول إلى شركات عملاقة عابرة للحدود، وصعود الدولار ليصبح العملة العالمية مكان الذهب.

ومن أجل خدمة العولمة وترسيخ أقدامها في العالم نشأت مؤسسات مالية عالمية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية.

وبالمقابل فقد خدم نظام القطب الواحد ومشروع القرن الأمريكي الجديد العولمة الاقتصادية حين عمل كبلدوزر لشق الطريق للشركات العابرة للحدود للدخول إلى كل الدول التي كانت تعيش داخل حدودها الوطنية وتقاوم أي تدخل خارجي.

جلبت العولمة معها القيم الأمريكية، قيم القطب العالمي المهيمن، وعملت على نشر تلك القيم في كل مكان تدخله على حساب الثقافات القومية المحلية.

وفي نهاية المطاف تشكل لدينا نظام عالمي ثلاثي الأبعاد:

قطب واحد مهيمن سياسياً وعسكرياً – عولمة اقتصادية ومالية – قيم ليبرالية أمريكية.

أدى تعاظم حجم وقوة الشركات متعددة الجنسيات العابرة للحدود إلى صعود منافسين جدد لنظام القطب الواحد، بصورة مشابهة للنتيجة التي أدى بها صعود الصناعة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلى صعود البورجوازية كطبقة اجتماعية تتطلع نحو الإمساك بالسلطة السياسية، وكان ذلك إيذاناً بقرب نهاية عصر القطب العالمي الواحد.

ضمن ذلك السياق صعدت الصين محمولة على عولمة الأسواق التجارية وعولمة تدفق الرساميل العالمية، لكنها في النهاية أصبحت قطباً عسكرياً وسياسياً منافساً، كما صعدت روسيا وإن بصورة أقل من خلال الاستثمارات التي تدفقت إليها وتصدير البترول والغاز لأوربة، وأتاح لها الانتعاش الاقتصادي بناء ترسانتها الحربية من جديد لتفرض نفسها، كما ظهر في الحرب الأوكرانية، لاعباً دولياً منافساً في نادي الكبار.

تكمن المفارقة اليوم في أنه بينما يتراجع نظام القطب الواحد مع استمرار صعود المنافسين وظهور التعب من تعاظم كلفة ذلك النظام، مما أدى لنشوء فراغ في القوة في أماكن عديدة في العالم يتم ملؤها من القوى الإقليمية، فإن ولادة نظام عالمي بديل متعدد الأقطاب لا تبدو متاحة حتى الآن لأسباب متعددة، أهمها أن بنية نظام العولمة المرتبطة بالشركات العملاقة متعددة الجنسيات تجد مصلحتها في بقاء النظام القديم، أي نظام القطب الواحد، وتآكله المستمر، والذي يتيح لها تفوقاً سياسياً دون أن تقيد نفسها ببنية جديدة أكثر صلابة لنظام عالمي جديد صاعد.


الكاتب معقل زهور عدي

معقل زهور عدي

كاتب وناشط سياسي مهندس مدني – دراسات عليا في الهيدرولوجيا في معهد الهيدروليك والبيئة – دلفت – هولندا المنسق العام لتيار العروبيين السوريين

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة