أزمات القانون: غياب الفاعلية

img

الأهرام – 27 أغسطس 2026

القوانين الوضعية الحديثة تُشرَّع، وتصدر لكي تُطبَّق بصرامة في تفاصيل الحياة ومجالاتها المختلفة، من سلطات إنفاذ القانون، ومن المخاطبين بأحكامها، والأهم أن ينصاع لها المواطنون في سلوكهم الاجتماعي، وفي علاقاتهم ببعضهم بعضاً، وبأجهزة الدولة على اختلافها.

فاعلية القوانين تكمن في خضوع الحكام وذوي السلطة والثروة والنفوذ والمكانة، وأجهزة الدولة – لا سيما في الدول السلطوية – على اختلافها، لها، دون تمييز أو تحيز أو تعسف أو تأويلات تجعل من قواعده التنظيمية والإجرائية قيداً على حقوق المواطنين، أو تعسيراً لهم في تنفيذ أحكامه. لا قانون بدون تحقيق الردع العام والخاص في المجال الجنائي موضوعياً وإجرائياً وتطبيقياً من السلطات والمواطنين معاً، لأن بعضهم في سلطات الدولة وجهات إنفاذ القانون يعتقدون أن القانون ملك لهم، يطبقونه وفق أهوائهم وتأويلاتهم، ويتعسفون في إجراءاته، وهو ما يخالف مبدأ دولة القانون والحق، وسيادته فوق الجميع، وأولهم سلطات الدولة.

القانون ليس محض إرادة مطلقة من السلطة الحاكمة تضع من التشريعات كما تشاء، وتمررها عبر برلمانات سلطوية كما ترغب، دون نقاشات جادة وعلمية تراعي المصالح الاقتصادية والاجتماعية المتصارعة، على نحو ما رأينا طيلة غالب عهدي نظامي مبارك والسادات، وإلى برلمانات الإخوان والسلفيين، وما بعد 30 يونيو، وتراجع بعض مستويات تكوين أعضاء البرلمانات والأحزاب السياسية التي جاءوا منها، واقعياً، من خلال عديد التجاوزات في المنافسات الانتخابية، وشراء بعضهم الأصوات من المواطنين الفقراء، وغيرها من أشكال الخروج على القانون، على نحو ما تكشف عنه الطعون على النتائج والأحكام الصادرة ببطلان بعضها، إلى الحد الذي بات المواطنون لا يهتمون بالمعارك الانتخابية البرلمانية، والاستفتاءات العامة، ولا الأحزاب السياسية الهشة التي لا ظل لها في الشارع، وليس لها قواعد اجتماعية مساندة لها، وأصبحت أحزاباً في الفراغ السياسي، ولا يُعرف قادتها ولا برامجها ولا خطاباتها السياسية.

لم نعد نرى بعض أعضاء البرلمانات من رجالات السياسة، ولا التكنوقراط من ذوي المستويات العليا من الكفاءة، على نحو ما كنا نرى سابقاً، على قلتهم! وهو ما يظهر من مستوى بعض الخطابات البرلمانية السياسية والتشريعية، والاقتراحات والآراء التي يتسم بعضها بالسطحية والسذاجة السياسية، على نحو يفتح الأبواب واسعة للسخرية والنقد والهجاء الضاري من بعض الجماهير الرقمية الغفيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يؤثر سلباً على بعض من هيبة السلطة التشريعية ومكانتها، كنتيجة لبعض هذه الآراء غير المدروسة والمرتجلة والمرسلة من بعض النواب.

حالة السلطة التشريعية، وفق مبدأ الفصل والتوازن بين السلطات، تتطلب دوراً تشريعياً وازناً في المبادرة بطرح القوانين من الأعضاء، أو أحزابهم السياسية، وهو ما لا يحدث إلا نادراً، وغالباً لا تُمرَّر من خلال البرلمان إذا جاءت من بعض المعارضين. الأهم هو ضرورة المناقشات الجادة والموضوعية لمشروعات القوانين، وأيضاً الدور الرقابي في طرح الأسئلة والاستجوابات للسلطة التنفيذية، في عمق ورصانة وجدية، وهي ظاهرة في تراجع في حياتنا البرلمانية.

من هنا لا نجد لدينا سياسات تشريعية جادة تواجه مشكلات المجتمع، والدولة وأجهزتها وتنظيمها، والتوازن بين الحقوق والواجبات على المواطنين، ومن ثم فإن هذا الغياب يؤدي إلى حالة من تراكم التشريعات، وتمريرها بعيداً عن اهتمامات ووعي ومعرفة المخاطبين بأحكامها، ومن ثم يلجأ المواطنون وأجهزة الدولة إلى آليات واقعية لتجاوز القوانين أو خرقها، من خلال قانون الرشوة والفساد والمكانة والسلطة.

السياسة التشريعية في دول العالم المتقدمة هي هندسات اجتماعية وإدارية وتنظيمية، ومن ثم نسق من الفلسفة والقيم والأهداف والمصالح التي تسعى السلطة الشارعة إلى تحقيقها في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والأمنية… إلخ، وتُراعى من خلالها التوازنات بين المصالح المتعارضة، والصراعات فيما بين بعضها بعضاً، وبين القوى والفئات الاجتماعية على اختلافها.

الدولة لا تميل فقط لمصالح القوى الاجتماعية المساندة للنظام فقط، وإنما تتجاوز ذلك في عديد الأحيان لصالح القوى الاجتماعية العريضة، لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي، والتوازن النسبي بين الطبقات الاجتماعية المختلفة. التشريعات ليست محض أداة سلطوية، وإنما هي تنظيم وضبط للسلوك الاجتماعي، وللعلاقات بين أجهزة الدولة وبين المواطنين، وليست لتحويل سلطات وأجهزة الدولة التنفيذية إلى محض أجهزة جبائية فقط من المواطن لتمويل كل جهاز وهيراركياته من المكافآت! ولا منح غالب أجهزة الدولة وموظفيها حصانات قضائية يوظفها بعضهم في آليات الفساد الوظيفي، في أثناء تطبيقه للقانون!

في تاريخ نظام يوليو 1952، كانت السياسة التشريعية تعبيراً عن رأسمالية الدولة الوطنية، وداعمة للسياسات الاجتماعية ومفهوم العدالة الاجتماعية في المرحلة الناصرية في التعليم والعمل والصحة، وكان بعض كبار فقهاء القانون ممن تعلموا في فرنسا، أو في مصر في المرحلة شبه الليبرالية وثقافتها السياسية والقانونية، وكانت القوانين أفضل مقارنة بالمراحل اللاحقة من عهدي السادات ومبارك، وتراجع بعض مستويات الفن والصناعة التشريعية. كان ولا يزال من أسباب تنامي عدم فاعلية القانون، وغياب تطبيقه في تفاصيل الحياة اليومية، ما يلي:

1- هيمنة النزعة التجريمية والعقابية والقيود الإجرائية في كافة التشريعات على اختلافها، وذلك لسطوة بيروقراطية الدولة وتفشي الفساد مع الانفتاح الاقتصادي، وسياسات الخصخصة حتى تفاقمه مع النيوليبرالية ما بعد 30 يونيو وإلى الآن! وهو ما يحتاج إلى مطاردته، ومحاسبة كل الفاسدين أيا كانت مواقعهم من الثروة والسلطة والمكانة الاجتماعية، ومن أعلى لأسفل النظام الاجتماعي.

الميل إلى فرض القيود على الحريات العامة، ومحاصرة وإغلاق المجال العام، والنزعة إلى تغليظ العقوبات في غالب القوانين ـ على الرغم من سياسة الردة عن التجريم في الأنظمة القانونية المقارنة منذ السبعينيات من القرن الماضي ـ أو الغرامات المالية الباهظة، وتزايد الرسوم على الخدمات العامة من أجهزة الدولة. العشوائية في تعديلات بعض القوانين، أو وضع قوانين جديدة دون دراسات موضوعية للواقع الذي تنظمه، أو في إطار تطورات المبادئ العامة للقوانين المقارنة واتجاهاتها مع تطورات العلم والتقنيات وثورة المعلومات والرقمنة، حتى الذكاء الاصطناعي التوليدي.

انحياز بعضهم في السلطة الشارعة والتنفيذية لطبقة رجال الأعمال النيوليبرالية، وتأثرها بمصالحهم.

الأخطر في أعقاب 25 يناير 2011، حتى ما بعد 30 يونيو، تجلّى غياب فلسفة وسياسة تشريعية لمراحل الانتقال السياسي، وتحلل بعض أجهزة الدولة من الأطر الدستورية من خلال تأويلاتها السلطوية، في ظل نمط من بعض ذوي المستوى المحدود من البيروقراطية القانونية، خاصة في ظل سياسة الطاعة التشريعية لتوجهات السلطة التنفيذية في مشروعاتها بقوانين التي يتم تمريرها من البرلمان في تشكيلاته المختلفة.

ما المطلوب لكي تكون القوانين أكثر فاعلية وتوازناً بين المصالح الاجتماعية المتعارضة، لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي؟ بعض من البداهات الغائبة كبداية، على النحو التالي:

1- تشكيل لجان لمراجعة القوانين الأساسية من منظور إصلاحي وحرياتي، تُراعى فيها التوازنات بين القانون والحريات العامة والفردية في إطار القانون المقارن، وخاصة إصلاح قانوني العقوبات والإجراءات الجنائية، وخاصة الحبس الاحتياطي، وضمانات المتهم والمجني عليه معاً، موضوعياً وإجرائياً.

2- الرجوع عن بعض سياسات الجباية والريع السلطوي في فرض الرسوم المفروضة على الإجراءات الرسمية في كافة مجالاتها، وضبط ارتفاعها من أجهزة الدولة على اختلافها.

3- رفع القيود على حريات الرأي والتعبير، وإصلاح المجال الجنائي والعقابي والإجرائي.

4- صياغة فلسفة قانونية إصلاحية تراعي التوازن بين الحريات والنيوليبرالية، وتضبط تغول طبقة رجال الأعمال، ومراعاة التحولات الرقمية، وتعديل قانون السلطة القضائية وضماناته لصالح دعم استقلالها، ومعها الجماعة القضائية، ودعمهم في الأجور والخدمات في ظل ارتفاع تكاليف الحياة، تأميناً لهم ولأسرهم ولاستقلالهم.

5- استخدام الرقمنة والذكاء الاصطناعي في أثناء إعداد مشروعات القوانين، وفي مساعدة أعضاء البرلمان في مجال معرفة القانون المقارن، وأيضاً التاريخ التشريعي المصري في كل مجال، منعاً للتضارب والتناقض في أثناء وضع التعديلات القانونية على التشريعات السابقة أو المشروعات الجديدة.

ما سبق محض أوليات فقط من أجل بث بعض من فاعلية القوانين في الحياة اليومية، واحترام الدولة والسلطة والمواطنين لها.


الكاتب د. نبيل عبد الفتاح

د. نبيل عبد الفتاح

باحث وكاتب صحفي مصري. مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وشغل منصب رئيس مركز تاريخ الأهرام، كما عمل رئيساً لفريق تحرير "تقرير الحالة الدينية" في مصر. مختصّ في شؤون الجماعات الإسلامية الأصولية.

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة