الحروب الصغيرة هل هي خيار بديل عن الحرب العالمية؟
منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأ التحضير للحرب العالمية الثالثة، قوة التدمير الهائلة للأسلحة النووية أوقفت التدحرج نحو تلك الحرب، لكن ما نشهده الآن هو استبدال الانفجار الشامل بانفجارات محدودة هنا وهناك، تلك الانفجارات تبدو محلية في البدء، لكن سرعان ما تتحول إلى بؤرة عالمية تنخرط فيها الدول الكبرى لتتبادل اللكمات فيما بينها بطريقة مباشرة أحيانا وغير مباشرة في معظم الأحيان.
ما ينتج عن تلك الحروب الصغيرة ليس مواجهات أوسع بل مجرد تحريك لأحجار الشطرنج بحيث يخرج بعضهم رابحاً والآخر خاسراً، وقد يخرج الطرفان رابحين بنسب متفاوتة أو خاسرين بنسب متفاوتة.
انسحاب الولايات المتحدة من دورها كقطب للنظام العالمي يخلق فرصا أكثر لمثل تلك الصراعات المحدودة، تتحول الدول الاقليمية لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية من دورها الهامشي إلى دور فاعل في السياسة العالمية، لكن ذلك يجري على حساب بقية الدول والتي أصبحت تخدم كساحات للصراع وميدان للتنافس وجوائز للمنتصرين.
تبحث الولايات المتحدة اليوم عن مقاولين بالباطن مقابل منحهم جزءا من الأرباح، ولا يهمها كثيراً ما يقولونه أو يرفعونه من شعارات، المهم أن يبقى المقاول خاضعاً للإرادة الأمريكية في نهاية اليوم، وأن يعطي ما عليه من التزامات.
تختلط في السياسة العالمية الصداقات والعداوات، فلم يعد سهلا التمييز من مع من ومن ضد من وعلى أية أسس ومبادىء.
في القرن الماضي كان أمامنا الأبيض والأسود، معسكران كبيران، معسكر الاشتراكية ومعسكر الرأسمالية وبينهما قوى هامشية مثل قوى التحرر الوطني والأنظمة شبه الاشتراكية. وكان سهلا على الدول أن تختار مكانها ضمن ذلك الاستقطاب العالمي.
اليوم أصبحت اللوحة تبعث على الحيرة، فالدول التي خرجت من رحم المعسكر الاشتراكي مثل بولندا وتشيكيا وسلوفاكيا ورومانيا وبلغاريا واوكرانيا توجهت معظمها نحو الغرب لتدور في الفلك الأمريكي.
روسيا ذاتها لم تعد دولة اشتراكية، ولم تصبح دولة رأسمالية، وليس لديها اليوم أية قيم أو مبادىء للاقتداء بها، فقط هناك المشاعر القومية الروسية التي لا تعمل سوى داخل روسيا، فما شأن الآخرين بها ؟
المشكلة بينها وبين الغرب هي في وجودها كدولة كبرى بقدرات عسكرية فائقة، بالنسبة لروسيا يكفيها اعتراف الغرب بها كشريك عالمي والابتعاد عن محاولة حصارها وتفكيك نفوذها المتبقي في الدول حولها والتي تعتبرها مجالها الحيوي مثل اوكرانيا ودول آسيا الوسطى. وهو مطلب لايبدو أن الغرب مستعد له حتى الآن.
كل ما تقوم به روسيا ينبع من عقيدة دفاعية، لكن الدفاع قد يتحول إلى هجوم، وهذا مانراه اليوم على الحدود الاوكرانية – الروسية
بالمقابل فالغرب لا يحتمل أن تصبح روسيا قوية لدرجة يمكن أن تهدد أمنه سواء كانت عقيدتها العسكرية دفاعية أم هجومية، لذلك لابد أن نتوقع الرد على تهديد اوكرانيا بشكل من الأشكال.
كما لابد أن نتوقع أن يثير المتاعب لروسيا في سورية أيضا في نهاية المطاف.
أخطر ما في الأمر أن يجد الغرب والدول الكبرى والاقليمية أن ابقاء الساحات المتاحة لتصدير الصراعات البينية هو في صالح الجميع حتى لا يمتد الصراع نحو الداخل من جهة، وحتى يظل ممكنا تفريغ التوترات السياسية بعيدا عن المواجهات الشاملة.
أما من يدفع ثمن ما سبق فليس سوى الدول الفاشلة والتي تستحث الطريق نحو الفشل.