نهاية عالم القوميات والسيادة والوطنية والانتماء

img

الأهرام – 3 أغسطس 2026

منذ تشكل حركة القوميات في أوروبا، والولايات المتحدة الأمريكية، وتوسع الأسواق الرأسمالية، ظل مفهوم القومية مهيمناً، ومعه الأمة، والدولة/الأمة، ومفاهيم السيادة في ظل الأنظمة الليبرالية التمثيلية، أياً كانت نماذجها المختلفة، وخصوصياتها التاريخية، ومحمولاتها الثقافية، ومعها مفهوم الانتماء الوطني، في ظل هيمنة نظام الحقوق والحريات العامة، والفردية، وسيادتها على النظم السياسية، وعقل ووجدان المواطنين، وعملهم، وخيالهم السياسي، وسلوكهم الاجتماعي، في إطار المنافسات في ظل الرأسمالية، وتطوراتها. بعد الثورة الماركسية، وتشكل الإمبراطورية الشيوعية في روسيا ودول أوروبا الشرقية، ظل الانتماء الوطني مسيطراً، مع بُعدي الانتماء إلى الكتلة الاشتراكية، والطبقة العاملة داخل دول الكتلة الشرقية السوفيتية، وأيضاً البُعد العالمي لأممية الطبقة العاملة.

مع انهيار الاتحاد السوفييتي، والتحول إلى اقتصاديات السوق، والنظم التعددية السياسية، حدث تغير نسبي في العودة إلى مفهوم الدولة القومية، ومن ثم الانتماء الوطني.

مع تحولات عالمنا إلى ما بعد الحداثة، والنيوليبرالية، وثورة الاستهلاك المفرط، أدى ذلك إلى أن عديد التغيرات الكبرى، وعلى رأسها بعض الأزمات الاقتصادية الكبرى – أزمة 2008 – وتفكك الروابط الاجتماعية، والأسرية، وتفاقم النزعة الفردانية المفرطة، وأزمات الأحزاب السياسية التاريخية في أوروبا، والتمدد العولمي المتزايد، ودور الشركات الكونية الكبرى وتزايد قوتها، وبعض من نفوذها السياسي المصاحب لسياساتها الإنتاجية والتسويقية والخدماتية على سياسات الحكومات والقادة السياسيين، وتطور الأمر مع الثورة الصناعية الرابعة، وخاصة مع الرأسمالية الرقمية النيوليبرالية، وتمدد نفوذها العابر للقارات وتأثيراتها في كل مجالات الحياة في عالمنا، والأهم بات العالم، ودوله ومجتمعاته – أياً كانت مستويات تطورها – تحت أنظمة الرقابة الرقمية، والسيطرة المعلوماتية. الأهم أن هذه التطورات أدت إلى بعض من الانعكاسات السلبية على مفهوم القومية، والسيادة في ظل السياسات الأمريكية، وخاصة مع ولاية دونالد ترامب الثانية، وتفكيره وسلوكه الغرائبي وتمركزاته القومية العرقية وحركة «ماجا»، تجاه الهجرة، وحلفائه في دول الناتو، وفي عديد من مناطق العالم، وأقاليمه الجيوسياسية، وهو ما أدى إلى عدة أشكال من المفاهيم والإدراكات السيو-سياسية، والثقافية لبعض من النظرات القومية العرقية تجاه المهاجرين، والمواطنين في دول أوروبا، والولايات المتحدة من ذوي الأصول العرقية العربية والإسلامية، والأفريقية، واللاتينية. النظرات اليمينية العرقية – للجنس الأبيض وتمركز بعضهم حولها – هي محضُ تقلصات للتغير فائق السرعة في بنيات الرأسماليات النيوليبرالية، وشركاتها الكبرى، وتأثيراتها، وانعكاساتها على الصراعات الدولية مع الصين وآسيا الناهضة، وتطوراتها التكنولوجية في مجال الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي التوليدي وتمددها الكبير في أسواق العالم.

المنافسات الكبرى في مجال التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وعالم الروبوتات استثار وحفز في أحد أبعاده هذا النمط من اليمين المتطرف والعنصري، كنتاج لبعض أزمات النظم الليبرالية الأوروبية، وأحزابها السياسية ما بعد الحرب الباردة، وأيضاً نمط قادتها من التكنوقراط، والبيروقراطية ذوي المستويات من المديوكرات والمنيوكرات، على نحو ما حدث في ألمانيا ما بعد ميركل، وفرنسا ما بعد ميتران ونسبياً جاك شيراك، لاسيما مع ساركوزي، حتى ماكرون، وإيطاليا، وهو ما جعل أوروبا تبدو في حالة انكشاف نسبي مع مشاكلها الاقتصادية والتكنولوجية والدفاعية، وحرب روسيا وأوكرانيا، والحرب على إيران من أمريكا وإسرائيل، والإبادة الجماعية للمدنيين في قطاع غزة من إسرائيل، على نحو نشط الاتجاهات اليمينية، والمتطرفة.

لا شك أن مفاهيم القومية العرقية، هي حالة نكوصية وارتدادية من بعض الشرائح الاجتماعية، التي تستعيد في مخيالها السياسي حالة أوروبا، ومجتمعاتها، وقومياتها في مراحل ما قبل الحرب العالمية الأولى، والثانية، حيث غلب بعض من السمات العرقية/القومية، وذلك على الرغم من أن الهجرات الداخلية، بين الدول الأوروبية تعود إلى قرون سابقة، وتفاقمت مشكلات الهجرة ما بعد الحرب العالمية الثانية وإلى الآن! وهو ما جعل الاندماج من المهاجرين داخل المجتمعات الأوروبية مشكلة تتفاقم، ومعها ثم أزمة التكامل الداخلي، وظل الانتماء الداخلي مع بعض التوترات في علاقة المواطنين والمهاجرين مسيطراً، وتزايد تفاقماً وتوتراً للمشكلات مع تمدد هجرات بعض أبناء المستعمرات في فرنسا وبلجيكا، ثم إلى دول شمال أوروبا من جنوب العالم، وفشل سياسات الاندماج الاجتماعي، وتفجرت بعض من توتراتها مع الأجيال من الثانية إلى الرابعة، حيث ظهرت وبقوة الصراعات الهوياتية حول الدين والمذهب والعرق، والهوية مع تمدد نفوذ أفكار بعض حركات الإسلام السياسي الراديكالية، إلا أن الصراعات الهوياتية مرجعها أسباب أكثر تعقيداً، من الانتماء الديني لبعض المكونات الإسلامية، والعربية ومنها التهميش الاجتماعي، والعزلة وتفكك الروابط الاجتماعية في ظل تطورات الرأسمالية النيوليبرالية، والتحولات إلى عالم ما بعد بعد الحداثة، ونهاية الأيديولوجيات والسرديات الكبرى، وعالم المابعديات، كل هذه التغيرات أدت إلى اعتصام عديد من المواطنين من ذوي الأصول غير الأوروبية – ومنهم الأتراك والإسلام الأناضولي في ألمانيا وأوروبا – بالهويات الأصلية، لاسيما الدينية والمذهبية – الشيعة في أوروبا على سبيل المثال – والثقافية، والعرقية، خاصة في مواجهة حالة التفكك الاجتماعي لبنيات الأسرة في أوروبا، وحالة الفردانية المفرطة، والوحدة، والاغتراب، وهو ما جعل الهويات الدينية أداة للاندماج الأسري، وهو ما أدى إلى تفاقم مشاكل الاندماج الاجتماعي، وداخل بعض الأجيال من ذوي الأصول العربية والإسلامية، وفاقم من حالة الخوف والرهاب الهوياتي، صدمات عمليات التحول إلى عصر الإناسة الروبوتية وبشائر التحول إلى ما بعد الإنسانية، مع الثورة الرقمية، وأثرها على بعض من الانفصال عن الواقع الفعلي، والحياة داخل العالم الافتراضي.

في ظل تغيرات عالم الذكاء الاصطناعي التوليدي، وعالم الروبوتات، وهيمنة الشركات الرقمية النيوليبرالية الكونية، وسيطرتها، سوف تتغير مفاهيم الدولة القومية، والسيادة، وطبيعة النظم السياسية الليبرالية، وفاعليها ودينامياتها وآلياتها ومؤسساتها، والأحزاب، والوطنية، وأيضاً الانتماء الوطني مستقبلاً، وخاصة مع خروج عشرات الملايين – من خمسين إلى ستين مليون خلال المستقبل القريب والمتوسط – من مجال العمل أياً كان، وتحولهم إلى البطالة، ونظم التأمينات الاجتماعية إن استمرت غالبها، وذلك لعدم القدرة والإمكانية على إعادة التكيف والتأهيل، والانتقال إلى وظائف وأعمال بديلة في عالم جد مختلف.

هذه الأرقام ستتزايد خلال العشر سنوات القادمة وما بعد، ومن ثم ستخرج مئات الملايين من مفهوم العمل ودوره في حياة الإنسان إلى البطالة والوحدة، والعزلة الاجتماعية، مع صعود أدوار الذكاء الاصطناعي، والروبوتات في مجالات الحياة المختلفة.

كل ميراث المعرفة والثقافات، المتراكمة في حياة الإنسان، ستحدث فيها تغيرات كبرى، ومعها معنى الشرط الوجودي الإنساني كفاعل مركزي في الكون، والطبيعة والحياة، ومعها ستتفاقم مشكلة المعنى في الحياة، خاصة في ظل التغيرات التي تحدث وستستمر في مفاهيم ومعاني الأديان، والمذاهب الدينية وتفكك محتمل في عديد مؤسساتها الأصولية وتراجع أدوار ووظائف رجال الدين المحترفين وعملهم الاحترافي الذي ينهض به الذكاء الاصطناعي من الآن، ومعها ستتغير مفاهيم العرق، والوطنية، حتى في ظل حالة العودة النكوصية لهم، من بعض الشرائح الاجتماعية في الغرب كردة دفاعية، وأيضاً في دول العسر العربية، تجاه تحولات كبرى نحن غير قادرين بالفشل والعجز السياسي والاقتصادي والتكنولوجي، والعلمي على مواجهتها. عالم مختلف في تحولاته العاصفة، ولا نزال نعيش في حالة ردة حضارية شاملة، ويبدو أن لا خلاص تاريخي منها يلوح في الأفق القاتم للمنطقة.


الكاتب د. نبيل عبد الفتاح

د. نبيل عبد الفتاح

باحث وكاتب صحفي مصري. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وشغل منصب رئيس مركز تاريخ الأهرام، كما عمل رئيساً لفريق تحرير "تقرير الحالة الدينية" في مصر. مختصّ في شؤون الجماعات الإسلامية الأصولية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة