مصطلح الدولة المدنية بين الإسلاميين والحداثيين

img

يقول الإعلامي والكاتب المصري إبراهيم عيسى حول الإسلاميين والدولة المدنية: «دعوني أحدثكم عن الماء والزيت، فالماء والزيت لا يمكن أبداً أن يمتزجا، وهذا هو حال الإسلاميين والدولة المدنية»[1].

قد نوافق إبراهيم عيسى في نقده للإسلام السياسي والإسلام الأزهري التقليدي، ولكن لا نصل إلى مستوى ادعاء الأحقية المطلقة في عوالم البشر المليئة بالنسبيات، وقد تصلح الحتميات في مجال العلوم الطبيعية، لكن ليس طويلاً كما يقول فلاسفة العلوم. فإذا قصدنا الحديث عن الكيمياء، فيمكننا القول بسهولة أن الماء والزيت لا يمكن أن يمتزجا، ولكن نحن في مفاهيم الدولة المدنية والإسلاميين والإسلامويين ندخل في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، و«من الممكن الجزم بعدم وجود قوانين وميول واتجاهات تحكم الظاهرة الاجتماعية، مثلما تحكم القوانين الفيزيائية والطبيعية والكيميائية والبيولوجية عالم الطبيعة[2]، وذلك نظراً لفرادة الظاهرة الاجتماعية وعدم القدرة على تكرارها في التجربة. من ناحية أخرى، يمكننا القول بأن الظاهرة الاجتماعية لا تسبح في عالم من الفوضى، ونستطيع الوصول الى تفسيرات مقبولة، باعتماد الموضوعية، والتحليل العلمي، والحيادية، والمنهج التعددي، والقدرة على الفهم»[3].

إن كثير ممن يتحدثون عن الإسلاميين والإسلامويين من الحداثيين يعتقدون بأنّ (الدولة المدنية) – كما يتصورونها كدولة علمانية – ستتنزل دفعة واحدة، وحياً إلهياً من سماء النظريات والمفاهيم والأفكار والأيديولوجيات إلى العالم الأرضي، أو إلى العالم دون زيادة، وقد نسوا أن الله ذاته قد أنزل الوحي بحسب المؤمنين المسلمين على دفعات، أو في اللغة العربية القديمة منجماً، ما يعني أن عالم الحياة الاجتماعية هو عالم الحركية والديناميكية والتطور التدريجي عبر المنعرجات اللولبية، وعالم النواقص الدائمة، أي هو في بحث مستمر عن الكمال الذي لا يمكن إدراكه إلا في الطوباويات من كل نوع، والتي إن حصلت على السلطة أنتجت عكس ما كانت تدعو إليه في النظرية.

وما ينساه هؤلاء بأن مفهوم (الدولة المدنية) بالمرجعية الإسلامية، هو حلقة من حلقات تطور الفكر السياسي الإسلامي المعاصر من لحظة نكوصه مع تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في الإسماعيلية عام 1928[4]، إلى حين العودة للحديث عن مصطلح الدولة المدنية لدى الإسلاميين والإسلامويين في الثمانينيات من القرن المنصرم بعد النكسة الكبرى التي أصابت الجماعة الإخوانية مع فكر سيد قطب وكتاب (معالم الطريق)، الذي كفر باقي العالم ما عدا (الفرقة الناجية)، وهي تتمثل في هذه الحالة بكلام قطب: «الفتية الذين كنت ألمحهم بعين الخيال قادمين فوجدتهم في واقع الحياة قائمين.. يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، مؤمنين في قرارة نفوسهم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. إلى هؤلاء الفتية الذين كانوا في خيالي أمنية وحلماً، فإذا هم حقيقة وواقع، حقيقة أعظم من الخيال، واقع أكبر من الآمال. إلى هؤلاء الفتية الذين انبثقوا من ضمير الغيب كما تنبثق الحياة من ضمير العدم، وكما ينبثق النور من خلال الظلمات إلى هؤلاء الفتية الذين يجاهدون باسم الله، في سبيل الله، على بركة الله، أهدي هذا الكتاب»[5]. وكان قبول مصطلح الدولة المدنية في الأوساط الإسلامية والإسلاموية في مصر قد حدث في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات نتيجة للمراجعات التي قام بها عناصر انشقوا عن الجماعات التكفيرية، وكذلك لدى بعض الكتاب من التوجه الإسلامي.

المصطلح إذن، هو اختراع عربي إسلامي تمّ تبنيه فيما بعد من قبل بعض المفكرين الحداثيين لأسباب مختلفة، استخدمه الكتاب الإسلاميين بكثرة بداية من الثمانينيات من القرن المنصرم، وبالخصوص الكتاب المصريين من الاتجاه الإسلامي (المعتدل) مثال فهمي هويدي وطارق بشري وغيرهم، للقول بأن الدولة الإسلامية ليست دولة دينية، بل دولة مدنية، ويقصدون في هذه المناسبة أنها تدار بمدنيين وليس برجال الدين ولا بالعسكر، وهم في معظم الأحوال يضيفون الى مصطلحهم عبارة (المرجعية الإسلامية).

ويخضع المصطلح لاختلاطات كثيرة في الفهم، وبالخصوص في الساحة السياسية والثقافية في مصر قبل ثورة 2011، وازدادت بعد الثورة، وقبل وبعد كتابة الدستور المصري الجديد، حيث نص دستور عام 2012 على أن مصر دولة مدنية. ويوجه الباحث المصري علي مبروك نقداً جذرياً لتصور التيارات الإسلامية لمدنية الدولة، يقول: «لعل ما يلفت النظر حقّاً، أن معظم المتجادلين حول (المدنية) يركزون على تعريفها بما يتصورون أنه نقيضها (العسكري والديني)، ولا يتوقفون عند جوهر ما تعنيه بمعزل عن نقائضها. ولعل جوهر (المدنية) هو وعي البشر بضرورة العيش المشترك، مع وجوب أن ينضبط هذا العيش بقانون يتوافقون عليه، وبحيث يتجاوزون حالة ما قبل المدنية التي كان الفرد فيها منشغلاً بإشباع مجرد حاجاته الأنانية معتمداً على قوته، ولو على حساب الآخرين. ولأن القانون يكون تعبيراً عن إرادة الناس ووعيهم، فإنه لا يمكن أن يكون جامداً، وإلا فإنه لن يكون ممكناً إلا فرضه على الناس بمحض القوة الباطشة المستبدة. وغني عن البيان أن هذا الفرض على الناس بالقوة هو ما يمثل التهديد الأكبر ليس فقط للمدنية، بل وللدولة التي سيكون مآلها السقوط والتفكك إذا ما قامت على مبدأ الفرض الإكراهي لشرعيتها بالقوة على الجماعات المكونة لها… وترتيباً على ذلك، فإن ما يقوم به الصاخبون في مصر من استدعاء الدين كمنظومة فقهية جاهزة وثابتة، ليجري فرضها كرهاً على المسلمين وغيرهم (بسبب ثباتها وجمودها)، هو ما يمثل التهديد الأكبر للمدنية والدولة معاً. وللمفارقة، فإنه يمثل تهديداً للدين أيضاً، وعلى النحو الذي لا بد معه أن يكون الدين موضوعاً للتفكير ليستوعب حركة الواقع، فيستوعبه الواقع بالتالي. ومن حسن الحظ أن ذلك ما يدفع إليه الإسلام فعلاً، وذلك على عكس ما يتصور أولئك الصاخبون من الذين يغطون على بلادة العقل بارتفاع الصوت»[6].

المصطلح غير معروف في الكتابات الأكاديمية الغربية، وأي ترجمة له في هذه اللغات ستعني الحالة المدنية، وليس الدولة المدنية، والمصطلح الأقرب له في التاريخ الفكر السياسي الغربي هو مصطلح (الحكومة المدنية). مع بداية عصر الأنوار في القرن الثامن عشر ستتصاعد موجة نقد اللاهوت والتبشير بالدولة غير الدينية في أوروبا، هذا التزاوج في نقد اللاهوت والدعوة للدولة غير الدينية نجده مبكراً في كتاب لسبينوزا هو رسالة في اللاهوت والسياسة ينتقد فيه النظرية التي تقوم عليها الدولة الدينية، فهي تعاقد وهمي بين الأرض والسماء، الكهنوت والإمبراطورية. ومصطلح الحكومة المدنية ظهر في القرن السابع عشر عند جون لوك في محاولته الفلسفية: رسالة حول الحكومة المدنية (1690)، مقال فلسفي كتبه الفيلسوف الإنكليزي جون لوك، نُشر عام 1690، كرسه للبحث في الأصول والمشروعية والمشاكل التي تطرحها أي حكومة سياسية.

وقد ظهر المصطلح بصورة غائمة منذ نهاية الخمسينيات من القرن الماضي في العالم العربي، كتعبير عن مناهضة الأنظمة العسكرية الأمنية، وبالخصوص النظام الناصري في مصر، وظهر بصورة عفوية لدى بعض الأصوات الليبرالية والإسلامية. ولكن تطور في بداية الثمانينيات لدى الكتاب الإسلاميين، والرسالة التي يراد توصيلها من قبل هؤلاء هي شكلية بحتة: كبديل للحكومات العسكرية المتسلطة، وكذلك لسلطة رجال الكهنوت المباشرة، سلطة الملالي الحاكمين في إيران بعد الثورة الإسلامية عام 1979، نقول البديل لتلك السلطات، هي سلطة يقوم عليها رجال مدنيون وتكون مرجعيتها هي الشريعة الإسلامية، بينما كان طرح هذا المصطلح في الأوساط الحداثية كمحاولة للخضوع للتيارات الإسلامية التي حاولت جهدها لشيطنة مصطلح العلمانية، وكذلك شيطنة المفكرين الذين ينادون بفصل الدولة عن الدين والسلطة الدينية، وكذلك السلطة الدينية عن السياسة والدولة.

يريد الفقه الإسلامي السني المعاصر، الذي تخطى مفهوم الخلافة بعد عقود تفصله عن معركة كتاب الإسلام وأصول الحكم، أن يرد بهذا المفهوم الجديد على المجموعات التكفيرية التي قامت على فكر سيد قطب والمودودي، وكذلك على أصحاب ولاية الفقيه في الجانب الشيعي. فبينما الإمامة في الفقه الإسلامي الشيعي تقوم على (النص) و(الوصية)، أي هي جزء من أصول العقيدة، يؤكد هؤلاء المجددون من السنة أن مسائل السلطة والحكم في الإسلام السني هي من الفروع، أي هي مسائل فقهية، ولا مكان لأن تكون الخلافة مسألة عقائدية في الإسلام كما هو الأمر بالنسبة للجماعات السلفية الجهادية، أو لدى حزب التحرير الإسلامي الذي أسسه الشيخ تقي الدين النبهاني.

باختصار، مصطلح الدولة المدنية اختراع عربي إسلامي بامتياز أخذ الصدارة نتيجة السجالات العقيمة بين التيارات الحركية الإسلامية والتيارات الحداثية حول طبيعة الدولة في سياق ثورات الربيع العربي التي اندلعت عام 2011. فقد جرى استعمال المصطلح من قبل بعض الحداثيين كحل وسط بين الدولة الإسلامية والدولة العلمانية (الدولة الوطنية الديموقراطية)[7]، بينما جادل بعض الحداثيين (أحمد برقاوي وناصيف نصار وجاد عبد الكريم الجباعي) على أن الدولة المدنية هي الدولة العلمانية[8]، وأن الترافق بين المدني والإسلامي أو الإسلاموي، هو في نظرهم تناقض لفظي. أما عند الإسلاميين والإسلامويين فقد جرى طرحه أولاً ضد الدولة العسكرية الأمنية التي تمثلت تاريخياً في النظام الناصري الذي أعقب ثورة الرابع عشر من تموز/يوليو عام 1952، وفي مرحلة متقدمة كحل اجتهادي في مناهضة الجماعات التكفيرية والمتشددة التي ما تزال تطالب بالخلافة الإسلامية، وحتى بالدولة الثيوقراطية على غرار ما جرى في إيران منذ الثورة الإسلامية عام 1979، وهو النموذج المعمول به في النطاق السني في ما يسمى بإمارة أفغانستان التي يقودها رجال الدين سواء في قندهار العاصمة الدينية، أم في كابول العاصمة السياسية أو مركز الحكومة التنفيذية[9].

إنّ استعمالات هذا المصطلح تختلف بين التيارات الإسلامية والحداثية، وأيضاً تتنوع أغراضها في وسط الحداثيين بين من يقول بأن الدولة المدنية كمفهوم جديد يصلح لتقليص الهوة بين العلمانيين والإسلاميين للوصول إلى تسوية تاريخية للقطع مع الاستبداد والتوجه نحو النظام الديموقراطي[10]، وبين من يقول بأن الدولة المدنية هي ذاتها الدولة العلمانية، وأن لا إمكانية لقيام (الدولة) بالمعنى الحديث من دون مبدأ الحيادية تجاه الديانات والمذاهب والقوميات.

نشرت المادة في «الحوار المتمدن»، تاريخ 10/11/2025

الهوامش


[1]– إبراهيم عيسى يفتح ملف موقف الإسلاميين من الدولة المدنية، تاريخ اليوتيوب 29/10/2025، على الرابط:

[2]– بالرغم من أن مؤسس علم الاجتماع أوغست كونت (أطلق على هذا العلم بـ الفيزياء الاجتماعية.

[3]– د. فارس إيغو، سمير أمين: الإسلام السياسي والامبريالية العالمية (الحوار المتمدن، 02/07/2024).

[4]– يمكن القول بأن العالم العربي والإسلامي قد شهد مرحلة طويلة من نمو تيار الإصلاحية الإسلامية، وبالخصوص المجال السياسي، مع الطهطاوي وكتاب (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) الذي صدر عام 1834، وخير الدين التونسي وكتاب (أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) الذي صدر عام 1867، ومن ثم مع الأفغاني وعبده والكواكبي وقاسم أمين، وأخيراً علي عبد الرازق وكتاب (الإسلام وأصول الحكم) عام 1925.

[5]– سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام (الإهداء، دار الشروق بيروت، طبعة 1411 هـ/1991 م). الطبعة الأولى 1949.

[6]– علي مبروك، الدين والدولة في مصر: هل من خلاص؟ (مؤسسة هنداوي، طبعة عام 2024، فصل الدولة بين الشمولية والمدنية، فقرة ولكن ما هو جوهر تلك «المدنية» التي هي قوام الدولة؟ ص: 103-104). صدر هذا الكتاب عام 2015.

[7]– يتحدث فهمي هويدي عن (التفسير غير البريء) لمصطلح الدولة المدنية عند الحداثيين على أنه: تستخدم فيه لافتة المدني لستر التوجه العلماني (مقالة مدنية هذا الزمان، دنيا الوطن، تاريخ 02/01/2014).

[8]– يصف المفكر السوري جاد الدين الجباعي في إحدى حواراته عن مفهوم الدولة المدنية على أنه: تلفيق فكري وتلبيس سياسي (حوار مع الجباعي في موقع حفريات، الجزء الثاني، تاريخ 12/05/2020).

[9]– كثيرين من المفكرين الإسلاميين ورجال الدين الإسلامي يقولون بأنّ الإسلام ـ كما يفهمونه ـ يذم الدولة الدينية (الثيوقراطية)، ولا يعترف بسلطة الكهنوت، بينما المذهب الإسلامي الشيعي ما زال يعتقد بأن (الإمامة) تكون بـ (النص) و (الوصية)، وبالتالي، فهي من أصول العقيدة عند الشيعة. وفي المقابل، ما زالت تتواجد تيارات (أقلية بالتأكيد) داخل الإسلام السني تنادي بالدولة الدينية كما هو الحال اليوم في إمارة أفغانستان، وكذلك لدى حزب التحرير الإسلامي الذي أسسه الشيخ الفلسطيني تقي الدين النبهاني والجماعات السلفية الجهادية.

[10]– انظر المفكر السوري حسام الدين درويش في محاضرة: مفهوم الدولة المدنية وتجاوز التقابل القطبي بين الدولة العلمانية والدولة الدينية. على الرابط الالكتروني:

تاريخ اليوتيوب: 25/03/2021. وفي هذا الصدد يقول المفكر السوري جاد الكريم الجباعي في إحدى حواراته على أنّ: مفهوم الدولة المدنية ينم عن جهل العلمانيين ومكر الإسلاميين.


الكاتب د. فارس إيغو

د. فارس إيغو

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة