«قسد» من فراغ الاستراتيجية إلى مأزق الرهان

img

لم يكن ظهور قوات سورية الديمقراطية (قسد) نتاج مسار سوري داخلي أو تعبيراً طبيعياً عن توازنات المجتمع المحلي في شمال وشرق البلاد، بل جاء في لحظة غياب شبه كامل لأي استراتيجية أمريكية متماسكة لإدارة الصراع ضد تنظيم داعش. في هذا الفراغ تحديداً، لعب الضغط الإسرائيلي دوراً حاسماً في توجيه القرار العسكري الأمريكي نحو خيار بعينه: إنشاء قوة برية محلية منضبطة، مضمونة الولاء، وقابلة للاندماج الكامل ضمن منظومة التحالف الدولي، دون أن تكون خاضعة لأي سؤال وطني سوري.

انطلق هذا التصور من قناعة رُوّج لها داخل دوائر القيادة المركزية الأمريكية في العراق، مفادها أن الاعتماد على متطوعين محليين من البيئة الشرقية السورية المحافظة – التي صُنّفت أمريكياً بوصفها حاضنة سابقة لدعم “المقاومة العراقية” إبّان الاحتلال – ينطوي على مخاطر سياسية وأمنية. وعليه، جرى الدفع باتجاه نقل مهمة القتال إلى جهة منظمة أيديولوجياً ضد التيارات الدينية، مدرَّبة عسكرياً، وسهلة الضبط والتحكم. هنا برز خيار مشتقات حزب العمال الكردستاني، الذي أعده النظام السابق لوظيفة أخرى، أي وحدات حماية الشعب (YPG) ووحدات حماية المرأة (YPJ)، بوصفها القوة الأكثر جاهزية للقيام بهذا الدور.

بهذا الاختيار، أُجهضت مسارات بديلة كانت قيد الإعداد، من بينها مشاريع لتشكيل قوة محلية مستقلة من أبناء المنطقة الشرقية – كالمسعى الذي كان يُعمل عليه تحت اسم “جيش الحق” – لصالح نموذج مختلف جذرياً: قوة ذات نواة كردية صلبة، أُضيف إليها لاحقاً خليط غير متجانس من فصائل وجماعات كانت تبحث عن دور، أو عن مظلة حماية، أو ببساطة عن مورد يضمن الاستمرار.

هكذا تشكّلت قسد من مزيج وظيفي لا من عقد وطني: وحدات حماية الشعب والمرأة كعمود فقري، وإلى جانبهما بقايا ما عُرف بجيش الثوار، وغرفة عمليات بركان الفرات، والمجلس العسكري السرياني، في إطار أقرب إلى تجميع المتاح منه إلى بناء مشروع تمثيلي. لم تولد قسد كمشروع وطني جامع، بل كـترتيب دولي مؤقت، استُخدم فيه ما هو مضمون، لا ما هو مشروع، لتحقيق غاية محددة: مواجهة أو ملاعبة داعش بأدوات قابلة للسيطرة.

غير أن أزمة قسد الأعمق لم تكن عسكرية، بل أزمة شرعية وتمثيل. فالقوة التي أُنشئت بوصفها أداة للتحالف لم تُبنَ على تفويض اجتماعي من سكان المناطق التي سيطرت عليها، ولا على تمثيل سياسي حقيقي لمجتمعات دير الزور والرقة، بل على معادلة معكوسة: القوة أولاً، ثم البحث عن فرض الاعتراف. هذه الإشكالية لا يمكن فصلها عن السياق المادي القاسي الذي فرضه تنظيم داعش حين أغلق المربع الشرقي بسيطرته على الرقة وتمدده في دير الزور، فانهارت شبكات التمويل، وتُرك مقاتلو الجيش الحر أنذاك بلا غطاء، ولا مورد، ولا أفق.

في هذا المناخ، لم يكن انتقال كثير من المقاتلين المحليين إلى مظلة قسد تعبيراً عن اقتناع سياسي، بل خيار ضرورة فرضته شروط البقاء. الحاجة إلى حماية من النظام، وإلى مورد يؤمّن الحد الأدنى من العيش، دفعتهم إلى الاندماج في إطار لا يملكون قراره، ولا يحددون بوصلته. وهكذا تحوّل “التمثيل المحلي” إلى مشاركة وظيفية، وعُوّض غياب الشرعية الشعبية بشرعية الأمر الواقع، وغياب العقد الاجتماعي بضمانات التمويل والحماية الخارجية.

منذ وقت مبكر، لم يُنظر إلى قسد إسرائيلياً بوصفها أداة مؤقتة لمحاربة داعش، بل كـرافعة استراتيجية مؤجَّلة في مشروع تفكيك سورية حين تنضج الشروط. فالمطلوب لم يكن دمج شرق الفرات في دولة، بل تثبيت كيان مسلّح خارجها، قادر على التحول إلى ورقة ضغط دائمة. ولتحقيق ذلك، جرى الاستثمار في سردية “بطولة المظلومية الكردية” في مواجهة الإرهاب، بوصفها تفويضاً أخلاقياً مفتوح السقف، لا مجرد اعتراف بمظلومية تاريخية.

هذه السردية وجدت صداها دولياً، وفي اليمين الأمريكي المرتبط عضوياً بإسرائيل بشكل خاص، حيث تلاقت المصالح: إسرائيل ترى في قسد أداة تفكيك، واليمين الأمريكي يرى فيها حليفاً يمكن الوثوق به خارج أي إشكال وطني عربي، فيما رأت قسد في هذا الدعم ضمانة وجود واستمرار. غير أن هذه المعادلة بدأت تتصدّع تدريجياً مع عودة دونالد ترامب إلى واجهة القرار.

فهنا وقع الافتراق لا الخلاف بين واشنطن وتل أبيب. إسرائيل رأت أن اللحظة الإقليمية الراهنة تشكّل فرصة ذهبية لتمزيق سورية وإخراجها من التاريخ طويلاً، بأقل كلفة ممكنة، مستندة إلى مجموعات أقلوية رأس حربتها قوة محلية مسلّحة (قسد). في المقابل، بدأ ترامب ينظر إلى سورية بعقل مختلف: عقل الاستثمار لا عقيدة الدم. سورية، في هذا التصور، ليست ساحة فوضى دائمة، بل مساحة يمكن إعادة توظيفها اقتصادياً، ضمن شراكات إقليمية، يكون لإسرائيل فيها نصيب الربح، لا امتياز التخريب.

ترامب يرى أن استنزاف سورية إلى ما لا نهاية يُضيّع “فرصة الاستثمار”، ويُضعف “الرجل القوي” الذي يعتقد أنه عثر عليه، ويمكن البناء عليه في مشاريع اقتصادية وأمنية مقبلة، وبالتالي لا ينبغي إنهاكه أو كسره. أمّا ملف داعش والإرهاب، فقد تراجعت مركزيته في هذا الحساب، بعد أن بات هناك حليف بديل أقوى وأشد، يدير دولة فعلياً، لتصبح المفاضلة محسومة من زاوية المصالح البراغماتية لا البرامج الأيديولوجية والشعارات.

هذا التحوّل وضع قسد في مأزق استراتيجي. فقد بُني مشروعها على افتراض حماية أمريكية–إسرائيلية مطلقة، وعلى وهم أن سردية “الحليف البطل المظلوم” تكفي لرفع سقف الطموحات بلا حدود. لكن ما تجاهلته هو أن إسرائيل عاجزة عن توفير حماية كاملة دون الغطاء الأمريكي، وأن واشنطن نفسها لا تحمي إلا ما يدرّ ربحاً. في الحساب النهائي، قسد ليست شريكاً تاريخياً، بل أداة قابلة لإعادة الضبط أو الاستغناء.

وهم الفرصة التاريخية وسوء تحديد الخصم

إلى جانب كل ما سبق، لا يمكن فهم سلوك قسد ولا الحركة السياسية الكردية في سورية عامةً، ولا خطابها السياسي، دون التوقف عند التصور الذاتي الذي يحكم وعي النخب الأيديولوجية الكردية بمختلف أطيافها. فهؤلاء يرون في سورية المنهكة، الضعيفة، الخارجة من حرب طويلة، فرصة تاريخية نادرة تتيح لهم اقتطاع جزء من جغرافيتها لبناء نواة ما يسمونه “أرضهم التاريخية، ووطنهم القومي” تحت أي تصور كان في البدء، وكأن لحظة الانكسار الوطني العام هي اللحظة المناسبة لتصحيح مظلومية تاريخية خاصة.

غير أن هذا التصور يقوم على سوء تحديد جذري للخصم. فالسوريون، كجماعة وطنية، بل وحتى العرب عموماً، لم يكونوا يوماً الجهة التي حرمت الأكراد من حق تقرير المصير، ولا الطرف الذي رسم خرائط المنطقة، ولا القوة التي صادرَت إرادة الشعوب عقب الحرب العالمية الأولى. لم يكن الفلاح السوري، ولا ابن دير الزور أو حلب أو دمشق، هو من وقّع اتفاقيات سايكس–بيكو، ولا من قرر تقسيم جغرافيا المنطقة، ولا من هندس النظام الإقليمي الذي أُنتجت فيه هذه المظلومية.

ومع ذلك، يتصرّف الخطاب الأيديولوجي الكردي السائد داخل قسد وأغلب السياسيين الكرد وكأن الدولة السورية المنهكة هي الحلقة الأضعف التي يمكن كسرها، وكأن تفكيكها أو نهش جزء منها يشكّل تعويضاً مشروعاً عن ظلم لم تكن هي مصدره. بهذا المعنى، يجري تحويل المظلومية التاريخية من قضية سياسية–قانونية ذات بعد إقليمي ودولي، إلى مشروع اقتطاع جغرافي من دولة مأزومة، لا لكونها مسؤولة عن الظلم، بل لأنها عاجزة عن منعه.

هذا الانزلاق من طلب الحق إلى استثمار الانهيار هو ما يجعل مشروع قسد، في جوهره، مشروعاً تصادمياً مع فكرة الوطن، لا مع نظام بعينه. وهو ما يفسّر إصرارها على قراءة ضعف سورية بوصفه فرصة، لا مأساة مشتركة، وعلى التعامل مع التفكك الوطني كنافذة تاريخية، لا كخطر وجودي على الجميع، بمن فيهم الأكراد أنفسهم.

والأخطر من ذلك أن هذا المنطق، بدل أن يقرّب الأكراد من محيطهم السوري والعربي بوصفهم شركاء في الظلم التاريخي، يعزلهم سياسياً وأخلاقياً، ويضعهم في موقع من يسعى إلى تعويض خسارته عبر خسارة الآخرين، لا عبر نضال مشترك لتغيير البنية التي أنتجت الظلم أصلاً.

المأزق الحقيقي لقسد لا يكمن في تراجع الدعم الأمريكي أو تبدّل المزاج الدولي، بل في حقيقة أبسط وأقسى:

لا مشروع يُبنى ضد الدولة يمكنه أن يعيش دون وصي، ولا أداة وُلدت خارج السؤال الوطني يمكنها أن تفرض نفسها داخله. لقد راهنت قسد على الخارج ضد الداخل، وعلى السردية ضد العقد، وعلى القوة ضد الشرعية، فوجدت نفسها اليوم عالقة بين داعم لا يريد لها الاكتمال، وحليف لا يرى فيها إلا ورقة مؤقتة.

إن أخطر ما في تجربة قسد ليس أنها فشلت في أن تكون دولة، بل أنها لم تحاول يوماً أن تكون جزءاً من وطن. ومن يختَر أن يكون أداة في لحظة سيولة دولية، عليه أن يكون مستعداً لأن يُرمى حين تستقر المصالح. في السياسة، لا يُكافأ المظلوم إلى الأبد، ولا تُحمى الأدوات إلى النهاية، ولا يبقى خارج التاريخ إلا من قرر طوعاً أن يقف ضده.


الكاتب ماهر سليمان العيسى

ماهر سليمان العيسى

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة