عن سلطان باشا الأطرش والوطنية السورية
في لحظة مصيرية، خرج الدروز من عزلتهم التاريخية، ليس بصفتهم أقلية متعايشة مع وسط مختلف، ولكن بصفتهم محررين وطلائع لوطن مستباح من قوة غريبة لا تشبههم مثلما أنها لا تشبه الوسط الذي يعيشون فيه.
كانت لحظة عبقرية حين كشف سلطان باشا الأطرش عن عمق الهوية التاريخية للدروز وكونها تنتمي للحضارة العربية – الإسلامية وليست خارج تلك الحضارة.
الفصل بين نحن وهم لم يعد عبر عصبية قبلية متمذهبة ولكن عبر تاريخ عميق الجذور يحتضن اللغة والعادات والثقافة.
هذا الكشف تجسد في حسم الانتماء للوطن السوري، نحن سوريون، لأن هذا مكاننا الطبيعي.
حاول المفوض السامي هنري دو جوفنيل، في أواخر عام 1925 وبداية 1926، فصل جبل الدروز عن الحركة الوطنية السورية عبر تسوية خاصة؛ فعرض على الدروز وقف القتال مقابل الإبقاء على وضعهم السياسي الخاص ومنحهم حق وضع دستور واختيار زعمائهم وحكومتهم. غير أن سلطان الأطرش رفض فصل قضية الجبل عن القضية السورية، وطالب باستقلال سورية ووحدتها وبمعاهدة مع فرنسا وجمعية تأسيسية وعفو عام وانسحاب القوات الفرنسية.
برفضه انفصال مصير الجبل عن مصير سورية، وضع سلطان أحد أهم أسس الوطنية السورية، ليس عبر النظرية والأيديولوجيا ولكن عبر التضحية بالخاص من أجل العام.
كانت هذه إشارة قوية لوحدة مصير سورية، إشارة للوحدويين وللانفصاليين في سورية وخاصة للساحل السوري حيث كان يتصارع تياران سياسيان ضمن العلويين.
لم تكن لحظة سلطان لحظة سياسية، لقد كانت أكثر من ذلك، كانت لحظة ولادة هوية أعلى مكانة من الهوية الطائفية. هوية تستحق التضحية من أجل المستقبل وتقطع مع الماضي.
منذ ذلك الوقت أدرك الدرزي أن سوريته ليست سياسة لكنها قدر كما هي الهوية.
قدره أن يكون سورياً، وأي انعطاف للخلف سيكون مستحيلاً.
في الخلف لم يعد هناك شيء يشبه هويته السورية.
هناك عاداته وتقاليده الاجتماعية لكن الهوية الوطنية أمر آخر.
في محنة السويداء اليوم ليست الهوية الوطنية على الطاولة، بالأحرى لا يمكن وضعها على الطاولة، فهي قدر الدرزي منذ كشف عنها سلطان باشا الأطرش.
عبثاً محاولة وضعها على الطاولة.. ليس عبثاً فقط بل مقامرة خاسرة.