اللغة السياسية: المجازات ومجافاة الواقع المصري المتغير
الأهرام، 10 سبتمبر 2026
المتغيرات الكبرى في عالمنا، من مرحلة تاريخية إلى أخرى، فرضت بعضاً من التغيرات في أنساق اللغة السياسية وخطاباتها، ومعها بعض التحولات في البُنى النظرية والمفاهيم، والأنظمة الاصطلاحية في مجالات العلوم الاجتماعية كافة، من الدراسات الألسنية – اللغويات – إلى العلوم السياسية، والسوسيولوجيا وفروعها، والعلوم القانونية، وأيضاً في الفلسفات الغربية.
التغيرات في الفلسفات، والسياسة، والقانون، والاجتماع، هي نتاج التغيرات في بنيات المجتمعات الأكثر تطوراً، على الصعد الاجتماعية والسياسية، وفي بنية الرأسماليات الغربية، وعلاقات الإنتاج وتحولاتها، والنظم الليبرالية، والحركات النقابية، والأحزاب، وجماعات الضغط، ومنظمات المجتمع المدني، والأهم التطورات في مجالات العلوم الطبيعية والتكنولوجيا فائقة التطور، خاصة في العالم ما بعد بعد الحديث، ثم التحول النوعي مع الثورة الرقمية، والذكاء التوليدي، وعالم الروبوتات، الذي سيحدث قطيعة مع عالم ما قبل الإناسة الروبوتية، ومؤشرات التحول إلى ما بعد الإنسانية.
كل تغير في مواقع القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية، والعلمية، يؤدي إلى تراجع بعض النظريات والمفاهيم، أو إدخال تحويرات، أو تعديلات في تعريف هذه المفاهيم داخل حقلها النظري والدلالي، على نحو ما يعرفه بعض المتخصصين في هذه المجالات المختلفة، لاسيما لدى قلة القلة مصرياً وعربياً، وأيضاً ظهور نظريات ومفاهيم جديدة.
من ثم، لا توجد مفاهيم ومصطلحات ثابتة في العلوم الاجتماعية، والطبيعية، والتكنولوجيا، في ظل القفزات في الرأسمالية النيوليبرالية الوحشية والثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي التوليدي.
من هنا جاء هذا التغير فائق السرعة الذي مهد للثورة الصناعية الرابعة، ومشارف الخامسة، وأثرها على تراث من النظريات والمفاهيم، والاصطلاحات في مجال العلوم السياسية والقانونية… إلخ. مثل القوميات/ القومية والسيادة، والاستقلال، والحريات العامة التي تمركزت واختُزلت نسبياً وإلى حد ما في حرية الاستهلاك المكثف والمفرط.
في الأدبيات السياسية العربية التي تم إنتاجها تحت الحكم الاستعماري الفرنسي، والبريطاني، والإيطالي، استعيرت نظرياتها، ومفاهيمها من المرجعيات القانونية، والسياسية الغربية، وحاول بعضهم تطبيقها على البنى الاجتماعية في بلدانهم، وعلى جماعات المقاومة الوطنية من أجل الاستقلال الوطني.
بعض هذه الاستعارات تم تطويعها لتناسب الوضعيات الاجتماعية ما قبل الرأسمالية، وغالبها لم يكن سوى استعارات نظرية واصطلاحية مفارقة للواقع الموضوعي في هذه البلدان العربية الانقسامية.
في الحالة المصرية، في عهدي محمد علي، وإسماعيل باشا، كانت الهندسة القانونية مدخلاً للتحديث المادي، وبناء الدولة الحديثة، وأيضاً للتغيرات في بنية الملكية، وتحولها مع تصفية الدائرة السنية على الخدم والمحاسيب إلى ملكيات فردية، وعائلية شبه إقطاعية، مع دمج تجارة القطن ضمن السوق الرأسمالي الدولي، وتحديث القوانين المصرية المستمدة من التقاليد اللاتينية، وخاصة مع المحامي السكندري مانوري (Maunoury) – أمين سر اللجنة الدولية التي شكلها نوبار باشا آنذاك لدراسة المشروع وصدوره عام 1875.
مع تطور الأوضاع القانونية، ونظام الملكية، وفي العلاقات الاجتماعية، ونشأة الحركة الوطنية ضد الاستعمار البريطاني، تطورت المفاهيم المستمدة من المتن الاصطلاحي الدستوري والسياسي الأوروبي، وخاصة الفرنسي، مثل القومية، والأمة المصرية، وفصل السلطات، والمساواة والحريات العامة والخاصة، والقضاء المستقل – بعد حركة 1919 الجماهيرية الكبرى – والأحزاب، ولاسيما حزب الوفد، الذي مثّل الحركة الوطنية، والأحرار الدستوريين، والشعب، وأيضاً الأحزاب الشيوعية السرية… إلخ.
باتت شائعة مصطلحات الأمة، والقومية المصرية، والاستقلال الوطني، وسيادة الدستور، والأحزاب، والمصطلحات القانونية الدستورية، مسيطرة على بنية الخطابات السياسية المكتوبة والشفاهية في الأحزاب، والبرلمان – مجلس النواب والشيخ – وفي الاجتماعات والمظاهرات المطالبة بالاستقلال والدستور معاً!
بعض المصطلحات الدستورية، والسياسية كانت تجد لها ظلاً في التطور الدستوري، وأزماته، وبعضها الآخر كان جزءاً من المجازات السياسية والاصطلاحية!
تم إدخال بعض من استراتيجيات التطبيع اللغوي للمصطلحات القانونية، والسياسية، مع بعض من ميراث اللغة الفقهية، والكلامية الإسلامية، في البلاغة القضائية، والدفاعية في مرافعات كبار المحامين، والسياسيين، لكي يسوغوا هذه المصطلحات الغربية، وهو ما أدى إلى شيوع هذه المصطلحات في اللغة السياسية في المرحلة شبه الليبرالية.
مع الحركة الشيوعية، وأحزابها، دخلت بعض المصطلحات الماركسية كرافد هامشي في اللغة السياسية السائدة، وهو ما برز في بعض الكتابات، والخطابات السياسية بعد نظام يوليو 1952.
بعض المصطلحات الماركسية لم يكن تعبيراً عن البنيات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وتطورات الوعي الاجتماعي/الطبقي في الحالة المصرية، ومن ثم ظل بعضها أدخل إلى لغة المجازات السياسية التبشيرية.
بعض اللغة الفقهية والكلامية الإسلامية النقلية التاريخية التي تم إنتاجها تاريخياً، كانت مفارقة في بعضها عن التطورات التاريخية، والاجتماعية، والاقتصادية والثقافية للواقع التاريخي المصري في المرحلة شبه الليبرالية، على الرغم من أن غالبها كانت تستخدم في مواجهة الاستعمار البريطاني، والتغريب من منظور من كانوا يطرحون هذه الأفكار والمصطلحات النقلية التراثية، مثل بعض من الأزهريين، والسلفيين، وجماعة الإخوان المسلمين، كانت ولا تزال تمثل بعضاً من المجازات اللغوية، والاصطلاحية اللاتاريخية، رغم عمومية المصطلحات حتى اللحظة التاريخية الراهنة لجمود العقل السياسي والفقهي النقلي.
مع نظام يوليو، تم إدخال مصطلحات سياسية مثل الشعب، والشرعية الثورية، والاشتراكية العربية، وتحالف قوى الشعب العامل، والقومية العربية، والتحرر الوطني، والتنمية المستقلة، والطريق اللارأسمالي للتنمية، والحياد الإيجابي، وعدم الانحياز وغيرها.
في المرحلة الناصرية، كان القاموس السياسي يبدو متأثراً بحركات التحرير الوطني العالم ثالثية، وفق المتن الماركسي، وحركة القوميين العرب، والجماعات الماركسية، وخاصة حركة (حدتو) في مصر وعلاقات جمال عبد الناصر وخالد محيي الدين بها، وبعد دمج بعض كبار المثقفين الماركسيين في الصحافة، والاتحاد الاشتراكي، وبعض الترجمات للمؤلفات الماركسية، ولبعض من كتابات الاقتصاد السياسي الاشتراكية، والغربية، ومن دول العالم الثالث، كالهند في عهد نهرو… إلخ.
بعض المصطلحات السياسية، والنظرية كانت مجافية للواقع الموضوعي، وبعضها الآخر كانت تتوافق معه، ومنها مصطلح رأسمالية الدولة الوطنية، وغيره. وكانت هناك بعض من التوازن مع لغة الاتجاهات الدينية واليمنية داخل الأزهر وخارجه، وتوظيفها في مواجهة اليسار.
مع عهد السادات، ومبارك، حدث انقلاب في اللغة السياسية، واستخدم كاتبو خطابات السلطة مصطلحات عامة وسائلة وغامضة مثل الانفتاح الاقتصادي، والتعددية السياسية – الشكلية والمقيدة فعلياً والمجال العام المصادَر والمثقل بالقيود القانونية والأمنية –، وحرية الصحافة – المقيدة والتابعة للسلطة الحاكمة –، والإفراط في استخدام مصطلح التكنولوجيا وأحدث ما في العصر منها!، بينما تباع مصانع القطاع العام.
كانت اللغة السياسية جامحة وغامضة، وخاصة في مجال السياسة الخارجية، كالسلام مع إسرائيل، والتسوية السياسية… إلخ، مع اللغة الدينية المفرطة ضد معارضي السادات من اليسار والناصريين والليبراليين، وساعده في ذلك بعض شيوخ السلطة الدينية الرسمية التابعين لها.
في عهد السادات كانت اللغة الدينية تهيمن على خطاب بعض من أعضاء البرلمان، خاصة في ظل المادة الثانية من دستور 1971 التي نصت في شطرها الأخير على أن “الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع”، والتعديل الذي دخل على صياغة هذا الشطر بإضافة “ال” لتصبح “المصدر” في تعديل مايو 1980. ما بين النص في صياغته الأولى وتعديله، كانت أشكال من الصراع عبر اللغة والفعل السياسي بين السادات ونظامه وبين قوى اليسار الماركسي والناصريين والليبراليين، ثم بناء توافقاته مع جماعة الإخوان المسلمين بعد حرب أكتوبر 1973. ثم مزايدات كلا الطرفين على بعضهما بعضاً حول الشريعة، وتطبيقها في النظام القانوني الكلي ونظمه المختلفة، وهو ما فرض تسييد اللغة الدينية التراثية من مصادر فقه الجمهور السني، كل بحسب اختياراته ومراوغاته السياسية، وهو ما جعل تديين اللغة اليومية جزءاً من سياسة الإخوان المسلمين في الأسلمة من أسفل والوسط، ولغة الخطاب الإخواني والسلفي، وزايدت الجماعات الإسلامية الراديكالية في توظيف بعض من اللغة التكفيرية المستمدة من تاريخ الصراعات الفقهية والسياسية الدموية لبعض الفرق الإسلامية.
لم تقتصر اللغة الدينية والاصطلاحات الفقهية والكلامية التراثية على جزء من السجال السياسي فحسب – ومزايداته بين السلطة والإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية الراديكالية والسلفيين، وإنما تمددت إلى بعض الأحكام القضائية، والكتابات القانونية، وأطروحات الماجستير والدكتوراه في بعض مجالات القانون والتربية والعلوم الاجتماعية، والأخطر ظهرت بعض الكتابات عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، والخلط بين تعاليمه وعقائده الإيمانية، وقيمه العليا المنزهة، وبين الاكتشافات والقوانين والنظريات العلمية المتغيرة، وبين المطلق العقيدي والإيماني، ونسبية العلوم الطبيعية والاجتماعية، وتغيراتها كنتاج لتطور الاكتشافات العلمية المتغيرة، والتحولات المجتمعية في عالمنا المتحول.
من ثم، باتت اللغة الدينية السياسية جزءاً من سياسات الهيمنة اللغوية للسلطة ومنافسيها من جماعات الإسلام السياسي، ومحاولة كليهما فرضها على الواقع الموضوعي.
مع مبارك استمرت هذه اللغة السياسية، مع انخفاض نسبي في الحدة والعنف اللغوي تجاه المعارضين، وتطورت اللغة على نحو جزئي مع مشاركات الخبراء والباحثين في مجال العلوم السياسية، إلا أن بعض المجازات استمرت جزءاً من الخطابات السياسية ومصطلحاتها، ولا ظلَّ لغالبها في ممارسات السلطة.
اللغة الإسلامية الفقهية السياسية استمرت بقوة داخل خطابات السادات، ورجال الدين والجماعات الإسلامية السياسية، والسلفية، والراديكالية، ولكن في عهد مبارك، تقلصت إلى حد ما في خطاباته، وتمددت ما بعده في ظل حكم الإخوان ومعهم السلفيون، وما بعد 30 يونيو 2013، في خطابات السلطة والسلفيين، والمعارضة الإسلامية السياسية في الخارج، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.
مع ضعف قوى المعارضة الماركسية والناصرية والليبرالية، وهيمنة خطابات أجيال حقوق الإنسان أثناء الحرب الباردة وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي والكتلة الشيوعية، تزايد تمدد الخطاب الحقوقي العام، ومعه بعض المنظمات الحقوقية التي اتخذت أشكالاً دفاعية وبحثية وكتابة تقارير عن وضع هذه الحقوق، كل في مجال تخصصها، حول المواطنة والأقليات، وحقوق المرأة عموماً وتمكينها، والمرأة العاملة، وعمالة المنازل، والحقوق الجندرية – الجنوسية – وحقوق الأطفال… إلخ.
باتت اللغة الحقوقية جزءاً من لغة السجال العام، ولكن بعض استخداماتها كان تبشيرياً ومجافياً للواقع في عديد المجالات، على أهمية هذه اللغة.
مع انتفاضة 25 يناير 2011، كانت مفردات الحرية والعدالة الاجتماعية هي أكثر المفردات شيوعاً بين الهتافات، ومعها “ارحل” للرئيس مبارك، ثم هيمنت اللغة الدينية مع وثوب جماعة الإخوان والسلفيين إلى سدة السلطة، وظهرت أيضاً في بعض التعديلات الدستورية ثم في دستور 2012، واستمرت هذه اللغة جزءاً من الخطاب السياسي في ظل دعم السلفيين لعملية التغيير السياسي ما بعد الإخوان المسلمين!
كانت اللغة الدينية ووظيفتها السياسية في تاريخ نظام يوليو مركزية، ولا تزال مستمرة، ومرجعها الأساس أننا إزاء أحد أبرز النظم التسلطية السياسية في المنطقة العربية، وذلك لأن نظام الشرعية السياسية لا يستند إلى القيم السياسية الديمقراطية، والمؤسسات التمثيلية والآليات المعبرة عن الإرادة العامة للأمة، ممثلة في الجماعة الناخبة، عبر الانتخابات العامة الحرة، وأجهزة مستقلة ومحايدة ونزيهة ويحكمها القانون، وليس السلطة الحاكمة.
لا شك أن اللغة الدينية ووظائفها في الخطاب السياسي السلطوي العربي والمصري أساساً، والخطاب الديني للمؤسسة الرسمية التابع للسلطة عربياً، يحاول إسناد كافة السياسات والقرارات إلى مصادر ميتا وضعية، وإلى الله تعالى وتنزّه، أو إلى بعض النصوص القرآنية المقدسة، لإضفاء شرعية وتسويغ لها، ومن ثم نفي مسؤولية قادة النظام عن مآلاتها من حيث الفشل، أو النجاح، والأهم توظيف حالات التدين الجمعي المتداخل مع أنماط التدين الشعبي وموروثاته، ومحمولاته من الثقافة القدرية الشعبية، لتمرير هذا النمط من الخطاب السياسي ومحمولاته وأسانيده الدينية، لاسيما في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة.
اللغة السياسية والفقهية الدينية الوضعية ومصادرها في فقه الجمهور السني، بعضها لم يجد تجسيداً لها في الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وبدا مجافياً له، وباتت أقرب إلى التبشير السياسي.
ظلت اللغة الفقهية الاصطلاحية وتوظيفاتها في الخطابات السياسية العربية أقرب إلى الخطابات التبشيرية الدعوية والتعبوية، وذلك كنتاج لتراكم طويل لغلق باب الاجتهاد تاريخياً وبعض الجمود الفقهي، وتعثر اتجاهات التجديد في الفكر الديني لمدرسة الإمام محمد عبده وتلاميذه من الشيوخ الكبار مصطفى المراغي، ومحمود شلتوت، وعبد المتعال الصعيدي، ومن ثم كان غالب اللغة الدينية الفقهية الموروثة لا تجد ظلاً في تطورات الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحديث والمعاصر، والاستثناءات كانت ابنة تلاقح بعض المجددين الأزهريين، مع الانفتاح شبه الليبرالي، والمجتمع المفتوح نسبياً قبل نظام يوليو 1952، وهو اتجاه تعثر مع السياسة التعبوية الدينية التابعة للتسلطية السياسية، وهو ما فرض نسقاً لغوياً تعبوياً أحادي البعد.
من هنا، اللغة السياسية، في بعضها، ظل نمطياً وتوظف في بعض الأحيان على واقع موضوعي متغير، ومخالف لها، وباتت اللغة السياسية القديمة فارغة المضمون والدلالة في واقع وعالم مختلف، على الرغم من حالة باثولوجية لغوية وفكرية تعيد إنتاج لغة تحلق فوق موت السياسة وشعارات شعبوية سلطوية ودينية تحمل معها عوالم متخيلة لدى مستهلكيها.